رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

ماذا تعرف عن جوائز الدولة


7/15/2017 11:36:03 AM

حينما بدأت التحقيق الصحفي عن جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية للفنون والآداب والعلوم.. أردت أن أعطي القاريء صورة موجزة للفكرة.. وحدث أن التقيت بأول أديب مصري نال أعلي أوسمة الدولة.
توفيق الحكيم.. وسألته عن رأيه.. وخرج الرأي إلي آراء.. ثم إلي حديث قائم بذاته!! وتكلم يوسف السباعي.. وتكلم أربعة من مجتمع الأدب والفن.. فماذا يقول الحكيم؟ وما هو رأي السباعي؟ وما هي مطالب مجتمع الأدب والفن؟ ها هي النقاط بمنتهي الأمانة.. ومنتهي الصراحة أيضا!

ماذا تعرف عن اللفتة الأنيقة التي توجهها الدولة إلي أهل الفكر والعلم؟
ماذا تعرف عن أكاليل الغار التي تتوج بها الدولة هامات الأدباء والباحثين وأطباء المجتمع وسحرة الفن والشعر؟
إن القانون رقم 37 لعام 1959 يضع لك النقاط فوق الحروف..
> باسم رئيس الجمهورية.. وفي 13 مايو سنة 1958 صدر قرار جمهوري يقضي بإنشاء جوائز الدولة للإنتاج الفكري ولتشجيع العلوم والآداب والعلوم الاجتماعية والفنون.
> قدمت الدولة باسم الدولة أربع جوائز تقديرية تسمي (جوائز الدولة للانتاج الفكري، و28 جائزة تشجيعية تسمي (جوائز الدولة لتشجيع العلوم والفنون والآداب والعلوم الاجتماعية).
وهذه الجوائز تمنح سنويا للممتازين في الإنتاج الفكري من مواطني الجمهورية العربية المتحدة.. وهي جائزة للعلوم وأخري للعلوم الاجتماعية وثالثة للآداب والرابعة للفنون الجميلة.. أما قيمة الجائزة التقديرية فهي ألفان وخمسمائة جنيه مع ميدالية ذهبية لا تمنح لشخص واحد أكثر من مرة.
> ويشترط فيمن يمنح الجائزة التقديرية أن تكون له مؤلفات أو أعمال أو بحوث سبق نشرها أو عرضها أو تنفيذها، وأن يكون لهذا الانتاج قيمة علمية أو فنية ممتازة، وأن تظهر فيه دقة البحث والابتكار.. وأن يضيف إلي العلوم أو الفن شيئا جديدا ينفع الوطن خاصة والإنسانية عامة.
> سترشح الهيئات العلمية المشتغلة بالعلوم والعلوم الاجتماعية والآداب والفنون الجميلة، كل عام ،أسماء من تري ترشيحهم لنيل الجائزة التقديرية إلي المجالس العليا المختصة مع ذكر أسباب الترشيح في موعد غايته آخر ديسمبر.
> أما الجوائز التشجيعية فستمنح لمواطني الجمهورية العربية المتحدة سنويا عن أحسن مصنفاتهم وأعمالهم: ثمان وعشرون جائزة تشجيعية.. ست عشرة منها للعلوم، وثلاث للآداب، وثلاث للعلوم الاجتماعية، وثلاث للعلوم السياسية والقانونية والاقتصادية وثلاث للفنون الجميلة.. وهذه هي المرة الأولي التي تمنح الدولة فيها جوائز تشجيعية للفنون!
> وقيمة الجائزة التشجيعية خمسمائة جنيه، ولا يجوز منحها أكثر من مرة لشخص واحد إلا بعد مضي خمس سنوات علي منحه الجائزة الأولي.. كما لا يجوز أن يمنح شخص واحد الجائزة أكثر من مرتين في فرع أو موضوع واحد.. ويعلن المجلس الأعلي المختص قبل اليوم الأول من شهر أكتوبر من كل عام. عن الفروع أو الموضوعات التي تقرر منح الجوائز التشجيعية عنها، ولمن يرغب في التقدم لنيل إحدي هذه الجوائز أن يقدم للمجلس المختص إنتاجه خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الاعلان.. وللجان الفحص أن تدخل الإنتاج الذي تري أنه جدير بالنظر ولو لم يتقدم به صاحبه.. واللجان يعينها المجلس الأعلي المختص.
