رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أحمد حجي وتأسيس أدب الحرب


شعبان يوسف
10/7/2017 11:46:21 AM

لم يكن وقع هزيمة 1967 علي فئة بعينها من فئات الشعب المصري بل لحقت  الوقائع المدمرة بجميع المصريين، فلم يخل بيت مصري من جندي أو ضابط كان ملتحقا بالقوات المسلحة، فضلا عن التكاتف والحماس الذي أبدته الجماعة الشعبية كلها في مؤازرة السلطة، واعتبار أن ماحدث من أبعاد كارثية علي المستوي القومي وعسكري يخص الجميع، ولا بد من أن يتصدي له الجميع، وكانت البادرة الأولي للشعب المصري في خروجه المذهل في 8و9 يونيو لرفض قرار التنحي الذي اتخذه الرئيس جمال عبد الناصر، وقال فيه بدرجة حقيقية من الأسي :  أتحمل أنا وحدي المسئولية»‬، ثم مفاجأته الأخري التي قال بصددها :أتنحي وأرجع إلي صفوف الجماهير»،
 وكان قبل خطاب الرئيس قد أذيع البيان الرسمي الذي جاء فيه :»..
قامت اسرائيل في صبيحة 5 يونيو 1967 بهجومها الغادر علي المطارات والأراضي المصرية, وانتهي العدوان باحتلال اسرائيل للضفة الغربية للمملكة الأردنية، ومرتفعات الجولان السورية علي الحدود مع اسرائيل وحتي مدينة القنيطرة ..واحتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء حتي الضفة الشرقية لقناة السويس»، بعدها جاء خطاب الرئيس، ولم يكن الأمر يحتمل الصمت أو السكوت أو التخاذل أو طرح الخلافات أو تصفية الحسابات، ولم تكن أشكال التشفي التي أبداها نفر شاذ وقليل من الناس، وبعض الضالين وطنيا، لا تمثل إلا خللا اجتماعيا تم محوه أو تهميشه بقوة في ذلك الخروج الكاسح، رغم أن البعض حاول وصف هذا الخروج بأنه تمثيلية أخرجها النظام المهزوم، ولا أحد يستطيع أن يؤيد ذلك الزعم بأي حال من الأحوال، لأن هذا الخروج العظيم، لم يكن تأييدا لجمال عبد الناصر، بقدر ماكان مطالبته بتحمل المسئولية، والاشتراك مع السلطة الوطنية في تحمل تلك المسئولية، وكتبت الجماهير شعارات صريحة علي الجدران منها »‬حنحارب حنحارب ...كل الناس حتحارب  ولا يهمك ياريس ..م الأمريكان ياريس»، و»بالروح بالدم نفديك ياجمال، لا سلام ولا استسلام»، »‬ياخالد قول لأبوك..100 مليون بيحبوك »  وغيرها من الشعارات التي انطلقت بشكل تلقائي وعفوي من الجماهير، حتي أن المثقفين والمبدعين والكتّاب الذين لحقهم أذي من قبل، لم يتخذوا موقفا سلبيا، وفي مقدمتهم من أفرجت عنهم السلطات قبيل الهزيمة بشهور قليلة، مثل عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وجمال أحمد الغيطاني وسيد خميس وصلاح عيسي وآخرين، وكانوا قد اعتقلوا في أكتوبر عام 1966، وتم الإفراج عنهم في مارس 1967، وقد تم التنكيل بهم في المعتقل، ورغم ذلك فلم ينتهزوا الفرصة لمهاجمة النظام والسلطة، ولكنهم خرجوا بإبداعاتهم وكتاباتهم التي ملأت الدنيا، وكان الشاعر عبد الرحمن الأبنودي أكثر من كتب شعرا تحريضيا وحماسيا، بعد أن تم استدعاؤه من إجازته التي أعطاها لنفسه، وكان خارج القاهرة، وهاتفه المؤرخ الفني وجدي الحكيم، فلبي الأبنودي النداء فورا، وجاء إلي القاهرة حتي يشارك بإبداعه في المعركة، فكتب أغانيه الشهيرة  أحلف بسماها وبترابها, أحلف بدروبها وأبوابها، ماتغيب الشمس العربية, طول ما انا عايش فوق الدنيا»، وإنذار يااستعمار .. بترول مافيش, قنال مافيش, »‬يابركان الغضب، ياموحد العرب»، و»ابنك يقولك يابطل هات لي انتصار»، و»بالدم حناخد تارنا, بالدم نعود لديارنا».
