رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

يا حبيبي عود لي تاني


شيء من الخوف

شيء من الخوف

نـاهـد صـلاح
12/2/2017 11:30:50 AM

»البنت وردة بيضا خلوا بالكم يا سادة البنت من الدهاشنة واسمها فؤادة البنت بنت حافظ خلو بالكم يا سادة البنت بنت فاطمة واسمها فؤادة في عينها نار وجنة.. وعند وشدة وهوادة»‬.
وإن سألوك عن فؤادة تارة تقول: شادية وتارة تقول: مصر وأحياناً قد تشير إلي المرأة المصرية وتعتبر فؤادة هي الاسم والعنوان الذي ينكسر عنده الزمن الدائري وتتحقق عنده المعجزات.

 فالأغنية التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي ولحنها بليغ حمدي في فيلم »‬شيء من الخوف» »‬1969» من إخراج حسين كمال، لم تفض بالمعني فقط لتشبع تعطشاً في الروح ولكنها أيضاً كرست شادية صورة وأيقونة للتحدي علي مفترق طرق التحول والتغيير ونفض ثقل القهر والحُطام، وليس عجيباً بالمرة حين تتذكر »‬فؤادة» أن تضبط نفسك تغني »‬يا حبيبتي يا مصر» وربما تجد جسدك ينتفض مع كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدي وأنت تردد: ولا شاف العناد في عيون الولاد/ وتحدي الزمن/ ولا شاف إصرار في عيون البشر/ بيقول أحرار ولازم ننتصر/ أصله ماعداش علي مصر.. الأغنية التي هزت ميدان التحرير وكل ميادين الثورة في مصر وامتثل الجميع لصوت شادية كما امتثلوا لصوت أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب، الأصوات التي جاءت كأنها تعيد تكوين المسافة بين الحياة والحلم.
  في الأغاني التي تسكننا يكتمل التقاء النور بالظل، تكون هي الشاهد علي المشهد الذي نعيشه، لذا من الصعب أن نتعامل مع شادية ورفاقها من الذين دربونا علي أن نستيقظ وفي فمنا أغنية، كشخصيات فانية ننساها بفعل الموت،  بل كشخصيات استثنائية تعاطينا معها الحياة بجرعات كبيرة، وأشعلت فينا فتيلاً، ورسمت بقعة ضوء عنيدة في الوجدان عصية علي الزوال: »‬ لمس النسيم توبي بهمس غنّيوتك».
   رحلت في يوم مشمس، لم يكن رمادياً يشبه واقعنا ووجعنا المكبوت إثر حادث الجمعة الغادر في بئر العبد، ولم تكن شمسه حامية تضطرنا أن نغني ونسترضيها: »‬قولوا لعين الشمس ما تحماشي..لحسن حبيب القلب صابح ماشي يا حمام يا حمام طير قبله أوام يا حمام خليله يا حمام الشمس حرير يا حمام ويا ناس لوغاب يا ناس خلوه يبعتلي سلام دي الآه بقولها وهو ما يدراشي وفي بعده طعم الدنيا ما يحلاشي». انسلت من فضائنا بهدوء تاركة لنا الشمس والقمر والخيال وذاكرة متخمة بتفاصيل »‬أم الصابرين»: يا أم الصابرين، تهنا والتقينا يا أم الصابرين ع الألم عدينا يا مصر يا أمنا يا مصر يا أرضنا يا مصر يا حبنا يا مصر يا عشقنا». ومجموعة من الشباب الصغار علي ناصية أحد الشوارع يقفون خلف سيارة قديمة حولوها إلي منصة لتقديم القهوة والمشروبات الساخنة، مشروع صغير لمواصلة العيش، يتسلل من داخل السيارة صوت شادية كأنها تشاركهم تجربتهم كما فعلت معنا في كثير من الأوقات، فرحاً وحزناً:
اللي راح من عندي عندك راح ما جاني . . . مش هييجي أعز منك مهما جاني
يا حبيبي عودلي تاني . . . خلي عيني تشوف مكاني.
    هي فاطمة أحمد كمال شاكر، ابنة لمهندس زراعي مصري ينتمي لمحافظة الشرقية وأم لها أصول تركية، ولدت بحي الحلمية الجديدة بالقاهرة في العام 1934 وبدأت رحلتها الفنية  عام 1947 في السادسة عشرة من عمرها ، شاركت في أكثر من 112 فيلما، غنت مئات الأغنيات، ومثلت في عدد من المسلسلات الإذاعية، ومسرحية واحدة »‬ريا وسكينة» قبل أن تعلن اعتزالها في العام 1984: »‬لأنني في عز مجدي أفكر في الأعتزال لا أريد أن أنتظر حتي تهجرني الأضواء بعد أن تنحسر عني رويدًا رويدًا...لا أحب أن أقوم بدور الأمهات العجائز في الأفلام في المستقبل بعد أن تعود الناس أن يروني في دور البطلة الشابة، لا أحب أن يري الناس التجاعيد في وجهي ويقارنوا بين صورة الشابة التي عرفوها والعجوز التي سوف يشاهدونها، أريد أن يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لي عندهم ولهذا فلن أنتظر حتي تعتزلني الأضواء وإنما سوف أهجرها في الوقت المناسب قبل أن تهتز صورتي في خيال الناس».  وهي التي قالت أيضا بمناسبة تكريمها في مهرجان القاهرة:»‬فخورة بتاريخي الفني وأعتز بأعمالي التي قدمتها خلال مشواري الفني، وسعيدة بأنهم تذكروني رغم أنني ابتعدت عن الساحة الفنية واعتزلت منذ سنوات عديدة».
    شادية هو اسمها الفني الذي لا أحد يعرف علي وجه التحديد من وراء تسميتها به، هل هو المخرج حلمي رفلة أم الفنان يوسف وهبي عندما رآها وكان يصور في ذلك الوقت فيلمه شادية الوادي، أو الفنان عبد الوارث عسر حين قال: »‬انها شادية الكلمات»، لكن المؤكد أن بداية كانت مع المخرج أحمد بدرخان الذي كان يبحث عن وجوه جديدة فتقدمت هي التي أدت وغنت ونالت إعجاب كل من كان في استوديو مصر، إلا أن هذا المشروع توقف ولم يكتمل، ولكن في هذا الوقت قامت بدور صغير في فيلم أزهار وأشواك إخراج محمد عبد الجواد، ثم رشحها أحمد بدرخان لحلمي رفلة لتقوم بدور البطولة أمام محمد فوزي في »‬ العقل في إجازة» أول فيلم من إنتاجه  من إخراج حلمي رفلة، وقد حقق الفيلم نجاحًا كبيراً، فاختارها محمد فوزي في أفلامه اللاحقة الروح والجسد، الزوجة السابعة، صاحبة الملاليم، بنات حواء.
    تمكنت شادية منذ بداياتها الفنية من حجز مكانة متميزة بين قريناتها من نجمات السينما المصرية و شكلت خلالها ثنائيات شهيرة مع فنانين كبار مثل كمال الشناوي وفريد الأطرش وصلاح ذو الفقار، ويظل فيلم »‬ المرأة المجهولة» »‬1959» إخراج محمود ذو الفقار هو فتح الانطلاقة لنجوميتها الكبيرة، ففيه اتسعت قماشة التمثيل لتؤكد موهبتها وحضورها دون الارتكان فقط علي أدوار الفتاة الدلوعة أو خفيفة الظل والبريئة والرومانسية الحالمة التي تشارك غالباً في الاسكتشات الغنائية، كما أنها كانت واحدة من شخصيات نجيب محفوظ وجسدت أربعا من بطلاته علي