رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الكتابة وحدها لا تكفي !


للفنان : Tim storkier

للفنان : Tim storkier

حسين السيد
9/30/2017 11:40:14 AM

حلم العيش من عائد الأدب يراود كل الكتاب تقريبا، لكن علي أرض الواقع المسألة تبدو مستحيلة. نجيب محفوظ الذي عاش حياته موظفا ملتزما »رجل الساعة»‬ كما أطلق عليه الكاتب محمد عفيفي، كان يراوده الحلم نفسه، لكن لم ينجح في تحقيقه إلا بعد حصوله علي نوبل، ووقتها كان قد خرج علي المعاش.
صحيح لم تسر حياة محفوظ الوظيفية كما خطط لها، فقد كان يخطط منذ البداية أن يحيل نفسه إلي التقاعد عند بلوغه السن التي يستحق فيها معاشا كاملا،  وعندما وصل إلي هذه السن، كانت المتطلبات المادية أكثر فبقي في وظيفته حتي بلوغه السن القانونية، لكنه رغم ذلك أحب الوظيفة، تأقلمت معها شخصيته المنظمة المنضبطة، يقول: »‬عشت عمري كموظف، وأديب، ولو لم أكن موظفا لما كنت اتخذت النظام بعين الاعتبار، كنت فعلت ما أشاء وفي أي ساعة أشاء، لكنني في هذه الحالة، كان علي أن استيقظ في ساعة معينة، وأكون في الوظيفة في ساعة معينة، ويتبقي لي من اليوم ساعات معينة، فإن لم أنظم هذا اليوم فسأفقد السيطرة عليه».
ورغم ذلك يقول في حوار نشرته مجلة الكواكب في 25 أكتوبر عام 1988 عقب فوزه بجائزة نوبل »‬كانت أغلي أماني في الحياة أن تتاح لي فرصة الاستقرار والتفرغ للعمل الأدبي. ولكن لا أريد مع ذلك أن يأتي شهر أضطر فيه لاقتراض النقود، لذلك فأنا الآن موظف وكاتب سينمائي ثم أديب بعد ذلك. أي أن الأدب هو مهنتي الثالثة ولو ضمنت لي الدولة مائة جنيه في الشهر لكان هذا تقديرًا أفضل من جائزة الدولة، ولقدمت لها كل انتاجي الأدبي لنشره وإعداده للمسرح والسينما دون مقابل».
الآن بعد كل هذه السنين وبعد التطور الكبير في عملية النشر، هل أصبحت الكتابة توفر دخلا يمكن الأديب من تحقيق هذا الحلم.. التفرغ لعمله الأدبي فقط؟
هنا نتتبع قصصًا لكتاب شباب، بعضهم حصل علي جوائز أدبية هامة، وآخرون يحفرون طريقهم بدأب، وحصلوا علي إشادات تؤكد موهبتهم الكبيرة، نتحدث هنا عن الكتابة، وعن لقمة العيش، عن كيف يوفرون نفقاتهم، وهل نجح أحدهم في تحقيق الحلم.. العيش من عائد الكتابة وحده.

يقول الكاتب الشاب أحمد عبد العاطي: »‬طلبت من أحد أصدقائي أن يبحث لي عن عمل علي جهاز من أجهزة الغسيل الكلوي، تدفع المستشفيات باليوم لطلبة كليات الطب في مصر، كأنه تدريب مدفوع الأجر، أرسم أيضًا، وأحاول بيع لوحاتي كي أحسن دخلي، في الحقيقة لا أريد أن أعمل طبيبًا بعد التخرج، قد أضطر إلي ذلك، لكنني لا أريد».
