رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

ثمانية آلاف كيلو متر بين البلدين، فما المسافة الثقافية التي تفصل بينهما؟

مصر والصين.. مهد العالم


برلين: شريف الصيفي
10/7/2017 11:30:17 AM

يقدم المتحف المصري ببرلين بالتعاون مع متحف شنغهاي عرضا خاصا واستثنائيا يجمع بين الحضارتين لأول مرة في عرض متحفي واحد، بعنوان:  »مصر والصين، مهد العالم»‬.
حضاراتان قديمتان لم يسمح لهما التاريخ وظروف الجغرافيا بالتواصل المباشر، ومع ذلك هناك تقاطعات كثيرة، أهمها علي الإطلاق نمط الإنتاج الذي كان سائدًا ولقرون طويلة في المجتمعين. فلم تعرف الحضارتان نمطي الإنتاج العبودي والاقطاعي بالصورة التي شهدتها أوروبا قبل التصنيع، حيث لعب النهر الدور الحاسم في تشكل مبكر للدولة المركزية وكذلك في استقرار هذا النمط وإعادة تكوُّنه علي نفس الأسس كلما انفرط عِقده؛ تمتلك فيه الدولة الأرض الزراعية وأدوات الإنتاج، ويتبع ذلك جيش دائم، وجهاز بيروقراطي صارم ومؤسسة دينية تراتبية، وتأليه الملك.
 تقدم الدولة خدمات الأشغال العامة والحماية، وتقدم المشتركات القروية الأفراد للعمل العام أو كجنود للجيش. مع تمتع أفراد المجتمع بهامش حرية معقول لكن في ظل العبودية المعممة.
التقاطع الثاني والذي فرضه طريق الحرير القديم  تمثل في الانتشار الواسع للديانة المانوية في كل من البلدين، وكانت مصر أيضاً هنا سباقه حيث شهدت انتشارا واسعا للمانوية في القرنين الثالث والرابع، وكان هناك أكثر من تجمع مانوي في البلاد منها مدينة ماضي في الفيوم وواحة الخارجة، وفي الصين اعتبرت المانوية الدين الرسمي للدولة في مملكة زأويجورينس (شمال شرق الصين) من القرن الثامن إلي منتصف القرن التاسع، وكان أتباع المانوية في مصر والصين يقرأون نفس النصوص المقدسة ويسبحون بنفس المزامير المترجمة من أصل فارسي.
ولدت فكرة العرض بعد أن تم حل متحف الفن الأسيوي في برلين، والذي كان من المقرر عرض تحف متحف شنغهاي فيه وفقاً لاتفاق سابق بين الحكومتين، وكان هناك اقتراح بنقل العرض إلي المتحف المصري، فاقترحت رئيسة المتحف المصري ببرلين د. فريدريكه سيفريدس أن تدمج القطع الصينية مع بعض من مقتنيات المتحف المصري ببرلين في حوار حضاري مقارن وبذلك تم تفادي وجود القطع الصينية في سياق غريب.
وفي ترتيب عالي الذكاء ذ لا أعرف حقيقة إذا كان عن قصدٍ أم هو تأويلي- وضعت القطع المصرية في مسار باللون الأسود الذي يشير لاسم مصر في العصرين الفرعوني والقبطي ز كمت/كيميس والذي معناه  زالأرض السوداءس ووضعت القطع الصينية في مسار باللون الأحمر، رمز الثبات والرخاء في الحضارة الصينية القديمة، وفي المنتصف مسار باللون الذهبي للقطع ذات السمات المشتركة من الحضارتين. إشارة إلي تلاقي هاتين الحضارتين في ألمانيا، فالأسود والذهبي والأحمر هي ألوان العلم الألماني بالترتيب.
حوالي ثمانية آلاف كيلو متر هي المسافة التي تفصل بين البلدين، فما هي المسافة الثقافية التي تفصل بينهما؟
لا يحاول العرض تقديم أي إجابة هو فقط يقدم المعطيات للزائر ويتركه ليحدد إجابته بنفسه في نهاية العرض.
يبحث العرض في نقاط التقاطع والاختلاف بين الحضارتين من خلال كنوز فنية تعرض لأول مرة تغطي خمس موضوعات أساسية مشتركة بين أغلب الحضارات القديمة: اختراع الكتابة، نظام الحكم، الحياة اليومية، الطقوس الدينية، التصورات حول الموت وطقوسه الجنائزية. ويطرح سؤال حول كيفية تعامل الحضارات المختلفة والمنفصلة عن بعضها مع التحديات البشرية ويتتبع القواسم المشتركة، أو بمعني أوسع، ما يمكن أن نسميه بلغة معاصرة: حالة العولمة في ذلك الوقت، وهي مساحة زمنية عريضة تمتد من 4500 سنة قبل الميلاد إلي القرن الثالث الميلادي، ومرجع ذلك لعدم توازي الحضارتين زمنيًا.
وفي ثنايا العرض تطرح بعض الأسئلة، منها: من كان أسبق هنا، من كان هناك أولاً؟
فمثلاً من كان أسبق في معرفة العجلة الحربية، التي تجرها الخيول. والطريف أن العربات الحربية وصلت للحضارتين من مصدر واحد من وسط آسيا. وبعرض صور الخيول المصرية من القرن الثاني عشر قبل الميلاد بجانب الصينية من القرن السابع قبل الميلاد يلاحظ المرء التشابه الكبير بين السلالتين رغم أن الفارق الزمني بينهما حوالي خمسة قرون.