منذ تلك اللحظة بدأت أشكال الوعي بالتصميم علي الانتصار تتفتح في علي المستوي العام، وعلي المستوي النخبوي، وكان طلائع العمال والطلبة أول من جاهروا بذلك الوعي، وكانت معهم غالبية طبقات الشعب التي أضيرت من جرّاء الهزيمة، وانكوت باستشهاد ذويها بأعداد لا حصر لها، والجماهير التي خرجت لمطالبة عبد الناصر بالاستمرار في السلطة، واعتبرت نفسها شريكا أساسيا في تحمل المسئولية، هي ذاتها الجماهير التي خرجت للاحتجاج علي محاكمة قادة الطيران الكاريكاتورية، وبالفعل أعيدت المحاكمات مرة أخري، وكانت هذه الاحتجاجات والاستجابة لها، إحدي الروافع التي  انبنت عليها فيما بعد صروح التمرد والتظاهرات التي جعلت من القضية الوطنية وتحرير الأرض والحرب لإزالة آثار العدوان، مطالب رئيسية، وذلك بعيدا عن الإشاعات التي تم تضخيمها من قبيل إلقاء اسرائيل في البحر»، وهكذا، وكتب المثقفون كتابات عن الوعي الجماهيري الذي بدأ ينهض من قلب الكارثة، فكتب الدكتور شريف حتاتة كتابه  عندما يتحرك الشعب في أعقاب أحداث 9 و10 يونيو، وشريف حتاتة هو أحد اليساريين الذين قضوا سنوات طويلة في معتقلات سلطة يوليو، ولكنه كتب في تلك المساحة التي تجمع الشعب مع السلطة، كذلك كتب الناقد الأدبي سيد حامد النساج كتابا مهما حول ذلك الحدث التاريخي، وظلّ الوعي 
بمواجهة الهزيمة ومحو آثارها مطلبا رئيسيا لجميع أو لغالبية قطاعات الشعب والنخبة.
وإذا كانت القاهرة بشعبها ونخبتها ومثقفيها والشعراء القاطنين فيها، هم الذين قادوا حركات المطالبة بالحرب والثأر الوطني، فكانت هناك أشكال أخري مماثلة في الأقاليم، منها تجربة محمد عفيفي مطر وعزالدين نجيب، تلك التجربة التي كان يرعاها سعد كامل الأب الحقيقي للثقافة الجماهيرية، وكان يؤازره الدكتور ثروت عكاشة، وتجارب أخري لا تنال الرعاية الكافية والشاملة، وذلك لأنها تجارب شبه احتجاجية، وليست مستلقية تماما تحت أقدام النظام، وكانت مدينة سندوب إحدي التجارب الرائدة في ذلك المجال، وكان ابنها البار والمقاتل أحمد حجي ثمرة من ثمراتها الكبيرة والعظيمة، وكان قد تفتح وعيه منذ عقد الخمسينيات، وكان والده الفلاح البسيط مثالا بارزا أمامه للصلابة التي تصنع المقاتلين، وكان شقيقه الأكبر محمد_أيضا_ يلعب دورا بارزا في ضخّ الوعي للأسرة، والذي صار فنانا كبير اسمه »‬ محمد حجي»، التحق أحمد بكلية الطب البيطري عام 1967، وكان محمد قد التحق بكلية الفنون الجميلة، وقاد أحمد وشقيقه ورفاقه مهمة توعية الناس بإنسانيتهم وحقوقهم، وقاد مشروعا عظيما وهو مشروع »‬ محو الأمية»، وأنشأ مجلة حائط في مدينة سندوب وصلت إلي 10 أمتار، وكان في الوقت ذاته يمدّ الفلاحين