رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

الثقافة في قري العنف‮!‬

بعد التحية والسلام


إيهاب الحضري
3/18/2017 10:53:41 AM

تعود القري لتلح عليّ،‮ ‬لكنها هذه المرة لا تدخل عالمي من باب الحنين،‮ ‬بل من منصة إطلاق للتجارب والرؤي‮! ‬وبالصدفة كانت هذه المنصة في الصعيد،‮ ‬وتحديدا أسيوط،‮ ‬التي شهدت تجربة تنمو،‮ ‬وأخري لا تزال جنينا في طور التشكل‮! ‬الأولي نري بعض ثمارها علي هذه الصفحة،‮ ‬عبر إبداعات اخترناها من مجموعة‮ ‬يتبناها الشاعر ماهر مهران،‮ ‬أما الثانية فبدأت بفكرة تحولت إلي حلم‮.‬
قبل نحو أسبوعين زرت المحافظة التي ظلت لسنوات طويلة ترتبط في أذهاننا بكونها وكرا للإرهاب،‮ ‬كنت في ضيافة مكتبة‮" ‬ومضة‮"‬،‮ ‬للحديث عن كتابي الأخير للناشئة،‮ ‬في حوار جانبي مع مؤسسها مصطفي كمال أكد أنه حرص علي أن تجوب معارض الكتب التي‮ ‬ينظمها المدن والمراكز وبعض القري،‮ ‬ورغم تشعب حديثنا إلا أن القري ظلت تداعب أفكارنا،‮ ‬وفي النهاية قرر كمال إطلاق مبادرة تركز علي معارض القري،‮ ‬تحدثنا حول تفاصيل عديدة،‮ ‬ومن بينها نوعية الكتب،‮ ‬ومصادرها،‮ ‬ثم أطل بند التكلفة برأسه،‮ ‬كشبح‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعرقل أي حلم،‮ ‬طرح كمال فكرة أن تقوم كل قرية باستضافة المعرض،‮ ‬علي أن‮ ‬يتحمل هو باقي التكاليف،‮ ‬خاصة أن معدلات الشراء خارج المدن منخفضة‮. ‬كان‮ ‬يبحث عن ضمانات تكفل استمرار التجربة،‮ ‬بحيث لا تتوقف بعد قرية أو اثنتين،‮ ‬وتتجمد عند حد‮" ‬الشو الإعلامي‮" ‬المرتبط بالبدايات‮. ‬اقترحت عليه أن‮ ‬يطرح علي أجهزة القري المستهدفة اقتراحا مبتكرا،‮ ‬يقوم علي عدم دفع إيجار مكان المعرض نقدا،‮ ‬بل بالكتب‮! ‬بحيث تتكفل‮" ‬ومضة‮" ‬بتوفير كتب مستعملة‮ ‬يتم اختيارها بعناية،‮ ‬لتكون نواة لمكتبة دائمة،‮ ‬تجعل أشعة الفكر مستمرة‮.‬
وفي قري أسيوط أيضا تجول ماهر مهران مع مبدعين آخرين،‮ ‬في إطار مشروع تنمية الجنوب،‮ ‬الذي أطلقته هيئة قصور الثقافة،‮ ‬وجابوا القري والنجوع في أكثر مناطق الاشتعال بالعنف،‮ ‬وحوادث الثأر،‮ ‬وامتلاك السلاح،‮ ‬حيث اكتشفوا‮  ‬بثماني قري في قاو والبداري عشرات المبدعين في كل المجالات،‮ ‬منهم من‮ ‬يعمل كهربائيا أو سباكا،‮ ‬أو باليومية في محل فول وطعمية،‮ ‬وقد أمدنا مهران بأعمال عديدة لهم،‮ ‬اخترنا عددا منها اليوم لنشرها كنوع من الاحتفاء بمبدعين التهمهم الظل‮! ‬لكنهم صمموا علي الاستمرار رغم الظروف الكفيلة بقتل أي موهبة‮. ‬منهم مظهر علام‮" ‬26‮ ‬عاما‮" ‬الذي‮ ‬يعمل كهربائيا،‮ ‬والفنان هيثم‮ ‬غلاب‮"‬25‮ ‬سنة‮" ‬ويحصل علي قوت‮ ‬يومه من محل‮" ‬فلافل‮"‬،‮ ‬والقاص محمد خضيري مدرس الدراسات،‮ ‬بالإضافة‮  ‬إلي الشاعرين الناشئين بيتر خلف و مادونا شفيق،‮ ‬ولا‮ ‬يتجاوز عمر كل منهما‮ ‬15‮ ‬عاما‮.‬
بالتأكيد تظل مواهبهم في حاجة إلي مزيد من الصقل،‮ ‬لكن الحرص علي نشر نماذج منها‮ ‬يأتي بهدف منح كل منهم بصيصا من أمل،‮ ‬خاصة من لا‮ ‬يزالون في مقتبل العمر،‮ ‬فبعد سنوات طويلة مضت في مجال العمل الثقافي أصبحت مقتنعا أن دفعة صغيرة تأني بنتائج كبري،‮ ‬ولنضرب مثلا بمادونا التي جاءت كلماتها شديدة البساطة،‮ ‬قد لا تلفت انتباه من‮ ‬يقرأها الآن،‮ ‬لكن إصرارها في المستقبل سوف‮ ‬يؤدي إلي تغيرات جوهرية،‮ ‬بشرط أن تستمر‮.‬
البدايات مبشّرة،‮ ‬والحلم والمبادرة كفيلان بإضاءة المشهد في واقع‮ ‬يتسم بالقسوة،‮ ‬والنجاح إذا تم لن‮ ‬يكون علي مستوي الإبداع فقط،‮ ‬بل سيؤدي إلي تغيرات مجتمعية حقيقية،‮ ‬لأن الكثيرين سيصبحون أكثر اقتناعا أن الإمساك بالقلم أفضل من حمل بندقية‮!!‬