رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

دراسة داوستاشي.. ودوشة أصابت دماغي


عصام الجباخنجي
8/5/2017 10:55:10 AM

قدم الفنان عصمت داوستاشي في عدد أخبار الأدب 1252 الصادر في 23 يوليو 2017 دراسة في مجلات الفنون التشكيلية في مصر، وقد بدأها بمجلة »صوت الفنان»‬ والتي كان يصدرها الفنان والناقد وأستاذ تاريخ الفن محمد صدقي الجباخنجي علي نفقته الخاصة »‬مايو 1950 إلي ديسمبر 1952» .
وبدأ الدراسة بإستعراض أهم مجلات ونشرات الفنون التي صدرت وتعريفنا بأهم نقاد الفن التشكيلي والمساحات التي خصصت لأخبار الفن التشكيلي في الصحف والمجلات ثم أشار إلي الظروف التاريخية السابقة لصدور العدد الأول من مجلة صوت الفنان »‬مايو 1950».. (رصدت صوت الفنان أصداء النصف الأول من القرن العشرين وعصر الرواد »‬حتي قيام ثورة يوليو 1952 ويبدو أنها تخاصمت مع الثورة أو رفضتها فتوقفت عن الصدور كحدث فريد ورائد في الصحافة الفنية) .. ثم إنتقل إلي الأشكال التي ظهرت بها المجلة منذ ظهورها حتي توقفها إلي أن وصلنا إلي العنوان »‬الجباخنجي.. شيخ  الفنانين» فأخرجنا كاتب الدراسة من الموضوع وأدخلنا في حكاياته مع أستاذه وعميد الكلية ومغامراته حين كان طالبا في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية- أوائل الستينيات- ويذكرنا بأهم صفات شخصيته (... وكنت متمردا وثائرا علي كل الخطأ حولي وأجهل سبب تمردي وثورتي..» راويا لمواقف قابلة للتصديق وأخري شطحات وبعضها خروج عن اللياقة -أرجو الرجوع إلي ما كتبه تحت هذا العنوان- فقد أطال في سرد الكثير من التفاصيل كان هو بطلها، أري أنه كان من الأفضل تناولها عند كتابة مذكراته.. وحكايات أخري يصعب تأكيد صحتها ممن كانوا طلابا في تلك الفترة -أوائل الستينيات- حين كان يدرس داوستاشي، فمنهم من ابتعد أو رحل عن عالمنا. كنت ومازلت علي اتصال ببعض طلاب السبعينيات والثمانينات ودائما ما كانت تدور أحاديثهم عن مواقف وذكريات مع أستاذهم وأسعد بسماعهما تتنافي تماما مع ماذكره داوستاشي: كان يوزع المحاضرة مطبوعة ثم يجلس بقية وقت المحاضرة يحكي لنا تاريخ حياته الذي هو تاريخ الحياة الفنية في مصر منذ جيل الرواد حتي بدايات النصف الثاني من القرن العشرين..» أذكر أن أحد طلابه -تخرج في أوائل السبعينات- ذكر لي أن أستاذه كان مبتكرا في طرق تدريسه لمادة تاريخ الفن واستخدامه لوسائل إيضاح مختلفة عند إلقاء محاضراته ومنها »‬البروجكتر»، وسمعت أيضا: كنا نتناقش معه في المحاضرة وكنا نتفق فيما بيننا علي اختيار أصعب الأسئلة لنطرحها عليه ودائما ما كانت تبهرنا إجاباته.. ومؤخرا اتصل بي أحد طلابه الأوفياء موضحا ونافيا ما ذكره كاتب الدراسة: »‬كان أستاذنا أحيانا بعد الإنتهاء من محاضرته يوزع علينا المحاضرة التالية حين يري ضرورة لذلك وكنا نتناقش معه حول ما جاء بها ،كان ينتظر من طلابه الأسئلة فمن خلالها يتعرف علي مستوياتهم خاصة في الأيام الأولي للدراسة.. وكان يعتمد علي الطريقة الحوارية في بعض محاضراته»..
ثم يأخذنا داوستاشي بعد ذلك لحكاية مجلة الحائط التي كان يصدرها ويعلقها في الممر المؤدي إلي حجرة العميد وهيئة التدريس حتي يطلعوا عليها، ثم أطال في شرح واقعة تدعو إلي الشفقة وملخصها أن أستاذه طلب منه الخروج من المحاضرة بمجرد دخوله.. ثم حوار قد دار بينه وبين أستاذه وإن ما كان يكتبه في مجلة الحائط قد أغضب أستاذه الذي قال له: كيف تقول أن الفنون جنون ده كلام فارغ. وتبدو الواقعة صحيحة.. إنما داوستاشي الذي ذكر لنا أن مقاله الافتتاحي يأتي دائما عنيفا ناقداً لأشياء كثيرة داخل الكلية وخارجها.. هو نفسه الذي قال: »‬أنا الذي لا يحب المواقف الحادة والمشاجرات مع الآخرين وأتجنبها وأتجنب أي شكل من أشكال الصراعات والتنافسات من أي نوع..» ويبدو فعلا أنه لم يفهم نفسه فقد أخبرنا: »‬وحتما كان أحمد عثمان يفهم حالتي أكثر من فهمي أنا لنفسي وكان رفيقا بي..»
