رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

كاتب مرفوع من الخدمة!!

بعد التحية والسلام


إيهاب الحضري ehab_hadaryy@yahoo.com
8/5/2017 10:08:34 AM

قبل سنوات ضبطت نفسي متلبسا بسؤال شكلي، لكنه ينطلق من إشكالية وضع الثقافة في مجتمعاتنا العربية، كان التساؤل يدور حول مهن الكتّاب المدونة في بطاقات هويتهم! للوهلة الأولي قد يبدو سؤالا سطحيا، لكن بعد ثوان من التفكير سنكتشف أنه جزء أساسي من الأزمة، أذكر أن هذا السؤال داهمني في نهايات عام 2006، عقب وقائع متتابعة، منها وفاة مبدعة مغربية شابة، لأنها كانت تقتطع من مصاريف علاجها لتطبع كتبها! وعرض شاعر جزائري كليته للبيع، كي يستطيع تدبير مصاريف معيشته!! للأسف سقط الاسمان من الذاكرة، مثلما يتساقط القابضون علي أفكارهم من حسابات الزمن، غير أن الوقائع نفسها تتكرر برتابة مملة. تفاعلت الواقعتان المأساويتان مع أخري لا تخلو من لمحة فكاهية، فقبلهما بشهور نشر زكي سالم قصته مع بطاقة الهوية في »أخبار الأدب»‬ ذكر وقتها أنه أراد تغيير بطاقته من محاسب إلي كاتب، حمل كتبه ومضي إلي مكتب السجل المدني وهو سعيد بأنه سيسجل أخيرا مهنته التي يحبها، بدلا من تلك التي فرضها عليه لسنوات عمله الرسمي، لكنه فوجيء بالموظف المختص يرفض، وبعد نقاش امتد لبعض الوقت أخبره الموظف بحسم أن »‬كاتب» ليست من بين الوظائف الرسمية في مصر!!.
المفارقة التي جمعت التراجيديا مع الكوميديا دفعتني لإجراء تحقيق، في صحيفة عربية كبري كنت أراسل ملحقها الثقافي، واكتشفت المزيد من المفاجآت، ففتحي إمبابي كان مديرا عاما بالهيئة القومية للأنفاق، وسلوي بكر مفتشة تموين سابقا، لكنها كانت متفائلة بأنها ستقوم بتغييرها في البطاقة إلي»‬أديبة» ولا أعرف هل نجحت أم أحبطها رد بيروقراطي مشابه؟ وقتها كانت خانة المهنة في بطاقة عفاف السيد تحمل كلمتين »‬لاتعمل» الأكثر طرافة أنها عندما كانت تخبر من حولها أنها كاتبة، كانوا يظنون أنها تعمل في محكمة، وخاضت عفاف تجربة مماثلة لتلك التي مر بها زكي سالم، انتهت بعدم اعتراف الموظف بخاتم اتحاد الكتاب علي أوراقها، فاكتفت بتغيير المهنة إلي
»‬حاصلة علي ليسانس آداب»!.
ما سبق مجرد نماذج من تلك التي أوردتها في التحقيق الصحفي، وربما يكون بعض أصحابها قد نجحوا في الحصول علي لقب»‬ كاتب» بعدها، لكن المؤكد أن غالبية الكتّاب لا يملكون صكا رسميا يمنحهم هذا الشرف علي بطاقات الهوية، لا لأن أوطاننا لا تعترف بهذه المهنة فقط، بل لأن احترافها دون الاتكاء علي عمل آخر، سيجعل صاحبها ينتمي إلي فئتي الفقراء والمساكين، ممن لا يملكون قوت يومهم، لهذا يعتمد الجميع علي مهن وحرف أخري، ربما تسمنهم وتغنيهم من جوع. وحتي في الاستثناءات القليلة التي تشمل عددا محدودا من مبدعين احتوتهم الكتابة بمفردها، أعتقد أن بطاقات هويتهم لا تتضمن كلمات: كاتب، مبدع، أو أديب!
السؤال عن مهنة المبدع ليس ساذجا، بل ينكأ علي بساطته جراحا عميقة، تمضي في سياق التهميش الذي يعانيه المثقفون، حيث يعاني الروائي من الغربة في مجتمعه، ويعيش الشاعر فيما يشبه »‬الجيتو» الذي يضمه مع أقرانه. وكل ما يرجوه هو أن ينال حق تقرير مصيره مع الأقلية التي ينتمي إليها. وأن يعترف المجتمع قبل الجهات الرسمية، بأن هناك من يحترفون الكتابة، دون أن يكونوا»‬ كتبة» في المحاكم!!.