والفلاحات وشباب البلد بكتب أدبية وفكرية وثقافية وسياسية، وأحدث نهضة صارت ملحوظة جدا في حينها، وتتلمذت علي يديه كتيبة من المثقفين الأسوياء، في ظل توعية وعملية تثقيفية حقيقية، دون الاستعانة الكاملة بالأجهزة الرسمية، بل العكس الذي حدث، كان يحاول أحمد أن ينأي قليلا بجماعته بعيدا عن تلك الأجهزة المعوقة، لذلك حاول كثيرون من المسئولين أن يعوّقوا تلك الحركة التي بدأت شكلا استقلاليا حقيقيا، ولكن إصرار أحمد حجي علي استكمال المسيرة كان حائط صد لكل المحاولات المحبطة.
وفي لحظة ما من تطوره الفكري والسياسي والثقافي، رأي أنه لا بد أن يواجه أصل الداء والكارثة التي تعيشها بلادنا، كان التحاقه بالقوات المسلحة عام 1968، بمثابة التحول الأكبر في حياته، ذلك التحول الذي ربط بين وعيه الفكري السياسي النظري، بأقصي أشكال المواجهة، كان سعيدا للغاية بأنه سوف يواجه الاستعمار في عقر داره، وسوف يواجه تكتيكات ذلك الاستعمار المتمثل في اسرائيل، ذلك الكيان الذي يشكل رأس حربة الاستعمار العالمي، وكان يعمل بكل حماس وصدق في كل لحظة يعيشها في الجبهة، وعاش كافة الظروف التي مهدت لحرب أكتوبر 1973، وبالتالي الانتصار العظيم الذي أحرزه جيش مصر، ذلك الجيش المكون من كافة فئات وطبقات الشعب المصري، ولم يعش أحمد حجي ظروف الحرب ودقائقها فقط، بل إنه كتب كل مايعيشه المقاتل المصري، في كتابه  مذكرات جندي مصري في جبهة قناة السويس»، ذلك الكتاب الذي اعتبره النقاد والباحثون هو النواة الأولي في تأسيس أدب الحرب، ورغم استشهاد أحمد حجي في اليوم الأول من يناير 1972 بعد أن شرب عن طريق الخطأ حامض كبريتيك مركز، كان يحمله جركن بجوار سريره، وظنّ أنه ماء، ثم لم تفلح العمليات الجراحية التي أجريت له فيما بعد، فرحل وهو في جبهة القتال، ولكن كتابه الرائد مذكرات جندي مصري»، لم ينشر إلا في عام 1988، وصدر عن دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ولم يأخذ الكتاب موقعه الطبيعي في تأسيس ما يسمي بأدب الحرب، وقد أعادت نشر هذا الكتاب دار الكرمة  في العام الماضي، وتظل هناك كتابات أخري لأحمد حجي لم يضمها كتاب حتي الآن، وهناك كتاب آخر كتبه حجي أثناء تجنيده وقتاله ومشاركته الفعالة في حرب الاستنزاف، ذلك الكتاب الذي يعتبر الأهم في أدب الحرب, وهو كتاب الكلمات والبارود»، والذي صدر عن سلسلة  أدب الجماهير»، وقدم له الروائي فؤاد حجازي، وساهم مثقفون وكتاب كثيرون في تكلفة هذا الكتاب، كما أخبرنا فؤاد حجازي في مقدمته لذلك الكتاب الذي لاغني عنه لمن يتابع أدب الحرب الذي كتب فيه كثيرون فيما بعد، ولم يلتفت إليهم الباحثون، وتم تهميشهم بعناد كبير.