حاول أيضا العمل في العطلات الصيفية ليوفر دخلًا إضافيًا، يروي بداياته مع الكتابة، وكيف كان يكتب سرًا، كي لا يغضب والديه اللذين نصحاه بالتفرغ لدراسة الطب، ومن ثم الكتابة بعد التخرج كيفما أراد، لكن موقفهم تغير بعد فوزه بجائزة الشارقة لشباب الجامعات »‬إبداع4» فئة القصة القصيرة، يعترف بأنه محظوظ مع الجوائز، ففي فترة قصيرة فاز بجائزة »‬إبداع 4» ثم بالمركز الثالث في مسابقة أخبار الأدب، يقول:»الجوائز مهمة للغاية، ربما هي مصدر الدخل الوحيد لكاتب القصة القصيرة، حين تقوم بطباعة مجموعة قصصية، قد يطلب منك الناشر مالًا، وقد لا يعطيك ربحًا، أعتبر نفسي محظوظًا، أحد الناشرين تعاقد علي نشر مجموعتي القصصية الأولي »‬انشطار الطير»، دون أن يطلب مالًا، واتفق علي أن يعطيني عشر الربح، عادة ما تكون الطبعة 500 نسخة، أعتقد أن أقصي ما يمكنني الحصول عليه عن كل طبعة تباع بالكامل هو ألف جنيه، في الحقيقة لا توفر الكتابة منفردة وسيلة مناسبة للعيش، لذا أحاول أن أبحث عن عمل جانبي دائمًا».
مايحدث في هذه المدينة
وإذا كانت موهبة عبد العاطي، تواجه مخاطر حقيقية كون الاستقرار المادي مهما لتوفير بيئة جيدة للمبدع، فإنه يحتمي بكونه لازال طالبًا، إسلام عشري - وهو كاتب قصة قصيرة فازت مجموعته القصصية »‬شيء .. ما يحدث في هذه المدينة» بالمركز الثالث في مسابقة هيئة قصور الثقافة المصرية- يعتقد أن الأمر يغدو أصعب كثيرًا حين تصبح خريجًا، »‬ميولي أدبية، حاولت الالتحاق بالقسم الأدبي في الثانوية العامة، غير أن حلم أهلي كان مختلفاً، تخرجت في كلية الهندسة بعد 7 سنوات، كتبت أثناء الدراسة، وكتبت بعدها، استغرقت 7 سنوات كاملة لإنهاء مجموعتي القصصية الأولي، وحين بدأت العمل كمهندس أدركت أنه لا يمكنني الجمع بين الأمرين، لم أكتب حرفًا واحدًا طوال فترة عملي الهندسي، قدمت استقالتي وعملت في كل شيء، عملت في محل لبيع الأسماك، عملت كمحاسب، وأعمل الآن في صالة للألعاب الرياضية، أعمل ثلاثة أيام في الأسبوع لتوفير نفقاتي، وأتفرغ 4 أيام للقراءة وللكتابة، أدرك أن خياراتي انتحارية، غير أني أدرك أن الكتابة تحتاج إلي وقت كي تري أثرًا لعملك، ربما أكتشف خطئي في النهاية، ربما أعود للعمل الهندسي، لا أعرف، ما أعرفه أن الكتابة وحدها لا تكفي، أترجم، وأدقق الكتب لغويًا، وأنتظر أن يأتيني دخل من ذلك يومًا، أحب أن أكون بجانب الكتابة، أحب الأعمال القريبة من هذا المجال، بشكل عام لا يمكنك العيش في مصر من الكتابة فقط، إما أن تترجم، تعمل بالصحافة، تفتتح دارًا للنشر، تتجه للعمل طبيبًا أو مهندسًا، لا يمكن أن تكون الكتابة وحدها كافية».
الروائي والصحفي بجريدة الأهرام أحمد شوقي علي يقول: »‬عن نفسي لجأت للصحافة في سن صغيرة، لمعرفتي بأن الكتابة لن تعيلني، الصحافة ليست بعيدة عن الكتابة ظاهريًا فقط، ولكنها للأسف وظيفة قد لا تلائم كاتبًا، لأنها مرهقة، وتكون أكثر إرهاقًا في الظروف الاقتصادية العصيبة التي نمر بها بعد تعويم الجنيه والتضخم، فلكي أتحصل علي ما يعينني علي العيش بصورة معقولة، أضطر للعمل في وظيفتين، وهو أمر صعب ».