الشاشة، فكانت هي حميدة في »‬زقاق المدق» »‬1963» إخراج حسن الإمام، نور في »‬اللص والكلاب» »‬1963» إخراج كمال الشيخ، كريمة في »‬الطريق» إخراج حسام الدين مصطفي، زهرة في »‬ميرامار» »‬1969» إخراج كمال الشيخ. كانت شادية في هذه الأفلام متوافقة مع قيمة النص الأدبي ومتجاوزة في أدائها حدود التمثيل والشاشة بحضور من لحم ودم يعبر عن آدمية من تجسدهن، لتخرجهن من بين سطور الرواية إلي الواقع بموهبة من ينسج  خيوط النور من روحه.
   في كنف ثورة يوليو كانت شادية من أبرز الأسماء النسائية التي شاركت في أفلام غيرت النظرة المجتمعية للمرأة، حيث ظهرت صور متنوعة لنساء لديهن نزعة التحرر والمقاومة وإثبات الذات في مجتمع جديد يتشكل بأفكار مختلفة للبناء والوعي، ولعل فيلمها »‬مراتي مدير عام» »‬1966» من إخراج فطين عبد الوهاب عن قصة عبد الحميد جودة السحار وسيناريو وحوار سعد الدين وهبة، أبرز دليل علي ذلك حيث يتعرض الفيلم لقضية حقوق المرأة من خلال مناولة طريفة، فالزوج يعمل مهندسا بإحدي شركات المقاولات، وتصادف أن زوجته التي تعمل بالإدارة أصبحت مديرته في العمل، وينبع من هذا العديد من المفارقات من زملائه في العمل واختلاف طباع زوجته في التعامل معه في العمل عن المنزل. حتي يصل في النهاية إلي أن المجتمع السليم يقوم علي طرفيه : المرأة والرجل علي حد سواء.
لم يغب الحس الكوميدي عن أفلامها، وربما وليس من باب التعسف، كما يقول الناقد كمال رمزي في كتابه »‬نجوم السينما المصرية.. الجوهر والأقنعة»، أن توصف شادية بأنها من أفضل الفنانات اللاتي قدمن أعمالاً كوميدية، فهي تتمتع بأسلوب جد مميز، ذلك أنها تؤدي أدوارها الكوميدية بطريقة بعيدة عن الهزل أو التهريج، لكن يظل خطها الأساسي بعيدا عن تصنيف الكوميدي وإن تخلله خفة الظل والروح المرحة، وكان للمخرج فطين عبد الوهاب دور مهم في إبراز هذه الطاقة الكوميدية الذي لمسها بعين المحترف وفجرها في أفلامه الشهيرة »‬الزوجة رقم 13» »‬1962»، »‬مراتي مدير عام» »‬1966»، وفي نفس العام »‬مراتي مدير عام»، »‬عفريت مراتي» »‬1968»، وقبل الفيلم الأخير بثلاث سنوات جاء فيلمها »‬أغلي من حياتي» »‬1965» الذي شاركها بطولته صلاح ذو الففقار ليحقق لها نقلة في عالم التمثيل والرومانسية، حتي إن شخصيتي »‬أحمد ومني» أيقونة لأشهر عاشقين قدمتهما السينما المصرية.
بين السينما والأغنية صنعت معبودة الجماهير »‬اسم فيلمها الذي أخرجه حلمي رفلة عام 1967» دربها الذي تعبر به من سماء لسماء، تحكي عن ناس مجتمعها وتغني لهم في أفراحهم وأتراحهم، إنها شادية الوادي التي خافت علي جنودنا وترجت الشمس ألا تحمي عليهم »‬قولوا لعين الشمس ما تحماشي»، وبعد نكسة 1967، غنت أغنية »‬الدرس انتهي» وغنّت »‬عبرنا الهزيمة» بعد حرب 1973 ومازالت أغنيتها »‬ يا حبيبتي يا مصر» تملأ الوجدان ويرددها جيل بعد جيل، بينما تظل صورة شادية في الخلفية هي »‬فؤادة في عينها نار وجنة.. وعند وشدة وهوادة».