> وإنتاج الجائزة التشجيعية يشترط فيه أن يكون ذا قيمة علمية أو فنية ممتازة تظهر فيه دقة البحث وأصالته. وأن يضيف إلي العلم أو الفن شيئا جديدا ينفع الوطن خاصة والإنسانية عامة.. وأن يكون قد سبق نشره أو عرضه أو تنفيذه ولم يمض علي ذلك لأول مرة أكثر من ثلاث سنوات حتي تاريخ الإعلان.. كما لا يجوز أن يقدم إنتاجا سبق تقديمه لنيل درجة علمية كالدكتوراه والماجستير.
هذه معالم المنحة التي تقدمها الدولة إلي الفكر وأهل الفكر، من علماء وأدباء ومفكرين وشعراء وكتاب.
مع توفيق الحكيم
وبمناسبة الحديث عن جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية.. ارتأت (صوت الشرق) أن تستطلع رأي بعض المسئولين عن رعاية الفكر والأدب في الجمهورية العربية المتحدة.. وكان طبيعيا أن يشير القلم إلي الأديب المصري الأول والذي نال وسام الدولة تقديرا لأدبه ومؤلفاته.
توفيق الحكيم.. بحثت عنه في غرف المجلس الأعلي للفنون والآداب بالزمالك فلم أجده.. وأخيرا وجدته!
وجدته تحت شجرة قصيرة بحديقة المجلس.. جلس توفيق الحكيم علي ثلاثة مقاعد.. مقعد له.. ومقعد لكتاب الأديب الروسي باسترناك (الدكتور زيفاجو).. ومقعد لطلبات الحكيم من البوفيه! واخترت المقعد الأخير لجلوسي.. واضطر الحكيم إلي سحب (فنجان القهوة) في شيء من الضيق!
لقد ذعر عندما توجهت إليه.. وكان يرتكز بقدميه علي أصيصين فارغين من أصص الزهور.. خوفا من رطوبة الشتاء!
وقابلني باحتراس.. واعتدل باحتراس.. وكلمني بمنتهي الاحتراس!
سألته عن صاحب فكرة الجوائز التقديرية والتشجيعية.. فبدأ يشد شعيرات شاربه في انفعال ثم أجاب:
- في الحقيقة ما أعرفش.. زي ما أنت عارف(!) أنا ما باحبش أتدخل!
قلت له:
> أيوه.. لكنك عضو مسئول بالمجلس الأعلي للفنون والآداب.. وهذه الأمور من اختصاصك؟
وهز رأسه قائلاً:
- أبداً.. أنا اعتقد أن الأستاذ يوسف السباعي  يديلك فكرة أحسن مني.. أنا منعزل زي ما انت شايف وما باحبش أتكلم.
> هل أفهم من ذلك أنك لا تعرف المشروع من بدايته؟
- لا.. ولكن المشروع عرض علي في اجتماع.. كما عرض علي جميع الأعضاء في الاجتماع.. وأنا واحد في الاجتماع!
> ألا تريد أن تتكلم؟
- أريد.. ولكن أين الكلام؟!..
> أنت.. ما رأيك في فكرة جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية؟
- وتحرك الحكيم في مقعده بقلق.. وتخلل شاربه بيده قبل أن يقول:
- والله أنا قلت رأيي في حضرة الرئيس جمال حينما سلمني القلادة.. وقلت إنها المرة الأولي في تاريخ مصر الحديث التي يلقي فيه الأدباء والمفكرون عناية خاصة من الدولة.
> ولكن القلادة غير جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية.. إنها لفتة خاصة!
- لا.. ازاي؟ المعني واحد.. يعني عايزين أتكلم مرتين؟.. عيب أتكلم بعد ما قلته أمام الرئيس جمال.
