رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

حسن الحلوجي عن »مات الكلام« :نشرته لأخبر أصدقائي أنني لست بخير


أسامة فاروق
10/7/2017 11:27:30 AM

- اعترف. أنا أيضا وقعت في الفخ. تسرعت، وحكمت علي ما لم أعاينه. اتهمت حسن الحلوجي بالتكرار، وبأنه لم يقدم جديدا حين طرح كتابه »مات الكلام»‬  بصفحات بيضاء، قلت كما قال غيري إنها فكرة قديمة، قدمت من قبل عدة مرات. الجديد فيها فقط صورة الفنانة المهمومة في وضع القرفصاء، الصورة التي تقول قبل أن يقول العنوان إنه لم يعد جدوي للكلام.
حين قابلت الحلوجي كان غاضبا. مني، ومن الآخرين، من العالم ربما الذي لا يفهمه، »‬أنت شفت الكتاب قبل أن تقول إنه مكرر» قال، وأجبته بأنه احتفظ بالنسخ كلها لنفسه، ولم يطرح كتابه للبيع أصلا، فكيف أراه، تراجع خطوة وخفت حدته، وأعطاني نسختي.
الـكتاب من فصلين الأول »‬حبر علي ورق» وفيه رمز واحد في كل صفحة: ريشة ودواية وحبر مسكوب، صحيفتان، وطابعتان، ممحاة، ومنصة، ميكروفون وقبة، ميزان العدالة وعربة تسوق، شريط كاسيت، علامة تطبيق»‬ واتساب»، ومجموعة أخري من الرموز المختلفة، التي تستوجب التأمل، وتقول ربما ما لا تقوله عشرات الكلمات المكتوبة، أما الفصل الثاني »‬البكاء علي اللبن المسكوب» ففارغ تماما، صفحات بيضاء لا تحمل حتي أرقاما، أو تتبع التنسيق السابق للكتاب.. أما ظهر الغلاف فكلمة أخيرة، نعي، يعلن فيه المؤلف موت الكلام بعنوان صريح »‬ارقد في سلام أيها الكلام» ويقول فيها »‬مات الكلام وترك الأوراق فارغة، وانحبست العبارات في الصدور خشية الرقيب ولوم اللائمين، وتراجعت البلاغة، وخلت الصفحات من المعاني؛ فلم يجرؤ علي الظهور سوي الكلام التافه والمزيف والملاوع والمتحفظ والرتيب والمستهلك وفاقد التأثير».. مات الكلام إذن وشبع موتا.
كتاب الحلوجي ليس فارغا إذا، لكن ربما كتاب الحلوجي ليس كتابا من الأصل؛ ليس الشكل المتعارف عليه  من الكتب، هو أقرب لعمل فني، فقط يستخدم الأدوات نفسها التي تستخدمها الكتب، ربما كان يجدر بـ»‬كتاب» الحلوجي أن يكون معرضا، أو فيلما، أو حتي صرخة في الفراغ، لكنه فضل أن يستخدم هذا الوسيط، وأن يضع أفكاره في كتاب.. حقه.. لا يمكن إنكار ذلك.
بشكل عام هو لا ينفصل عن التجربة »‬الفريدة» التي يقدمها حسن في الصحافة الثقافية، تلك الرؤي الحادة الثاقبة والصور المنقبة خلف الوجوه والأقنعة، والموضوعات الصحفية المختلفة الهادئة التي يدمج فيها رؤيته الفنية مع خبرته الصحفية.