يشرح: »‬تخيل أنك مضطر لأن تذهب إلي عملك في الصباح لمراجعة أخبار كتبها غيرك وإعدادها للنشر، ثم تعود إلي منزلك في المساء، فتضطر إلي قراءة كتاب أو متابعة فعالية ما لإعداد تقرير صحفي يخصك عن هذا الكتاب أو تلك الفعالية، قد يكون الكتاب مملًا أو غير ذي نفع لك، ولكنك تضطر للاستمرار في قراءته، كذلك قد تكون الفعالية تافهة لكنك أيضًا تضطر لمتابعتها، وإلا فإن راتبك لن يعينك علي الحياة، فأين الوقت الحقيقي الذي تمتلكه لنفسك ولمشروعك الأدبي المفترض؟
منذ أن انتهيت من روايتي ونشرت في العام 2015 لم أكتب نصًا مكتملًا، لا وقت ولا مزاج ولا طاقة لشيء تأسيسي مثل الكتابة».
أزمة الصحافة الثقافية
القاص محمد علام يعقب علي حديث شوقي فيقول »‬أزمة الانتماء للصحافة الثقافية ليست فقط في كونها قد تأخذك من الكتابة، لكن الأمر أكبر من ذلك، فأنت لا تضمن علي أي حال أن يوفر لك هذا النوع من الصحافة دخلًا ماديًا مناسبًا، عن نفسي عملت لشهور في هذا المجال، غير أنه كان عملًا دون مقابل، لم أحصل علي جنيه واحد تحت دعوي التدريب، بعض المواقع الاليكترونية والصحف تستخدم الثقافة لأغراض تسويقية، وكل ما يهمهم هو عدد الزوار المنتظر، أثناء العصر الذهبي للأدب المصري، كانت الصحافة الثقافية جزءًا من الحل، إذ لجأ إليها كبار الكتاب كمصدر للدخل عن طريق كتابة المقالات وبيع القصص، والروايات، أما الآن فالأمر أضحي أصعب، في الأربعينيات والخمسينيات كان لدينا أكثر من 25 جريدة ثقافية، مع الوقت أخذ العدد يتقلص إلي أن أصبح عدد الجرائد والمجلات الثقافية المتخصصة ضئيلًا للغاية، والسؤال هنا، هل يزيد عددنا أم ينقص حتي نقلص كل يوم عدد مطبوعاتنا الثقافية؟
السينما أيضًا مثلت بابًا يحقق منه كبار الأدباء دخلًا، وقت أن كانت تبحث عن الرواية الجادة لتحولها إلي فيلم، أماً اليوم فطريق السينما والأدب لم يعد واحدًا، والروايات التي تتحول إلي أفلام الآن، تتحول في الأساس لأنها ذات شعبية، كجزء من معادلة الربح، وبالتالي فقد الأدباء مصدرًا مهمًا للدخل كان يوفر لهم حياة مناسبة».
الروائي الشاب معتز حسانين يري فكرة الوظيفة المرتبطة بالكتابة فكرة خادعة، لكنها رغم ذلك راودت الجميع، فبعد تخرجه في كلية التجارة، عمل حسنين لدي سلسلة مكتبات شهيرة يقول عن تجربته: »‬تصورت أن وجودي داخل مكتبة سيساعدني أكثر علي الكتابة، وإنهاء مشروعي الروائي، غير أن الأمر لم يكن كذلك بالمرة، كان بيع الكتب يبعدني عن الكتابة، يجعلني أفقد عشقي للكتب، انخفض مستوي قراءاتي، وكان علي أن أتخذ قرارًا حاسمًا، أتابع عملًا صرت أكرهه، أو أقدم استقالتي وأكتب، استقلت وأعمل الآن علي مشروع روائي جديد، لا أستطيع التوقف عن الكتابة رغم كل شيء».