ووقفت لحظة أمام منطق الحكيم.. وعدت أسأله:
> هل تعرف بالتقريب اسم المرشح لجائزة الأدب التقديرية؟
- أبدا أبدا.. ما أعرفش حاجة أبدا.
منين أعرف؟ المجمع اللغوي رشح الأستاذ السيد أحمد لطفي السيد.. لكن أنا ما اتكلمش.. وما أحبش اتكلم.. هه.. أنا ما أعرفش..
> وجائزة العلوم والفنون؟
- لا.. دي صحيح ما أعرفش عنها حاجة! تأكد!
> بصراحة.. وبعيدا عن الجرائد.. هل كنت تعلم بنبأ الانعام بالوسام؟
- أبدا والله أبدا.. والجرايد قالت هذا الكلام.. أنا عرفت النبأ من الإذاعة والصحف وأصدقائي.
> هل الذي نشرته بعض الصحف عن سبب هروبك من حفل التكريم حقيقة؟
- الآراء كانت كثيرة.. والحقيقة احتفظ بها لنفسي!
> أستأذن نفسك.. وقل لي بعض الحقيقة؟
- بعضها اني منعزل زي ما انت شايف.. وطبعي الهدوء والتأمل .. لا غير.
> أنت أول أديب مصري ينال أعلي أوسمة الدولة.. قدمه لك الرئيس.. كما أنك الأديب الوحيد الذي أتي ذكره في كتاب الرئيس (فلسفة الثورة) وقال عنك كما أذكر أنه قرأ لك (عودة الروح) وتأثر في صغره بما قرأه.. ألا يمكنك أن تربط بين المناسبتين؟
- أربط ازاي؟ دي مناسبة.. ودي مناسبة.
> هل قرأت فلسفة الثورة؟
- طبعا ضروري.. قرأتها..
> وماذا تقرأ الآن؟
- كتاب الأديب الروسي باسترناك (الدكتور زيفاجو).. وصلتني نسخة استعارها لي الأستاذ البشلاوي من السفارة الأمريكية.. باللغة الانجليزية.
> ومتي تردها؟
- أنا بطيء.. ربما بعد أسبوعين.
> يقولون أنك ستنسي أن تردها.
- (يضحك) لا.. ولكني سأبطيء في قراءتها نوعا.. وبالمناسبة.. وصلتني أيضا نسخة فرنسية من أديبة اسمها الآنسة ليليان.
> هل تقرأ الكتاب كوحدة.. أم انك تقرأ عدة كتب في وقت واحد؟
- يمكنني أقرأ عدة كتب في وقت واحد.
> وطقطوقة النسيان.. هل هي حقيقة؟
- دي بالفعل حقيقة ونص.
> بناء علي أي شيء؟
- عادة! مجرد نسيان لا أكثر!
> هل هي عادة لذيذة؟
- ليس في كل الأوقات!
> لماذا تكره الحديث عن أسرتك.. وتحتج علي من ينشر عنها أي معلومات؟
- ولماذا ينشر؟ اني محافظ ولي تقاليد؟
> صعيدي!
- مش لازم.. ولكن لا أحب الحديث عن أسرتي.. ولا أولادي.. أحب أن أضع خطا فاصلا بيني في عملي الذي اخترته لنفسي.. وبينهم كمجموع خاص بعيد عن طبيعة عملي.
> ابنك إسماعيل.. حينما سمع نبأ الوسام.. ماذا كان رأيه؟
- (يضحك) لا.. إسماعيل يبقي ابني.. يعني من الأسرة.. ورأيه رأي خاص بقوله في البيت.. لكن هناك.. احنا مش اتفقنا؟.
.. وتهيأت للانصراف.. وقلقت بدوري حينما تحرك الحكيم في مقعده وأخذ يسألني في رفق:
- لكن أنا لم أتشرف باسم حضرتك؟
- وذهلت.. لأنني قدمت له نفسي في بداية الحديث! ولأنني قابلته قبل اليوم مائة مرة! ولاحظ الحكيم حيرتي فقال:
- لا مؤاخذة.. مجرد سهو.. نسيان!