صدر »‬مات الكلام» منذ فترة، لكن إشارة كتبها عمر طاهر علي صفحته بـ»‬فيس بوك» أعادت الانتباه له، وفتحت أبواب الجحيم علي كاتبه، يقول حسن إنه عندما صدر الكتاب منذ عام ونصف كتبت عنه بعض الآراء في الصحف، وتحدث عنه في بعض وسائل الإعلام، وتقبل كل الآراء الموضوعية التي ناقشت الكتاب، وعندما تصفح عمر طاهر الكتاب ذكر رأيه في بوست »‬وهذا حقه»، لكن بعض المعلقين علي البوست زايدوا علي هذا الحق وحكموا علي الكتاب دون أن يطلعوا عليه، وكانت آراؤهم تجريحاً في الأشخاص قبل الكتاب، وكأن الموضوع معركة شخصية.
يوضح: تحدث البعض بيقين عجبت له عن قيامي بتكرار أفكار كتب فارغة تماماً، منهم من لم يطالع كتابي ليقارن بموضوعية بينه وبين أفكار أخري، ومنهم من طالعه ولم يستوعب ما فيه فهذه مشكلته، وكان يكفيه أن يحتفظ بعدم فهمه لنفسه ويبحث عن كتب أخري يفهمها، خاصة أني لم أفرض الكتاب عليه.
والحقيقة أن هناك فرقا بين كتاب فارغ تماماً، وهذا ليس في كتابي، وبين كتاب يستخدم الفراغ -كوسيلة من وسائل الفنان- ليبرز الفكرة ويخدم الموضوع الذي يطرحه، مثل النحات الذي يوظف الفراغ لإظهار عمله الفني. »‬وأنا أجعل القاريء يجدد من لغة القراءة ويتنقل بين الرموز التي في الكتاب فيشعر بحصار وثقل الفراغ حولها».
ولأن هذا الجدال كله جري عبر فيس بوك، سألته لماذا لم تستخدم صفحتك للرد علي هذا الكلام؟
وأجاب: أنا لست متهما لأستخدم صفحتي في الدفاع عن نفسي، من فهم الفكرة فهمها، ومن لم يفهمها هو حر.. وإن كنت أسعي للشهرة هل سأنتظر عاما ونصف العام من صدور الكتاب ثم أروج لنفسي من خلاله! ولو أني نشرته بحثا عن الشهرة لوزعته في المكتبات ولافتعلت ضجة حوله منذ أول يوم لصدوره، أو اشتريت له إعلانا علي فيس بوك لأروج لنفسي، لكن هذا لم يحدث.
بشكل عام لا يبدو حسن مرحبا بكثرة الكلام حول الكتاب، رغم إن اللغط حوله يمكن كان يسعده في وقت نشره، لكن حسن لا يري الأمور بهذا الشكل »‬أرحب بكثرة الكلام حول الكتاب لو لم يكن كلاما مزيفا، لو كان مفيدا لي مهنيا، أما من حيث الترويج فهم يفعلون ذلك بمهارة وأنا أشكرهم، وكان الجدل سيسعدني لو كان في مناقشة الفكرة لا المزايدة عليها ومحاولة تجريدي من حريتي كمبدع».
- بغض النظر عن التكرار، وعما جري كله، لماذا هذه الفكرة؟
لا يمكن فصل هذه الفكرة عن تجربتي في الكتابة ونشر الكتب، إذ صدرت أول مجموعة قصصية لي منذ عشرة أعوام، و»مات الكلام» هو سادس كتبي، فهو محطة أردت أن أقف فيها أمام تجربتي الفنية، أن أسأل نفسي عن قيمة ما أفعله، هل لكتابتي جدوي، هل الكتابة هي الفعل الذي ينبغي أن أكمل فيه، هل تؤتي الكلمات الغرض الذي ننشده، وهل الكلمة وحدها كافية وقادرة، أم أن الكلام فقد تأثيره أو »‬مات»، ولم يعد يجدي، في وقت يتكلم الجميع فيه دون أن نجد أثراً لما يقال، أو فائدة مما يقال، قس ذلك علي كافة المجالات خارج حدود الأدب، لذا اتخذت قرارا ضد الكلام نفسه بإصدار كتاب خال من الكلمات واستعضت عنها بإشارات.. رموز، ربما يحقق المعني أثره بطريقة أخري غير الكلمة.