في الصعيد الأمر مختلف
وإذا كانت تجارب الأدباء مع الوظائف المختلفة تبدو صعبة، فهي في الصعيد أشد صعوبة وقسوة، الشاعر الصعيدي أحمد جمال مدني يتحدث عن تجربته فيقول: »‬عملت أعمالًا مرهقة للغاية، عملت في مجال البناء، وشاركت في بناء العمارات في القاهرة، اشتغلت لفترة كفرد أمن، وحفرت في الجبل مقابل أجر، تنقلت بين محافظات الجمهورية باحثًا عن عمل، عملت في القاهرة، وفي محافظات الصعيد، وفي بعض المحافظات السياحية كمرسي علم، فقط لأوفر ضرورات العيش، وبقدر ما كانت التجربة قاسية، إلا أنها أكسبت شعري الصدق، ومكنتني من الاحتكاك بطبقات المجتمع المختلفة، أعتقد أن التجربة الشعرية الصادقة تولد من رحم المعاناة، عملي الآن أكثر راحة، أعمل كمدقق لغوي، ربما تظن الأمر سهلًا، لكن الحقيقة مختلفة، فعملي كمدقق لغوي يجعلني شديد التركيز علي اللغة، العمل يجعلها غاية، والشعر يريدها وسيلة لنقل المشاعر، أنتجت هذا العام عدد قصائد ضئيلاً للغاية نتيجة لهذا الصراع، غير أنه ورغم كل شيء لا يمكنني تصور الكتابة كمهنة، هذا شيء يفقدها الكثير من قدسيتها، لا يجب أن تكتب لتأكل، لكن ربما يكون لديك ديوان ما، تقدمه لمسابقة فتفوز، ويوفر لك الفوز المال، ربما يكون لديك أغنية ما تبيعها فتحصل علي شيء من مال، لكن المهم هنا، ألا تكتب لأجل الجائزة، وألا تكون الأغنية مكتوبة في الأصل لتباع، يجب أن تحترم شعرك، وتحترم قدسية كتابتك، تكتب أولًا، ثم إذا صادف وحصلت علي مال من وراء الكتابة كان بها، وإن لم يكن، فالكتابة أسمي، الكتابة غاية تطلب لذاتها».
يتابع الشاعر محمد المتيم الحديث فيقول: »‬الأزمة المالية لا تؤثر فقط علي قدرتك علي العيش، ولكنها تؤثر أيضًا علي تطورك الشعري، أردت الانتقال للقاهرة كي أحتك أكثر بالأوساط الثقافية، وأكتسب المزيد من الخبرات، غير أن العمل لم يبق لي وقتًا لشيء، كنت أعمل في صيدلية علي أطراف القاهرة لمدة 12 ساعة، وأنفق ساعتين في المواصلات، وأنام ثماني ساعات فيتبقي لي من اليوم ساعتان، علي أن أحضر فيهما ندوات، وفعاليات شعرية، وأن أقرأ أيضًا إن استطعت، كنت أقرأ في الصعيد، وكان ينقصني الاحتكاك بالجماعة الأدبية، في القاهرة فقدت القراءة والاحتكاك معًا، وبمقابل بالكاد يكفي الطعام والمواصلات مرتفعة الثمن في العاصمة، في النهاية قررت العودة، علي الأقل أستطيع حضور الندوات الشعرية في بيت الشعر بالأقصر».
علي الجانب الأخر يبدو الروائي الشاب أحمد جاد الكريم متصالحًا أكثر مع وظيفته كمعلم للغة العربية، إذ يجد عمله أكثر ازدهارًا في الشتاء مع احتدام العام الدراسي، وضيق الوقت، كما يجد في عدم الاعتماد علي الأدب في توفير النفقات نوعًا من الحرية الأدبية يقول جاد الكريم: »‬تبدو الوظيفة بالنسبة للكاتب قيدًا وعائقًا يمنعه من العمل بشكل يومي، خاصة في وطننا حيث من الصعب أن يضمن الأدب دخلًا مناسبًا يسد احتياجات الكاتب وأسرته، عن نفسي كنتُ أتوهم هذا قديمًا، لكن وجدت أن فترة انتاجي تكون مزدهرة في الشتاء وقت احتدام العام الدراسي، خاصة وأني أعمل معلمًا، مع قصر وقت النهار، وضيق الوقت المتبقي من اليوم ولزوم الاستيقاظ المبكر مع بزوغ أول خيط من الشمس، لكن الوقت المحدود، يجعل من الواجب أن يكون هناك انضباط ودقة والتزام بخُطة عمل يومي، واستثمار الوقت في انجاز ما هو مطلوب.
