رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

جمال القصاص يوقع ديوانه الجديد:جدار الحماية والعبور!


فاطمة التهامي
10/7/2017 11:54:39 AM

نظمت “بتانة للنشر والتوزيع”، الأسبوع الماضي حفل توقيع ومناقشة لأحدث دواوين الشاعر جمال القصاص، “جدار أزرق”. قدمها الشاعر خالد حسان، وتحدث فيها د.شاكر عبد الحميد، والكاتب طارق إمام.
افتتح القصاص حفل توقيع الديوان، موجهًا الشكر لصديقته الشاعرة والفنانة التشكيلية ميسون صقر، لما بذلته من جهد في مراجعة وفحص الديوان، إلي جانب لمستها الخاصة التي تجلت في غلاف الديوان الذي حمل طابعًا مميزًا، مُردفًا: »لولا هذا الجهد ما كان الديوان ليخرج اليوم إلي النور»‬.
وعن تجربته في هذا الديوان، قال القصاص إنه بدأ بكتابه مقاطع شعرية علي صفحته بموقع التواصل الاجتماعي»‬فيس بوك» مما جذب بدوره اهتمام عدد من الناشرين، وعرض بعضهم نشرها، وهو ما فتح الباب أمامه لإمكانية نشر هذه المقاطع بالفعل.
وأشار القصاص إلي أن ديوانه كان نابعًا منذ الوهلة الأولي من  شغفه الواسع بالكتابة، التي وجد منها سبيلًا للتعبير عن انفعالاته بما يدور حوله من أحداث، واصفًا تدويناته علي “فيس بوك” بأنها أشبه ما يكون بالرسم الانفعالي لفنان يحمل معه “إسكتش” الرسم يتجول به في كل مكان، راسمًا ما تحمله نفسه من انفعالاتٍ داخلية صاخبة.
من جانبه، قال د. شاكر عبد الحميد إن الجدار الأزرق هو حائط الـ»‬فيس بوك»، وأضاف: “الجدار المكسو بلون أزرق قد تزداد درجته أو تخف وفقا لرغبة المشاهد, لكنه يبقي في النهاية أزرق، واللون الأزرق في الغالب هو لون حزين، مثلما تكون موسيقي البلوز مُنعمة بالشجن والحزن، وحضور ذلك اللون في الفن التشكيلي بارز وقد اكتسب اسم مرحلة لدي الفنان التشكيلي الشهير بيكاسو هي “المرحلة الزرقاء” تلك التي حفلت حياته خلالها بالحزن والكآبة كما كانت هناك مدرسه تسمي “الفارس الأزرق” التي أسسها كان نسكي وفرانز مارك في ميونيخ عام 1911، وفي الموسيقي هناك الدالوب الأزرق لستراوس، وفي الأدب رواية الفيل الأزرق لأحمد مراد .»
أبدي شاكر إعجابه بانتقاء ذلك الطابع تعبيرًا عن الديوان، مستطردًا: “هذا الجدار الأزرق الجديد يرتبط بالثقافة البصرية والعالم الافتراضي، أما هذا الجدار فهو شاشه يتم إسقاط حياة الذات عليها، وكأنها مجمع أوهام، أو صور مموهة وقصائد ترتبط بالمكان، وبالعلاقة بين المكان والإنسان، وعلي نحو يبدو فيه المكان ثابتًا والزمن متغيرًا والإنسان مجرد وجود أو كائن قد قذف من بعيد وألقي في ذلك المكان، وهو حائط للبكاء والشكوي والضحك والتأمل والرصد لمرور الزمن, للعلامات والآثار المتبقية الخاصة بالآخر الحميم, وهو أيضًا ساحة تتسع أو تضيق فيتجلي عليها ومن خلالها الشغف والصمت وسكون الانفعالات وتأججها والأصوات المترددة في تناغم وكذلك الموت”.
وقال د.شاكر أيضا إن القصاص تمكن من التعبير عن تلك الومضات الشعرية علي صفحته أو جداره الأزرق علي »‬فيس بوك»، ثم ما لبست الومضات أن تحولت إلي ديوان، »‬ومن خلال نبضات فرعية صغيرة وانفجارات كبيرة تأكدت العزلة الافتراضية والحقيقية التي يعشها الإنسان الآن، هنا حضرت الذات المتكلمة في القصائد وتجلت في أنحاءٍ شتي، تجلت من خلال الحب والموت ومن خلال الزمن ومن خلال ذلك الآخر الموجود دائما في الديوان، وقد تعددت الضمائر التي عبرت بها الذات عن نفسها فكانت أحيانًا في صيغة المتكلم وأحيانا بضمير الغائب وأحيانًا من خلال إحضار شخص ثالث غالبًا هي الحبيبة، وجعلها تتكلم وتعبر عما تريد الذات الأولي تقوله أو تود البوح به، كما أن الديوان ظهرت فيه روح سريالية وفكاهة وسخرية ومفارقات وثقافة محتشدة في كل بيت» .