ما يجعلني أميل إلي الاعتقاد أن سبب غضب أستاذه منه لا يعود فقط إلي مسألة »‬الفنون جنون» التي ذكرها.. وعلي العموم نسأل.. هل الإبداعات التي تركها لنا أجدادنا الفراعنة كانت نتيجة لإصابتهم بالجنون؟....
أليست هذه إهانة لكل من يمارس الفن علي أرض المحروسة؟
هل اختار داوستاشي دراسة الفن ليضمن مقعده في رحلة إلي عام الجنون؟.. كنت أود لو ذكر لنا إن كان قد استمر في تعليق مجلته علي الحائط أم توقف عن إصدارها بعد اعتذاره لأستاذه.
ثم واصل الحديث عن شخصه: (لم أكن مطمئناً للأحداث التي تمر بها بلادي من متغيرات.. لم تكن الأوضاع في الكلية أو خارجها تعجبني.. كنت أشعر بأننا علي وشك كارثة كبيرة ستسحقنا جميعا في القريب العاجل..) ويواصل: (كان الإعلام مزدهرا متألقا بعبد الناصر وإنجازاته وخطبه ومواكبه.. كنت بعيدا عن السياسة أكرهها وأعتبرها عملا من أعمال الشياطين والأوغاد..)
داوستاشي الطالب -أوائل الستينيات- والذي لا أعلم كم كان يبلغ من العمر وقتها ،كان غير راض عن فترة الستينيات وإنجازاتها!! رغم -كما قال- بعده عن السياسة.
لقد سبق لداوستاشي أن وضعنا في حيرة حين أرجع توقف مجلة »‬صوت الفنان» عن الصدور بعد قيام ثورة يوليو 1952 كونها تخاصمت معها أو رفضتها.. ثم نجده في موضع أخر يقول: (أن سبب توقفها هو عدم تلقيها للدعم المالي..) فأيهما نصدق هنا داوستاشي الذي قال الرأي الأول أم داوستاشي قائل الرأي الثاني؟؟. وهنا أود التأكيد أن مجلة صوت الفنان كانت تصدر علي نفقة صاحبها ومحررها محمد صدقي الجباخنجي وظلت تصدر بعد الثورة حتي ديسمبر 1952.
 واتسع خياله فراح يقول: (.. ومن المؤكد أن نسخة من العدد الأول قدمها الأمير يوسف كمال إلي جلالة الملك ضمن ما يرعاه من شئون الفنون في مصر، ولعل الجباخنجي كان يحلم بالحصول علي لقب »‬البكوية» مثل من سبقوه من فناني مصر ..) عجيب كم كان يبلغ من العمر وقتها حين تأكد له؟!.. أعتقد أن هذا الموضوع لم يتناوله أحد من قبل فمن أين أتي هذا التأكيد؟ أم كان له أحد في القصر أكد له ذلك؟.
وهل »‬البكوية» وقتها تمنح لمجرد إصدار أحدهم أول عدد من مجلة يعلم الله هل ستستمر أم لا؟
وهنا نأتي إلي عبارة حرص داوستاشي علي تكرارها وأترك القارئ الكريم التعرف عليها عند استكمال قراءة الأسطر التالية.
 »‬.. والنسخة الكاملة الموجودة عندي من أربعة  مجلدات اشتريتها من محررها محمد صدقي الجباخنجي عام 1962 عندما كان يدرس لنا مادة تاريخ الفن في كلية الفنون الجميلة..».
 »‬اشتريت منه كل كتبه ومنها أعداد مجلة »‬صوت الفنان» مجلدة وهي أول مجلة في الفنون الجميلة تصدر بانتظام شهري لسنوات».
 ومرة ثالثة »‬.. وكنت الطالب الوحيد الذي اشتري منه مجلداتها - يقصد مجلة صوت الفنان- واشتريت أيضا كل ما أصدره من كتب ومطبوعات أخري وأعتبرها مصدر علم ومعرفة.
 ثم يقف داوستاشي أمام أستاذه معتذرا له في حضور عميد الكلية (.. هل تغيبت يوما عن حضور محاضراتك.. ألست الطالب الوحيد الذي اشتري كل مؤلفاتك منذ أول يوم لك معنا في الدراسة..).
كان حريصا علي تكرارها.. وأنه الطالب الوحيد الذي كان يقوم بذلك- وعلي افتراض صحة ما قاله- لماذا لم يذهب داوستاشي إلي المكتبات لشراء مؤلفات أستاذه؟!.. ولن أزيد.
لقد أخرجنا وأبعدنا كاتب الدراسة بحكاياته وتجاوزاته وانطباعاته العابرة عما قال أنها دراسة في مجلات الفنون التشكيلية في مصر.