رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

القراءة مقابل أجر!

بعد التحية والسلام


إيهاب الحضري
7/8/2017 9:50:33 AM

لا يتوقف الحديث عن القاريء الذي اختفي في ظروف غامضة، تلك الظروف التي تحيط بها علامات استفهام، تعجز أساليب البحث الجنائي عن الرد عليها، حيث يمكن العثور علي آلاف المفقودين لكن إيجاد قاريء واحد »ضال»‬ تظل مهمة صعبة، تستعصي حتي علي أبطال القصص البوليسية. لهذا قررت أن ألعب دور شرلوك هولمز، وأبدأ فحص الأدلة، ربما أجد طرف خيط، لا يضيء المشهد كاملا، بقدر ما يمنحني ولو بصيص ضوء يساعد في فك طلاسم القضية!
نقطة الانطلاق كانت البحث عن إحصاءات حديثة، ترصد حجم الظاهرة، لكن المشكلة الكبري أن عمر معظمها ليس قصيرا، كما أن بعضها يفتقر إلي أسس تمنحه المصداقية، لكن أكثرها إثارة للدهشة كانت تلك التي أصدرتها لجنة تابعة للمجلس الأعلي قبل سنتين، حيث أكدت أن المواطن العربي يقرأ ربع صفحة سنويا! مقابل أحد عشر كتابا للمواطن الأمريكي، و سبعة للبريطاني!! وفي تقرير التنمية البشرية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي عام 2011 كان العربي يقرأ ست دقائق سنويا، مقابل 200 ساعة للمواطن الأوروبي!! يمكن الرجوع إلي إحصاءات كثيرة مشابهة تؤكد حالة التردي، لكن قبل أن يلجأ البعض إلي أرقام أخري مضادة ليؤكد أن هناك حالة متعمدة من التجني، نشير إلي تقرير أعدته إحدي المؤسسات الخاصة في 2008 أوضح أن اللبناني يقرأ 588 دقيقة في الشهر، والمصري 540، والمغربي 506 والسعودي 378، بما يعني أن ساعات قراءة العرب تتجاوز بكثير جدا حدود الدقائق الست التي سبقت الإشارة إليها، فهل تناقصت المعدلات فجأة فيما يشبه الانهيار؟ لم يحدث ذلك بالتأكيد، وكل ما في الأمر أن تقرير »‬الفكر العربي» استبعد المناهج الدراسية والصحف والمجلات والكتب المقدسة، بينما تضمنها تقرير المؤسسة الخاصة.
وسط إحصاءات بهذه القتامة لابد أن نوجه الشكر إلي كتابات »‬الظواهر» السطحية، التي تجتذب آلاف الشباب والفتيان، وتجعلهم محسوبين علي القراء، وتجعلنا قراءاتهم نكسر حاجز الدقائق الست، فلولاها لأصبح المعدل أكثر إثارة للخجل. وبطبيعة الحال يساهم المبدعون أنفسهم في رفع الحصيلة، إذ أن »‬بعضهم» يقرأ جانبا مما يكتبه زملاؤهم!  
إنه عالم مقلوب، تتناقص فيه أعداد القراء ويتزايد الكتّاب، ويتجاوز المعروض من الإبداع والفكر حجم الطلب بمراحل، فتتسع الفجوة، ونترحم علي زمن كانت فيه مكتبات المدارس جزءا أساسيا من تكوين أجيال كاملة، لم تساهم في جذب التلاميذ إلي القراءة فقط، بل كانت أيضا معامل لتفريخ المبدعين. أما الآن فالأمر أصبح أشبه بكوميديا سوداء. يمكن أن نختمها بمشهد فانتازي مستوحي من أجواء الانتخابات البرلمانية، حين يعمد بعض المرشحين لشراء أصوات الناخبين، ولنتخيل أن المبدعين ضاقوا من عزلة كلماتهم فلجأوا إلي رشوة القراء، ودفعهم إلي القراءة مقابل أجر!! لكن المشهد التخيلي سيتوقف فجأة، ويفقد قدرته علي الاكتمال،