رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

من مفكرة د. عصمت مهدي فنجان قهوة مع توفيق الحكيم


د. عصمت مهدي
7/15/2017 11:30:17 AM

كنت بصدد إعداد بحث عن الأدب العربي.. وأخذت أبحث في المكتبة الهندية عن المواد التي يمكنني الاستعانة بها لهذا الغرض.. فذهبت إلي جامعة عليكره التي كانت تضم مكتبتها المراجع التي احتاج إليها، وفي أثناء إحدي زياراتي للجامعة، قابلت الأستاذ إحسان عبدالقدوس، رحمه الله، وكان حينئذ رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، ولما علم بالصعوبات التي أواجهها، دعاني لزيارة القاهرة كي أستعين بالكتب والمراجع المتاحة في مكتبة وأرشيف الأهرام.. كما أخبرني بأن الحضور إلي القاهرة سيمكنني من لقاء بعض الكتاب والأدباء المصريين الذين كنت أعد تلك الدراسة عنهم.

وفي أثناء زيارتي، ترددت علي المكتبات والجامعات والارشيفات وقابلت العديد من الأدباء والنقاد أمثال لويس عوض وإحسان عبدالقدوس، في الدور السادس بمبني الأهرام، فتحت أمامي جميع الأبواب إلا بابا واحدا ظل موصدا.. وكم تمنيت أن يفتح. فعندما حاولت مقابلة توفيق الحكيم، قوبل طلبي بالرفض، إلا أنني أخذت ألح علي إتمام هذا اللقاء.  وساعدني »الأهرام»‬ في ذلك إلي أن تم تحديد الموعد. ويبدو أن توفيق الحكيم وافق علي مضض، فأخبر مساعدته بأن تدق الجرس لإنهاء المقابلة بعد خمس دقائق متعللة بحلول موعد آخر.
وحان موعداللقاء. فأخبرتني سكرتيرة إحسان عبدالقدوس أنه من الأفضل أن أترك المسجل بالخارج لأن ذلك قد يضايق توفيق الحكيم، وفعلت.
وكانت السعادة تغمرني وأنا أتقدم للقائه، عندما رأيته أمامي للمرة الأولي، وجدته تماما كما تصورته بالبيريه وملامحه المعلومة لي، ربما كان فقط أكثر نحافة مما تخيلت. استقبلني توفيق الحكيم بحرارة المصريين المعهودة.. وعندما جلست بدأت حديثي بالتعبير عن مدي سعادتي بلقائه، وأخبرته أنني أعد دراسة عنه وأن هناك الكثير من النقاط التي تحتاج إلي مزيد من الايضاح.. ففي أعمال كل كاتب الكثير مما يتطلب توضيحا ولا سيما عندما يكون  كاتبا كبيرا لديه تناقضات حادة في أرائه وحياته مثل توفيق الحكيم.
سألته هل يسمح لي بمواصلة الحديث باللغة الفرنسية، لغتي الأجنبية الأولي والمفضلة، فأبي قائلا »‬ينبغي أن تتحدثي باللغة العربية».. ربما ليجعل اللقاء أكثر صعوبة، والواقع انني سررت بذلك، فما كان يمكنني الحديث عن الأدب العربي بصورة شاملة سوي باللغة العربية.
وكان سؤالي الأول عن سبب خلو الأدب العربي من المسرحية وعما إذا كان مغزي ذلك سببا دينيا كما هو شائع، ولو كان ذلك صحيحا، فلماذا كان العرب يتبعون الدين في بعض الجوانب بينما يهملون الجوانب الأخري.
وربما أثار سؤالي إعجاب الأديب الكبير، فبدأ يشرح لي آراءه الشهيرة حول طبيعة الشعوب وانعكاساتها علي فنونهم فالعرب كانوا يكتفون بنظم أبيات من الشعر بدلا من تأليف الملاحم، والمقامة أو المنظومة النثرية بدلا من القصة الطويلة، والأغاني والأنغام بدلا من السيمفونيات، ذلك أن تأليف الملاحم والسيمفونيات يتطلب حياة مستقرة، وحياة العرب في الصحراء لم تسمح بذلك علي النقيض من الإغريق والهنود.. وهنا دق الجرس، كانت مساعدته تعلمه بحلول موعد آخر، فأخبرها بأن ترجئه قليلا وبادر يسألني إن كنت أفضل احتساء الشاي أم القهوة فدهشت لذلك دهشة شديدة لما أعرفه من أنه ما كان يدعو أحدا لذلك.
وبينما نتبادل الحديث كانت دهشتي تزداد، فما توقعت مدي اتساع معرفته بالأدب السانسكريتي عندما شرع يحدثني عن مقومات مسرحية »‬كالي داسا» بنفس العمق الذي تحدث به عن المسرح اليوناني.
وهنا أشار توفيق الحكيم إلي أن الحياة في الهند تهييء فرصة التأمل والابداع، وهو ما ساعد أبناءها علي تأليف الملاحم الكبيرة مثل الـ»‬رامايانا» والـ»‬مهابهاراتا» فضلا عن العديد من المسرحيات، بينما العرب بظروف حياتهم لم يكن لديهم الفرصة لإخراج مثل هذه المؤلفات، فقلت له أن هذا كان في الماضي البعيد، أما في العصور الوسطي فقد اختلف الأمر، إذ إن حياة العرب في بغداد ودمشق وقرطبة كانت قد استقرت إلا أن ذلك لم يحدث تغييرات في الناحية الأدبية رغم احتكاكهم بالحضارات ذات الشأن آنذاك كالفارسية واليونانية والهندية، فأجاب بأن حياة العرب الأدبية لم تتغير حقيقة إلا بعد اتصالهم بالغرب في العصر الحديث، فعلقت بقولي برغم أن العرب لم يبدعوا في الفن المسرحي عبر العصور المختلفة، فقد استطاعوا في العصور الحديثة خلال عملاق واحد أن ينهضوا بالمسرح العربي والدراما المسرحية إلي درجة عالية من الرقي.. هذا العملاق هو توفيق الحكيم.

مدير المركز الثقافي الهندي
 (مولانا أبوالكلام ازاد)
العدد 359 ـ أغسطس 1993