وانتهزت الفرصة لأقول:
> وهل يشمل السهو فنجان القهوة لضيف؟
وفي سرعة وتأكيد قال الحكيم:
- لا.. هذا ليس سهوا.. مجرد كسل.. فنحن في حديقة المجلس.. والبوفيه بعيد جدا.. والسعاة لن يسمعوا ندائي علي البعد.
.. وكانت المرة الثانية التي أقف فيها أمام منطق الحكيم!
ويوسف السباعي
.. وانتقلت »صوت الشرق»‬ إلي الأديب القصاص الرقيق يوسف السباعي السكرتير العام للمجلس الأعلي للفنون والآداب.. وكان كعادته صريحا.. محددا.. حتي حينما سألته عن صاحب الفكرة في جوائز الدولة.. لم ينتظر ولم يتردد، بل قال علي الفور:
- لا نستطيع أن ندعي السبق في التفكير.. ففكرة جوائز الدولة كانت موجودة بالفعل من قبل.. وكل ما في الأمر أن الدولة في عهدها الحديث زادت قيمة الجوائز من ثمانية آلاف جنيه إلي أربعة وعشرين ألف جنيه.
قلت له:
> سمعت من الأستاذ الحكيم أن الأستاذ لطفي السيد هو المرشح لجائزة الدولة التقديرية في الأدب..
- بل في »‬الاجتماع».. وقد رشحه اتحاد الأدباء.. والمجمع اللغوي.. والجمعية الجغرافية.. وجمعية العلوم الاجتماعية.. ورشح اتحاد الأدباء الدكتور طه حسين لجائزة الأدب..
وأطلقت السؤال الذي تمرد في أعماقي فقلت له:
> هل يجوز منح الجوائز التشجيعية لأدباء يعملون في المجلس الأعلي للفنون والآداب.. وهل يجوز - تطبيقا لمادة القرار الجمهوري - ترشيح إنتاج أحدهم.. ولو لم يتقدم بإنتاجه؟ وهل يكون مجلس الآداب والفنون هو المرشح؟
- قال:
- يجوز.. ليه لا؟ المجلس يضم الكثيرين من كتاب وأدباء الدولة.. كل ما في الأمر أنه إذا رشح إنتاج أحد أعضاء لجان التحكيم.. فيجب أن يتنحي عن عضويته تنفيذا لشروط القانون.
> هل ستدخل الأفلام والمسرحيات والأعمال الإذاعية في نطاق الإنتاج الأدبي؟
- المسرحيات تدخل المسابقة بالطبع.. أما الأفلام والأعمال الإذاعية فاعتقد أن هناك (تصنيفا) خاصا في مواد القرار يمكن أن تدخل تحتها.
> مسألة اللجان.. كيف يكون مستوي أعضائها.. أساتذة جامعات.. أم حاصلين علي درجات علمية.. أم أسماء معروفة؟
- المحكمون سيكونون من الفنيين المختصين، بصرف النظر عن الأسماء والدرجات.. خلاصة الفنيين.
قلت له:
> هل ستتقدم بإنتاج لك لإحدي الجوائز؟
- (يضحك) والله لسه ما تقدمتش .. لغاية دلوقت..
> إذا فكرت في التقدم.. فأي إنتاج ترشحه؟
- أرشح قصة »‬طريق العودة».. آخر مؤلفاتي.. أني مؤمن بها أشد الإيمان.. والدكتور طه حسين مع ما هو معروف عنه في التقتير في ألفاظ المدح في نقده الأدبي، قال عنها أنها قصة رائعة بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها.. وذلك في عدد الجمهورية الصادر صباح الاثنين 23 ديسمبر.
> ولكنك ستكون عضو تحكيم..
ـ سأتنحي بالطبع وقتها.
> هل تقرأ الكتب كوحدة؟
- طبعا.. لا أترك الكتاب حتي أتمه.. ولا أقرأ عدة كتب في وقت واحد، كذلك لا أترك قصة بدأت في كتابتها لأبدأ في أخري.. لابد أن أنهي الأولي .. وهكذا!
أبوالمجد الحريري
العدد 79 ـ يناير 1959