رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الجبهة في 27/2/1970


10/7/2017 11:49:51 AM

صديقي العزيز/ أحمد عز العرب
تحياتي القلبية... وسلامي
وأشواقي أيضاً
لم يصلني خطابك الذي كلمتني عنه ويبدو حقيقة أنك كتبت العنوان خطأ.. ذلك  أنني مازالت في العنوان التالي »الوحدة 9068 جـ 29»‬المهم.. قررت أن أكتب إليك كما طلبت مني عن بعض الخواطر من الجبهة. الحقيقة أن الجبهة تخلق كل يوم إنسانا جديدا صبوراً.. وشجاعا.. ويحمل في ذهنه وقلبه مصر.. هي همومه وأفراحه ومشاكله الخاصة.. وكما قلت لك في خطابات سابقة أننا في الجبهة لا نعرف الليل من النهار.. بل نعرف يوما من يوم آخر.. يوما تزأر فيه المدفعية زئيرا متواصلا مدمرة تحصينات العدو.. ويوما آخر يمر في تحفز وقد لا تنطلق فيه رصاصة واحدة.. كم يكون ذلك اليوم مملا.. إننا نحس به وكأنه دهر كامل من الزمن.. إن زئير المدفعية نبضات تخلق كل يوم إنسانا جديدا.. يختفي وراء كل خبر أو تعليق عن حالة الجبهة الملتهبة الآن.
ذلك اليوم.. منعش للغاية.. فمنذ الصباح والدبابات والمدفعية الثقيلة تواصل ضرباتها.. إحدي القوات الخاصة عبرت الي الضفة الشرقية للقناة.. جنودنا البواسل يشتبكون مع قول من الدبابات المعادية بالسلاح الأبيض.. حرائق نراها ونرقص لها ولانعبأ بما قد يحدث من العدو إنتقاما لتلك الضربات..
أنهت القوة مهمتها وعبر الجنود من جديد إلي جبهتنا.. كانت المياه تبلل أجسادهم والطين عالق بأحذيتهم وهم يلهثون من التعب.. أصيب واحد منهم بجراح خطيرة.. كسرت إحدي الشظايا حوضه وساقه تماما.. قمت بإسعافه ثم بنقله فوق إحدي النقالات وفي العربة الزل والتي حملتنا سريعا إلي المستشفي الميداني كان ممددا فوق النقالة وقد وضع يديه تحت رأسه.. لم يكن يعرف أن أصابته خطيرة.. بل ظل يحدثني في الطريق عن المهمة التي انجزتها القوة بنجاح كبير.. وكيف كان الجنود يصيحون صيحات بطولية »‬الله أكبر.. النصر لنا» وطلقات الرشاشات  والبنادق تدمر دبابات ومعدات العدو.. أغمض عينه وقطب ما بين جبينه ثم ضغط علي أسنانه.. لابد أنه يتألم.. قمت محاولا رؤية الاربطة حول الجروح النازفة ولاطمئنه.. قال لي.. لا يهمك يبدو أنه جرح بسيط..
قلت له: بسيط جدا.. كنت قد تعلمت الكذب.. فعندما أرافق أحد الجرحي إلي المستشفي الميداني.. يتعين علي دائما أن أقول له كلمات طيبة عن حالته.. وكان لابد من ذلك حتي يطمئن الجريح علي نفسه.. عندما إمتد بصري إلي قدمي الجريح الراقد بطول النقالة.. إقشعر جسدي وقفزت رعباً.. فقد كانت إحدي االشظايا قد إطاحت بإصبعين من قدمه.. أحس بالرعب في عيني قال لي وهو يغالب الألم:
هل تخاف
قلت له: لا يخيفني شئ.. إلا أن الحرب كريهة
قال: إننا نحارب من أجل مصر.. وكل شئ يهون من أجل الوطن.
قلت له: يبدو أنك مؤهلات
قال: حصلت علي ليسانس الحقوق سنة 1967.. ثم قال: إن العدو يظل مخيفا لنا.. مادمنا بعيدين عنه.. ولكن ضربتنا له.. وإشتباكنا معه بالسلاح الأبيض ترينا كيف يفر العدو مذعورا.. إن ذلك المشهد ينسي الإنسان منا كل آلامة وجراحه.
مازال في الطريق كيلو مترات أخري.. كان سائق العربة يمشي بأخر سرعته.. العربة تقفز وتهبط بين حين وآخر مع نتواءت الطريق دخان كثيف ينبعث من خلف العربة.. يبدو أن أحدي طائرات العدو تحلق فوق المنطقة.. نظرت إلي الجريح.. كان قد أسبل جفنيه واصفر وجهه كالليمونة.. لمحت من تحت النقالة بحرا من الدم.. يبدو أنه نزف أيضا أمسكت بيده لأتحسس نبضات قلبه.. كانت قد توقفت.. لقد مات الجريح.. ولسانه يتحدث عن مصر وابناء مصر.. ألم أقل لك أن الجبهة تخلق كل يوم إنسانا جديداً.
دكتور أحمد حجي
الوحدة 9068 جـ 29