لا يوفر الأدب والاشتغال بالكتابة مردودًا ماليًا مناسبًا؛ فمكافآت المجلات والجرائد الثقافية المصرية هزيلة جدًا، وبعضها لا يدفع للكاتب مقابلًا ماليًا لمقاله أو قصته، لكن يبقي اعتبار الأدب رسالة وغض الطرف عما يأتي به من مكافأة مالية مريحًا بعض الشيء؛ لأن هناك الكثيرين ممن يعتبرون الكتابة مهنة يُرتزق منها، فتأتي كتاباتهم علي مقاس ما يُدفع لهم».
الكتابة بالمقاس
تتفق ندي الأبحر - وهي قاصة ومترجمة- مع رؤية جاد الكريم حول الكتابة علي المقاس »‬يمكن للكتابة أن توفر دخلًا كبيرًا، شرط أن تفقد ذاتك، وأن تكتب مع الموجة، تكتب ما يحبه السوق، لا ما تحبه أنت، أفضل ألا أكسب من الكتابة، علي خسارة ذاتي إن ربحت من ورائها.
هناك نوعان من الكتاب، الأول لا يستطيع الجمع بين العمل والكتابة، والثاني يحفزه العمل علي الكتابة بشكل أكثر غزارة، الاحتكاك بالناس يعطيه الكثير من الأفكار، للأسف أنا من النوع الأول، لم أكتب منذ فترة طويلة للغاية، ولم أقرأ أي كتاب منذ ثلاثة أشهر تقريبًا، حين بدأت الترجمة اعتقدت أن العمل في مهنة متصلة بالكتابة سوف يساعدني أدبيًا، غير أني اكتشفت في النهاية أن العمل هو العمل، أي وظيفة ستؤديها في الأخير من أجل المال، وستأكل وقتك تمامًا، كل الوظائف مملة بعد فترة، حتي وإن كنت تحبها».
وفي حين يري جاد الكريم الوظيفة تمثل حافزًا، وتؤكد ندي الأبحر علي قوة الأفكار التي يمكن أن تحصل عليها من الشارع يعقب مصطفي الشيمي - روائي وقاص حاز مؤخرًا منحة تفرغ لكتابة روايته الجديدة-: »‬النزول إلي العمل، والاحتكاك بالناس يلهمك الكثير من الأفكار، هذا حقيقي، غير أنه لا يترك لك وقتًا للكتابة، ما فائدة الفكرة إن لم تتمكن من كتابتها؟!، أكسب من عملي أكثر من الراتب الذي ستوفره منحة التفرغ، غير أني مجنون بما يكفي لأكتب، لا يوفر الأدب المال، والحلول منحصرة في التقدم للحصول علي منح التفرغ، أو الفوز بالجوائز، بعض الجوائز تستطيع أن تؤمن للأديب استقرارًا ماليًا، البوكر وكتارا وغيرهما».
الجوائز الحل الأخير
الشاعر شريف أمين لا يتفق بشكل كلي مع كون الجوائز حلًا قد ينقذ الأديب، ومشروعه الأدبي، يقول أمين: »‬مع الأسف لا يمكن التعويل كثيرًا علي مسألة حصد الجوائز الأدبية، فالجوائز الأدبية في مصر قيمتها المادية ضعيفة للغاية، ولكي تحصل علي جائزة كبري يجب أن تذهب بإنتاجك الأدبي إلي منطقة الخليج العربي، وهذا ينقلنا بدوره إلي مناقشة معضلة كبري فيما يخص مسألة الجوائز، الجوائز في مصر والوطن العربي جوائز مؤدلجة، أنا شاعر عمودي، لدي فرصة جيدة في مسابقات منطقة الخليج لأنهم منحازون للشعر العمودي، بينما لا يجد شعراء مهمون كمحمد القليني، وعبد الرحمن مقلد وغيرهم من شعراء النثر مكانًا هناك، في الوقت ذاته لا أجد لنفسي أو للشعراء العموديين مكانًا في المسابقات المصرية، إذ يبدو الاتجاه العام في مصر قد تحول ناحية شعر النثر، منظومة الجوائز ستظل تعاني مشكلة ضخمة طالما لم تقم علي معايير وأطر شفافة للغاية، وما لم تكن لجان التحكيم متنوعة، وقادرة علي تذوق وقراءة كل الأنواع الأدبية».
