رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أسقطوه من ذاكرة الإبداع المصري وقبحوا كُتَّابه‮ :‬

التاريخ الزجلي لمصر مازال صالحا لإثارة الدهشة


‮ ‬مسعود شومان‮ ‬
3/18/2017 1:12:41 PM

هذا نوع أدبي أثير أهمله التاريخ الأدبي،‮ ‬وأهملته الدراسات النقدية،‮ ‬واحتقره معظم الشعراء من خلال تقبيح مصطلح الزجل،‮ ‬والتقليل من قيمة ما يكتب تحته لأنه يجافي القيم التي تطرحها الحداثة وما بعدها،‮ ‬وليس فيه من الجمال ما يدعونا لدراسته أواكتشاف القيم الجمالية والاجتماعية الكامنة في نماذجه،‮ ‬والزجل لغة‮: ‬زجل،‮ ‬صعدة نابتة في حائر،‮ ‬أينما الريح تميلها تمل،‮ ‬وقال آخر خرير الريح في قصب الصعاد،‮ ‬وكذلك القصبة،‮ ‬وقيل هي نحومن الآلة.كذلك‮: ‬زجل كعزف الهدهد،‮ ‬يروي كعزف الهدهد،‮ ‬فالهدهد قيل في تفسيره أصوات الجن،‮ ‬ووهدهد الشيء من علوإلي سفل حدره،‮ ‬وهدهده حركه كما يهدهد الصبي في المهد،‮ ‬وهدهدت المرأة ابنها أي حركته لينام‮. ‬كذلك‮: ‬هيدا هيدبا وهاد الرجل زجره من زجر الإبل واستحثاثها،‮ ‬وأنشد أبوعمرو وقد حدوناها بهيد وهلا حتي تري أسفلها صار علا،‮ ‬وذلك أن الحادي إذا أراد الحداء قال هيد هيد ثم زجل بصوته،‮ ‬وهيد بالسكون زجر للإبل وضرب من الحداء.كذلك‮: ‬زجل كحفيف الحصاد صادف بالليل ريحا دبورا،‮ ‬والزجل صوت الرعد،‮ ‬قال الأعشي تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق،‮ ‬زجل‮: ‬الصوت الخفي يهز قصبا،‮ ‬وزجل:الشد والتقريب والخبب،‮ ‬ويروي الفرس المتدافع في جريه،‮ ‬زجل‮: ‬الحداء كأن في حيزومه قصب الناي لأن الزامر إذا زمر أقنع رأسه،‮ ‬ويقال للمرأة إذا قامت إلي جاراتها لاحت الساق بخلخال زجل،‮ ‬والزجل بالتحريك اللعب والجلبة ورفع الصوت وخص به التطريب،‮ ‬وأنشد سيبويه‮: ‬له زجل كأنه صوت حادٍ‮ ‬إذا طلب الوسيقة أوزمير،‮ ‬وقد زجل زجلا فهوزجل وزاجل،‮ ‬وربما أوقع الزاجل علي الغناء قال وهويغنيها‮ ‬غناء زاجلا،‮ ‬الزجل رفع الصوت الطرب وقال يا ليتنا كنا حمام زاجل،‮ ‬وفي حديث الملائكة لهم زجل بالتسبيح أي صوت رفيع عال وسحاب ذوزجل أي ذورعد وغيث زجل لرعده صوت ونبت زجل صوتت فيه الريح،‮ ‬والزجلة بالضم الجلدة التي بين العينين والحالة وصوت الناس،‮ ‬والقطعة من كل شيء والجماعة أومن الناس والحمام أرسلها علي بعد وهي حمام الزاجل والزجال،‮ ‬والزجل محركة اللعب والجلبة والتطريب ورفع الصوت،‮ ‬زجل كفرح فهوزجل وزاجل،‮ ‬ز ج ل‮: ‬الزجل بفتحتين الصوت يقال سحاب زجل أي ذورعد،‮ ‬مختار الصحاح،‮ ‬والزجل رفع الصوت الطري يقال حاد زجل ومغن زجل وقد زجل يزجل زجلا‮ ( ‬يمكن مراجعة‮: ‬المعاجم والكتب التالية‮: ‬الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفـة العـين القاموس المحيط المصباح المنير المغرب لسان العرب مختار الصحاح معجم البلدان معجم ما استعجـم أنيس الفقهاء التعريفات التوقيف علي مهمات التعاريف الزاهر في‮ ‬غريب ألفاظ الشافعي المطلع علي أبواب المقنع‮ ‬غريب ألفاظ التنبيه الفائق في‮ ‬غريب الحديث النهاية في‮ ‬غريب الحديث‮ ‬غريب الحديث لابن الجوزي‮ ‬غريب الحديث لابن سلام‮ ‬غريب الحديث لابن قتيبة‮ ‬غريب الحديث للحربي‮ ‬غريب الحديث للخطابي‮.)‬