- ربما كان الأوقع أن يكون ماتت الكتابة لا الكلام؟
الكلام يشمل الكتابة، والكتابة تنحصر فيمن يستطيع التعبير بالكتابة، لكن الكلام أوسع مجالا ويشمل الكثير من نواحي الحياة. والكتاب لم يكن تعبيراً عن موت الكلام المكتوب فقط، وإنما موت الكلمة بشموليتها، والتي تصل بين الناس. كما أن»‬مات الكلام» تعبير يستخدمه العامة تعبيراً عن معني»‬ نفذ الأمر» أي ليس بعد ما قيل ما يقال، ولم يكن بإمكاني إغفال هذا التعبير لتعدد وشمولية معناه.
-كيف تصنف الكتاب.. هو أقرب للأعمال الفنية في رأيي؟
هو كتاب بصري، يستخدم الدلالة البصرية أو الرمز بديلاً للكثير من الكلمات، هو عمل فني يستعين بالكتاب كوسيط يقدم فكرته من خلاله، باعتبار أن الكتاب قادر علي أن يتخطي حدود الكتابة السردية إلي عوالم فنية أخري، كما أن هذه الفكرة تتيح لمن يقدرها أن يحتفظ بكتاب شكله جميل يحوي فكرة فريدة من نوعها.
- لماذا نشرت الكتاب ولم تسع لتوزيعه؟
لأني نشرته لأرضي به نفسي، ولأوثق به مرحلة من حياتي، ولأخبر أصدقائي أني لست بخير حين أعطيهم الكتاب، وكان هذا يكفيني.
-هل فكرت في طرح الكتاب للبيع بعد الجدل الذي حدث؟
ربما يحدث هذا، فأنا حر، ولكني مشغول عن ذلك حاليا بالتجهيز لمشاريع أحدث، فهذا ما أحتاجه حاليا، أن أرضي المزيد من شغفي بالمزيد من الأفكار التي تجمع بين الكتابة وأشكال فنية أخري كالرسم والصورة بحيث تخدم الكتابة كل المهارات التي أجيدها.
- هل يمكن أن تكرر التجربة؟
طبعا، ولكن بأفكار أخري، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لأن الفكرة كلما كانت بسيطة وعميقة كلما أخذت مني تفكيرا ومجهودا أكبر، وكلما خلدت.
أخيرا يبدو الحلوجي مهموما، لكنه ليس يائسا علي أي حال، يقول إن التفاؤل»‬يتسرب» إليه تدريجيا إذ يتضح له طريقه في الكتابة يوما بعد يوم، رغم تخلي كثير من الناشرين عن أدوارهم في توزيع كتبه وإتاحته ا في مختلف الأماكن، وبحثهم عن الشخص الأعلي متابعة علي فيس بوك والنشر له قبل معرفة ما سيكتبه، فيضمنون بذلك »‬الزبون» الذي سيشتري »‬البضاعة»، لذا يجيب عندما أسئلة عن واقع الكتابة بعد أن أعن موت الكلام، إنه - واقع الكتابة- مرتبط بالجهد الكبير الذي يبذله الكاتب ليصل ما يكتبه الي القاريء وهذا ليس دوره، بينما يضع الناشر»‬إياه» يده في المياه الباردة طالما دفع الكاتب ثمن النشر.
ورغم هذا كله ينتظر حسن تحسن الأمور، لم يفقد الأمل بعد رغم اعترافه بأن معاناته/معاناتنا في مصر تزداد يوما بعد يوم، »‬ظروف الحياة تزداد صعوبة، وأنا مشحون بما يكفي لإثارة الأفكار، إلا أني أتمني أن تتحسن الظروف لأقدم أنا وغيري من المهمومين بالإبداع أفضل ما لدينا قبل أن يملكنا اليأس، أو تصيبنا اللامبالاة».