الحلول هنا تثبت أصل المشكلة، فالجوائز الأدبية غير مضمونة والفائز بها أديب واحد وسط مئات المتقدمين كل عام، ومنح التفرغ الأدبي - بفرض التمكن من الحصول عليها- لا تستطيع تأمين دخل يمكن الاعتماد عليه في ظل موجات التضخم الحالي في مصر، ويحتاج قراراً مثل الاستقالة من العمل للتفرغ، بعد الحصول علي المنحة، إلي شيء كبير من المجازفة، والتضحية، والعشق للكتابة.
ولا تبدو أفكار مثل إنشاء مظلات حماية اجتماعية للأدباء، أو تفعيل دور اتحاد كتاب مصر، وتطوير آلياته حاضرةً بقوة في مناقشات الكتاب المصريين، إذ يقدم الاتحاد معاشات، أو مساعدات للحالات الطارئة، بمبالغ مالية تجاوزها الزمن، تصلح لثمانينات القرن الماضي، بأكثر مما تصلح كدعم مالي للأديب في 2017.
 لم يعد الانتماء للاتحاد مغريًا كما كان في الماضي، يعلق مصطفي الشيمي علي الأمر »‬لدي أربعة أعمال منشورة، غير أني لست عضوًا باتحاد الكتاب، لم أسع - إلي الآن- لذلك، ومن ثم لا يمكنني الحديث عن كيان لا أنتمي إليه في الوقت الحالي» وهي الظاهرة التي يمكن ملاحظتها في عدد كبير من الكتاب والأدباء المصريين، الذين لا يسارعون إلي عضوية الإتحاد رغم سنوات طويلة قضوها في الكتابة.
الأكثر مبيعاٍ
حتي الدخول في قائمة الأكثر مبيعا لا يحقق للكتاب الأمان المطلوب، فالشاعرة دعاء عبد الوهاب تقول عن إمكانية تحقيق دخل واسع من الكتابة، حال دخلت مؤلفات الكاتب إلي قائمة الأكثر مبيعًا: »‬الكتب المطبوعة لا تحقق دخلًا يذكر، الكتاب يجب أن يكون رخيصًا في الأساس كي يستطيع القارئ شراءه أصليًا، الكتب مرتفعة الثمن لا تبيع - في الغالب- نسخًا كثيرة، يستفيد الكتاب من تصدرها لقائمة المبيعات بطرق أخري، تنظيم حفلات شعرية مثلًا وتحقيق دخل من التذاكر، بيع أغنيات لفرق غنائية، عن نفسي استفيد من موهبتي عن طريق بيع بعض الأغنيات، وكتابة بعض الإعلانات، أنا خريجة كلية الإعلام قسم إعلان في الأصل».
الصحفية السويسرية سوزان شندا تري أن الأمر لا يختلف كثيرًا في أوربا، فالكتاب الذين تتصدر كتبهم قوائم المبيعات هم وحدهم الذين يستطيعون الاعتماد علي الكتابة كمصدر دخل وحيد، بينما تملك العديد من الأصدقاء الذين يكتبون، ويعملون في نفس الوقت في مهن بعيدة عن الكتابة، بين أصدقائها صحفيون ومدرسون وغيرهم، »شنداب قالت إن المؤسسات السويسرية توفر منحًا للكتاب كي يتفرغوا للكتابة، ولديها أمثلة لتلك الجهات، لكنها رغم ذلك تراها معضلة دائمة.