وواصل حديثه: »‬مقاطع قصائد هذا الديوان يملئها هذا التعبير المفعم بالألم والزاخر بالشجن، فكل  شئ لم يعد كما ينبغي أن يكون، كل شئ لم يسر كما أن ينبغي له أن يسير».
تحدث أيضا عما وصفه بالذات المتكلمة التي ظهرت في الديوان، قائلًا أنها جاءت واقعة في براثن الشعور المهيمن بقرب الرحيل ودنو الموت وفقدان الرغبة في أي شيء وما يعتريها من عزلة لا ترحمها وأنها قد أدت مهمتها بسلام لكنها تتألم أيضا وتحزن علي الرغم من محاولتها التظاهر باللامبالاة، وذلك بسبب ما تشاهده كل يوم من مساحات الخراب في الوجوه، ومعها تحاول أن تبتعد عن تلك الوجوه وعن ذلك الخراب وأن تذهب إلي ما هو أبعد من ظلها، تحاول أن تصون العدم الذي تواجهه كل يوم .
قال إن الجدار الموجود في حياة تلك الذات لم يكن مجرد جدار إفتراضي فقط، بل كان أيضا جدار من العلاقات بين هذه الذات ونفسها وبينها أيضا وبين الآخرين، حاولت كثيرا أن تخترق هذه الجدران، أن تنفذ منها، أن تعبرها، أن تهدهما، لكن بلا جدوي، ومن ثم فإنها كانت دائما ما تقود إلي وحدتها، إلي عزلتها، أمام هذا الجدار الأزرق، الذي جاء عبارة عن رمز للعقبة، للمرور من حيز إلي حيز ومن فضاء إلي فضاء، وهي كذلك رمز للانغلاق المقدس، والجدار رمز للحماية ورمز للانغلاق أيضا، وعندما تحاط أسوار مدينة بجدران أو حوائط فإن ذلك يعني حمايتها وتقييد حرية أهلها، فالحائط يقسم العالم إلي ذات وإلي موضوع، إلي ما هو داخلي وما هو خارجي، فالحائط حاجز، لكنه أيضًا وسيلة للتواصل والكتابة والرسم والحفر والتعبير، الحائط بالمعني القديم يمكن اختراقه أو هدمه وبالمعني الجديد يمكن التطفل عليه، الأول يصنع من الطين أو الحجر أو الجرانيت والثاني من نظام رقمي متكامل من الخلايا الإلكترونية، في الحالتين أنت في عزله، في الحالتين هناك آخر موجود خلف الحائط أو وراء الشاشات، هكذا تتوالي عبر قصائد هذا الديوان حالات التكرار والإثبات والنفي ومحاوله ترميم جروح الذات.
في حين قال الناقد والروائي طارق إمام، إن قصيدة القصاص تنطلق من آفاق الإنكار والرفض والنفي. وتابع إمام: »‬هناك إنكار للمعرفة من جانب الذات الشاعرة، ومحاولة الوصول المعرفة ليست نابعة عن جهل، ولكنها محاولة الوصول إلي معرفة جديدة تحل محل القديمة، ويحدث هذا بشكل مستمر».
وأشار إمام إلي سيطرة صيغة النفي والرفض علي الديوان، مشيرا إلي أكثر من مقطع بما في ذلك القصيدة الأولي التي يقول فيها الشاعر: »‬لا أعرف نساء دلفي» ، ولا حاملات القرابين في وادي الملوك، لم تسقط واحدة منهن في حجري، الماء لم يكن طازجا وهن يعزفن للشيطان حتي يصب النبيذ دفعة واحدة.
ووصف إمام الديوان بأنه مجموعة شعرية تحتمل قراءات عديدة جدا، لافتاً إلي احتوائه علي آفاق متعلقة بالنفس البشرية الساعية نحو الوصول للمعرفة.
وأضاف إمام أن القصاص تعمد إشعار القاريء أن الماضي انتهي، وهو ما ظهر في الأبيات القائلة: احتاج إلي حفلة لأري الأشياء في ألفتها البعيدة أبعد من نشوة الصورة من مؤانسة الفراغ.. مؤلم أن يفتقد الحنين دفقته الأولي أن تتحرك العين فوق سطح بارد أملس أن يهرب من ذاكرة الرصيف دبيب الأقدام .