رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

من يوميات أكتوبر


آنسي الحاج
10/7/2017 1:04:12 PM


لعل أكثر ما يؤثر في نشوة المصريين بما حققوه خلال قتال الأيام الخمسة هذه، أنها نشوة أمة تقول للأمم النصر من أجل حياتنا لا من أجل موت الآخرين، نريد النصر لمجد الحرية لا لفرض الاستعباد.
أليس المصريون أعرق الشعوب في حب الحية والفرح بها؟
الحرب المغسولة بالنيل وجهها أقل بشاعة من أي حرب.
وتكاد تطير منها حمامات سلام من أجل الغد.
ماذا نريد؟ الثأر؟ كلا. أخطأ من سماها حرب الثأر، نحن أرسخ من أن نكون مجرد جزر لمد أو مد لجزر.
ما نريده أبسط بكثير وأجمل بكثير وأصعب بكثير: إنه العدل، نريد أن نحيا، نريد أن نحيا ودون خوف ودون ذل، لا أن نكون ضحايا ولا أن نكون جلادين، بل أحرارًا.
»‬كنا في أوروبا.. للمرة الأولي شعرنا باعتزاز، لكوننا عربًا، تغيرت نظرتهم إلينا، صاروا يحترموننا»
من منا لم يسمع صديقه العائد من سفره يخبره كلامًا كهذا منذ بدأت الحرب؟
ولماذا تغيرت نظرة العالم إلينا؟
لأننا أثبتنا أننا أقوياء، وصار يحترمنا.
... يوم كنا نضع ثقتنا في الأمم المتحدة والقوانين والضمير العالمي، ساعين إلي حل من غير إراقة دماء، كان العالم يحتقرنا».
ويوم نزعنا ثقتنا من »‬العالم» وتجاهلنا ضميره الكاذب، رفع قبعته وانحني إجلالًا.
أي عالم هو هذا العالم؟
ألم يجد فينا ما يحترمه غير السلاح والحرب؟
أهذه كل فضائلنا؟
وتسامحنا؟ وإنسانيتنا؟ وتاريخنا؟ وحضارتنا؟ وكل ما في إنساننا من خير ومحبة وطيبة؟ وحقوقنا العادلة؟ الواضحة؟ البديهية الصارخة؟
أهذه كلها كان يحتقرها »‬العالم»، كان يحتقرها لأننا لم نثبت قدرتنا الحربية.
احترام كهذا هو  في الواقع إهانة، وإننا نرفضه.
إن لهذه الحرب شفاعتين:
الأولي أنها حرب أصدقاء السلام، والأخري أنها حرب الذين خيب العالم المتحضر كل آمالهم، فاضطروا أن يخاطبوه  باللغة الوحيدة التي يفهمها.
بيروت
أكتوبر ١٩٧٣