‮ ‬أما الـزجـل،‮ ‬حسبما تواتر،‮ ‬فقد بدأ مع عهد الملثمين من ملوك الأندلس استحدثه أهل الأمصار بعد أن أهملوا فيه قواعد الإعراب،‮ ‬وجاءوا فيه بالغرائب،‮ ‬وشغف به الشعب لسهولة فهمه،‮ ‬واتساعه للمعاني الدقيقة التي يصعب التعبير عنها بألفاظ عربية مع التقيد بالإعراب،‮ ‬ويؤكد صفي الدين الحـلي في معرض كلامه عن الفنـون الشعرية‮ ‬غير المعربة‮ " ‬أرفعها رتبة،‮ ‬وأشرفها نسبة،‮ ‬وأكثرها أوزانا،‮ ‬وأرجحها ميزانا،‮ ‬ولم تزل إلي عصـرنا هذا يقصد عصر الحلي أوزانـه متجـددة،‮ ‬وقوافيه متعددة،‮ ‬ومخترعه أهل المغرب،‮ ‬ثم تداوله الناس بعدهم‮"‬،‮ ‬وفي ضوء ما أفردنا من معانيه اللغوية فهو‮: ‬الصوت،‮ ‬وإنما سمي هذا الفن زجلا لأنه لا يلتذ به،‮ ‬وتفهم مقاطع أوزانه،‮ ‬ولزوم قوافيه حتي يغني به ويُصوَّت،‮ ‬فيزول اللبس بذلك،‮ ‬ويعتمد الزجـل الأبحر الخليلية أوزانا له،‮ ‬إلي جانب ما اخترع من أوزان،‮ ‬وهويحفل بروح ساخرة تتخذ من النقد الاجتماعي أسلوبا،‮ ‬كما يلاحق اللحظات الساخنة،‮ ‬والقضايا الآنية ويلتـزم الزجـل بالعمـود الشعري،‮ ‬مع تنوع أشكاله،‮ ‬ويبدعه فرد يتمتع باستقلالية ما عن رؤية الجماعة الشعبية،‮ ‬وهوفي الغالب يعبر عنها ولها،‮ ‬وحين تتبني الجماعة بعض نصوصه تتحول إلي نص شعبي يتواري مبدعه في ظلاله مؤثرا استقباله بوصفه نص الجماعة،‮ ‬وتنـزع عن النص ملكيته الفردية ليصبح هذا الشاعر أحد ملاكه مع ملاك آخرين صدقوه وتواشجوا معه فتآلف مع روح الجماعة وذاب في نصوصها لتوسيع أفقها الشعري وفاعليتها الجمالية،‮ ‬ويعد الزجل وثيقة اجتماعية إلي جانب كونه وثيقة لغوية وموسيقية تتجلي فيها قدرة المبدع الفرد علي الارتحال داخل الأشكال بحرية كبيرة،‮ ‬حيث تتعدد القوافي والأقفال والمقاطع كما سيبين من النماذج التي نطرحها في هذا البستان الذي يعد جزءا صغيرا من الصورة العظيمة التي طرحها زجالون مصريون من طراز فريد،‮ ‬خاضوا معارك مهمة من خلال أزجالهم لينتصروا بها علي الفقر والقبح والاحتلال بأنواعه،‮ ‬وسجلوا شهاداتهم زجلا ما يزال يطرح قيما يمكن استعادتها،‮ ‬وقد اشتهر بعضهم،‮ ‬بينما لم يتحقق لبعضهم الذيوع والانتشار رغم أهمية وجمال أزجالهم،‮ ‬والتاريخ الزجلي لمصر تاريخ منسي من ذاكرة الحياة الثقافية والنقدية،‮ ‬ولما كنا نري أهمية جليلة للكشف عن هذا التاريخ الذي يمثل وثيقة تجمع بين اللغة والموسيقي والتشكيل،‮ ‬فضلا عما تحمله من قيم اجتماعية وتواريخ مهمة لم يوثقها التاريخ الرسمي،‮ ‬وهي بهذا تقوم بسد الثغرات التي تغافل عنها التاريخ المكتوب في عدد من الأحداث والظواهر الاجتماعية،‮ ‬وكنا قد نشرنا عبر صفحات أخبار الأدب لعشرين زجالا مصريا أبدعوا في أزجالهم،‮ ‬وها نحن نواصل تسليط الضوء علي جزء من هذا التاريخ ونماذجه الفنية التي تعد مرجعا جماليا واجتماعيا ولغويا،‮ ‬وفي هذا البستان ننشر عشرين سيرة ذاتية مقرونة بنماذج لهم،‮ ‬عسي أن يلقي هذا البستان الضوء علي حياتهم وسياقاتهم الاجتماعية والقضايا التي كانت تشغلهم،‮ ‬فلك أيها القارئ المحبة والتقدير،‮ ‬ولهم الفضل أن أدخلوني إلي عوالمهم الثرية وحيواتهم ونماذجهم الزجلية المتنوعة‮. ‬

تعليقات القرّاء