يقول حجي في نصه الأول في هذا الكتاب, وهو تحت عنوان »‬عندما يتكلم الرصاص» : (أصبح للأيام رائحة .. وللحياة قيمة.. وفي الأيام التي يشملها السكون والهدوء تمر الحياة متثاقلة تماما، بل هي مبتورة من حياتنا .. ويزداد القلق .. رمال سيناء لا تبتعد عن أعيننا .. في كل لحظة تصطدم عيوننا بالأرض المحتلة.. وقد تري أحد الفلاحين الذين أصروا علي البقاء في المنطقة ينحني علي فأسه ويهيل التراب في الحفر التي فحتتها دانات العدو.. ومن جديد يرسم خطوطا وقنوات, وتجري المياه ويعلو صوته بموال حزين عن مصر وكفاحها .. وتستمر يداه في بذر البذور في الأرض,، هو أيضا قلق لهذا الصمت الرنيب .. والحقيقة أن الجبهة علمتنا أن لغة الرصاص هي أبلغ لغة للتفاهم مع العدو.
في ذلك الكتيب الصغير »‬الكلمات والبارود»
يعلمنا حجي أول دروس الوطنية، فالأرض التي يقاتل فيها، هي الوطن الأول، وهي الانتماء، وتلك الدولة التي اغتصبتها اسمها »‬العدو»، وهؤلاء الناس الذين يقاتلون, هم فلاحون وعمال ومدرسون وموظفون وصنايعية، ولذلك عندما كتب الناقد الكبير مقالا مهما في نوفمبر 1973، أي في أعقاب انتصار أكتوبر، كان أحمد حجي حاضرا بقوة في ذاكرته، واعتبر أن كل ماعاشه حجي وكتب عنه ودرسه ونفعل به, ما هو إلا المقدمة الأولي لهذا الانتصار العظيم، ذلك الانتصار الذي حققه جيش الشعب، ذلك الجيش الذي كان لا يؤدي مهمة قتالية فقط، بل إنه يقوم بصناعة ملحمة مقدسة لتحرير الأرض من قبضة عدو مدنس. وكان فؤاد دوارة أحد المنحازين الكبار لأحمد حجي، وكتب عنه مسلسلا إذاعيا في الراديو، راصدا فيه كل تفاصيل حياته منذ أن كان في بلدته سندوب، حتي التحاقه بالقوات المسلحة، والقيام بدوره كمقاتل عنيد في حرب الاستنزاف، ومؤمنا إيمانا كبيرا بكل ما يقوم به ضد العدو، وكانت تلك الحرب إحدي الوسائل التي تتجذر بها الوطنية المصرية بشكل عميق، رغم ماتجلبه الحروب من دمار وخراب علي الجميع.
وكما ضاعت كتابات أحمد حجي ككتابة مؤسسة لأدب الحرب، في ظل تاريخ الاستقطابات المزعجة، والتي كرّست لكتابات أخري، ضاعت نصوص كثيرة كانت مهمة في حينها، فمثلا الشاعر الكبير أمل دنقل، والذي كان علي خلاف مع التوجه الرسمي آنذاك، كتب كلمة ذات معني عميق في مؤازرة انتصار أكتوبر، وهنا استعادة لكتابات تكاد تكون مجهولة تماما لأمل دنقل ويحيي الطاهر عبدالله ومحمود درويش  وأنسي الحاج، كما ننشر رسالة من الدكتور أحمد حجي، وكان قد أرسلها من وحدته إلي فنان الكاريكاتير الكبير أحمد عز العرب، كما ننشر نصا مجهولا تماما عنوانه افي القطار الحربي»، وقد حصلت علي نص الرسالة، والنص الأدبي الآخر من شقيقه المثقف الكبير إبراهيم حجي، وهما نصان لم ينشرا من قبل.