في عرض لتفاصيل الحياة اليومية في الحضارتين تتجاور المشاهد وتتقابل بلا تنافر، وتتشابه بشكل مثير، من أواني المطبخ المصري ومخبز من عصر الدولة الوسطي وأواني الاستحمام وحتي الأسلحة. وتظهر لنا تعامل المصريين المبكر من الزجاج قبل الصينيين بزمن طويل. والصينيون بدورهم سبقوا المصريين في التعامل بالعملة المعدنية. والاستخدام الواسع للبرونز في صناعة الأواني المنزلية،  أما الولع بالموسيقي فكان قاسما مشتركا قويا بين الحضارتين.
كان للآلهة المصرية القديمة أجساد بشرية وحمل بعضها رؤوس حيوانات مثل أنوبيس وحتحور وحورس، لكنها عند الصينيين ظلت بلا تجسيد. فقد ظلوا يقدسون مظاهر طبيعية عدة ومن قبل عبادة الأجداد مع غياب الحدود الفاصلة بين العالمين الدنيوي والإلهي. بخصوص تاريخ الكتابة، نجد أن أول نموذج كتابي عبارة عن خربشات بدائية ظهرت في الصين عام 6600 ق. م، لكن أول وثائق ذات الصلة ظهرت في عام 1200 ق. م تقريبًا، أما النصوص المصرية فهي متوفرة منذ عام 2700 ق. م
واصلت الكتابة الصينية تطورها واستمرت ليومنا هذا بسبب العزلة الجغرافية لقرون طويلة، أما مصر وهي في قلب العالم القديم فتعرضت لغتها لضغط كبير من الثقافات المجاورة: الكنعانية في عصر الرعامسة، ثم اليونانية في عصر البطالمة ثم ضغط العربية علي القبطية آخر مراحل تطور اللغة المصرية القديمة ابتداء من القرن السادس الميلادي حتي اختفت من التداول. الطريف في هذا السياق أن العلامة الهيروغليفية التي تشير للشمس هي نفسها العلامة في الكتابة الصينية القديمة: دائرة تتوسطها نقطة.
لم يعرف الصينيون التحنيط، كما عرفه المصريون لكنهم سعوا بشكل أو بآخر للحفاظ علي الجسد سليماً في رحلته للعالم الآخر. كان المصريون ينزعون أولاً  الأحشاء والقلب من جسد المتوفي ويضعونها في أواني خاصة ويتخلصون من المخ، ثم يقومون بعملية معقدة بتجفيف الجثة بملح النترون في الشمس، ثم يلفونها بلفائف من الكتان ثم توضع في تابوت يتوقف حجمه ونوعه وفقاً للمكانة الاجتماعية ودرجة الثراء.
وضع في إحدي قاعات العرض بشكل متقابل نماذج جنائزية تعكس مدي تقديس الجسد في الحضارتين، منها: تابوت مومياوي الشكل لشخص يدعي زنس خونس با شرت، من عصر الأسرة 23 (756 ذ 722 ق. م)، والثاني من الصين لنموذج فريد من الكفن علي هيئة درع مومياء لحفظ الجسد لشخص يدعي زليو هيس من عصر أسرة هان الغربية. يتكون من حوالي ألفين من القطع الصغيرة المصنوعة من حجر اليشم الأخضر، ومثبتة بخيوط من الفضة. يرمز حجر اليشم الأخضر في الصين القديمة للحياة والخلود وإعادة الميلاد، وكانوا يضعون قطعة يشم صغيرة في فم المتوفي كتعويذه حامية له في رحلته في العالم الآخر.
أخيراً:
لا يقدم العرض مفاجآت جديدة، فقط هو يوضح ما كنا نعرفه بالفعل.