رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

بعد التحية والسلام

أفكار مهددة بالسكتة القلبية!


إيهاب الحضري
9/2/2017 11:16:15 AM

النقد لا يعني رفضا مطلقا لفكرة ما، لهذا تنبغي التفرقة بين أمرين جوهريين، الأول هو الاعتراض علي الفكرة من أساسها، والثاني يتمثل في التحفظ علي أهدافها أو جهة تنفيذها، فمما لا شك فيه أن الثقافة تحتاج إلي أسلوب تعامل عصري، يجعلها أكثر قربا من الناس، دون أن يعني ذلك تسطيح المضمون لمغازلة المتلقين، لأنه حتي في حالة التسطيح، سيظل العمل الثقافي غير قادر علي منافسة أنشطة أخري تحظي بالإقبال، رغم تفاهة بعضها، لهذا فإن الآليات العصرية لا تستهدف جمهورا عريضا، بقدر ما تحاول التسلل إلي من توجد بداخلهم بذرة، تجعلهم متلقين محتملين وفاعلين. من هذا المنطلق تحديدا سبق أن تحفظت علي أهداف فكرة » كتاب لكل مسافر»‬، دون أن أخفي إعجابي بالمقترح نفسه، التحفظ كان نابعا من أن اقتصاديات الفكرة اعتمدت علي مشترين متوقعين، بعد أن افترضت أن الحلقة المفقودة بين الكتاب وقارئه هي منفذ البيع، وهو أمر غير دقيق، يمكن أن يصيب المقترح المتميز بالسكتة القلبية، ويزيد الفجوة بين أطراف »‬ الحالة الثقافية»، إذا تمت قراءة النتائج السلبية بأسلوب يقود إلي تحليلات خاطئة.
أما»‬ الدوري الثقافي» فكان اعتراضي عليه بسبب جهة التنظيم، لأن المجلس الأعلي للثقافة ينشغل بدور ليس له، وعين القائمين عليه تركز علي شعبية، حتي لو تحققت لن تُعتبر إنجازا للمجلس، لأنه يظل مقصّرا في دوره الأساسي، وهو رسم السياسات الثقافية للبلاد.
اعتراضاتي إذن ليست مطلقة، لكنها تركز علي أهمية تحديد الأدوار والأهداف بدقة، لأن أية مغامرة غير محسوبة تهدد الحياة الثقافية بانتكاسة جديدة، وتزيد حاجز العزلة، لنكتفي بعدها بالنواح علي مجتمعات لم تعد تدرك دور الثقافة، رغم أن آليات التنفيذ ستكون هي المسئول الأول عن ذلك، لهذا ينبغي أن تعتمد عمليات اقتباس الأفكار، أو ابتكار أخري جديدة، علي خطط بالغة الدقة.
الواقع يشير إلي أن هناك مراكز جذب ثقافي جديدة، تنشأ داخل الوطن، وتستحق أن ندرسها للاستفادة من تجاربها. فساقية الصاوي مثلا تكتظ بالرواد، وتقدم منتجا ثقافيا يحظي باهتمام الشباب تحديدا، كما أن تجربة مكتبة ومضة في أسيوط خير دليل علي أن هناك سوقا للكتاب، لا تستطيع هيئات وزارة الثقافة اقتحامه، وعندما سمعت من مؤسسها الشاب مصطفي كمال قيمة مصروفاتها الشهرية صُعقت، وتساءلت كيف يمكن للإيرادات أن تغطيها فقط، لا أن تحقق ربحا، لكن يبدو أن المشروع مربح، فهاهي المكتبة تعد فرعا جديدا لها في الوادي الجديد، تلك المحافظة التي تعاني من تهميش ثقافي بسبب ظروفها. وأعتقد أن الحالتين السابقتين وغيرهما في حاجة إلي تحليل دقيق، لا لاستنساخ التجارب كما هي، بل لاستعارة فكر إدارتها، واختيار ما يتناسب منه مع هيئات وزارة الثقافة، علي أن تعرف كل منها دورها بدقة، ويكفي لأي مسئول أن يراجع اللائحة التأسيسية لهيئته، ليتفادي الخلط.
كان ضروريا أن أقوم بتوضيح هذه النقاط، بعد تعقيبات وردتني علي المقالين السابقين، أشاد بعضها بالمشروعين، وتعجب أصحابها من انتقاداتي، في المقابل افترض عدد ممن اتفقوا معي أنني أرفض المشروعين في المطلق، وهو افتراض غير صحيح، لكني أعتقد أن هدفنا جميعا في النهاية واحد، هو الانحياز للثقافة.

تعليقات القرّاء