رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

مسافر زادُه الكتاب!

بعد التحية والسلام


إيهاب الحضري [email protected]
8/12/2017 10:01:36 AM

عند إطلاق أي مشروع جديد، يعتبر تحديد الهدف بدقة نقطة انطلاق أساسية، لأنه يوضح مسارات الانتقال بين نقطتي البداية والنهاية بنجاح. وفي ظل أزمة تراجع أعداد القراء بشكل حاد تحتاج مبادرات مواجهة الأزمة إلي توصيف دقيق للمشكلة. لأن التشخيص الخاطيء يقود إلي أسلوب علاج غير صحيح، وهو ما يعني الحكم علي أي مبادرة بالفشل مسبقا.
الاستهلال السابق يمهد للتعليق علي مبادرة »كتاب لكل مسافر»‬ التي يتبناها الدكتور أبو الفضل بدران، وتبدو هيئة قصور الثقافة متحمسة حاليا لإطلاقها. وتقوم الفكرة باختصار علي إقامة أكشاك في محطات القطارات، لعرض كتب الهيئات الحكومية، بسعر لا يتجاوز خمسة جنيهات، ويمكن لمن اشتري أي كتاب أن يستبدله بآخر في أي محطة، إذا انتهي من قراءته خلال رحلته الطويلة، كما يمكنه إعادته واسترداد ثمنه، أو الاحتفاظ به. أعترف أن الفكرة جذابة، وأنني شعرت بالإعجاب بها بعد القراءة الأولية للتفاصيل في العدد الماضي من أخبار الأدب، غير أن قليلا من التأمل جعلني أتساءل: هل تتمثل الأزمة الحالية في أن قنوات توصيل الكتاب إلي»‬مستحقيه» مسدودة؟ أم أن المشكلة الحقيقية تتمثل في تراجع أعداد هؤلاء المستحقين؟ والفارق بين الحالتين شاسع بالتأكيد، فلو كانت المشكلة في القنوات يصبح المشروع رائعا، لأنه بالفعل يحل المشكلة من جذورها، ويصل بالكتاب إلي الملايين من ركاب القطارات. أما إذا كانت المشكلة في القراء أنفسهم، فإن المشروع محكوم عليه بالفشل، لأن الكتب ستبقي علي الأرصفة، تنظر بحسرة إلي الراحلين الذين لا يعيرونها أي انتباه.
الفكرة في أساسها تبدو متميزة، لا أعترض عليها لكني أتحفظ علي الهدف الذي تسعي لتحقيقه، لأن الأمر في هذه الحالة يشبه وضع ثلاجات مياه في صحراء نائية، لخدمة عابرين لا يمرون بها من الأساس، والتشبيه السابق ليس مبالغا فيه للأسف، فعالم الكتب أصبح مثل الصحاري الجرداء، لكن الفارق الوحيد أن المياه المثلجة ستحظي بالإقبال إذا توافرت في مكانها الصحيح، أما الكتب فلن تجد من يقرأها حتي لو تم توصيلها مجانا حتي المنازل!
أعتقد أن مواجهة الأزمة تحتاج إلي علاج جذري، وربما يتمثل أحد أساليب الحل في استعادة حصة المكتبة بالمدارس، بعد أن اختفت في ظروف مجهولة منذ سنوات، لأنها ستغرس في نفوس التلاميذ أهمية قيمة القراءة. غير أن الأمر يحتاج في البداية إلي إصلاح المنظومة التعليمية بالكامل، والاستعانة بمعلمين يدركون أهمية الفكرة كي يتمكنوا من نشرها، وحمايتها من تغول أنشطة ومواد أخري.
يتوقع الدكتور بدران أن تطبيق المشروع سيجتذب عشرة ملايين قاريء في العام الأول وحده، وأري أن التفاؤل هو المسيطر علي توقعاته، لأنه اعتمد علي أن قراء " افتراضيين" سيتسابقون علي الأكشاك ، لمجرد وجودها في طريقهم، غير أن المشكلة كما سبق أن ذكرت ليست في قرب الكتاب أو بعده، بل في جمهور أصبح مشغولا عن القراءة، أو غير معترف بها.
رغم كل ذلك أتمني أن يدخل المشروع حيز  التنفيذ، وأتمني أيضا أن يكون تشاؤمي في غير محله.