رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

ماذا تعني الهند بالنسبة لي؟


7/15/2017 11:41:04 AM

عندما يذكر اسم الهند علي مسمع مني أو أقرؤه في كتاب، أو أقف علي ما يمت إلي الهند بصلة مثل الملابس، العمارة، الأفلام، الموسيقي، الطعام، فإن كلمة أخري تظهر في المقابل كبداية للتداعي، إنها كلمة »الخصوصية»‬ وبعدها علي الفور كلمة »‬الاستمرارية».

الخصوصية تعني أنني عندما أستمع إلي الموسيقي الهندية تتبادر إلي ذهني علي الفور تلك الموسيقي خاصة. لها إيقاعاتها وشخصيتها وأصواتها.. الأزياء لا يمكن أن نراها في مكان آخر، العمارة الرسم في مراحله المختلفة، النحت، كذلك الطعام الذي يجسد رؤية الحياة وفلسفة في التعامل معها. خصوصية الهند أول ما شدني إليها، واستمرارية هذه الخصوصية، الهند حضارة قديمة موازية للحضارة المصرية، غير أن الحضارة المصرية مرت بثلاثة أطوار: الحقبة الفرعونية ثم القبطية ثم الإسلامية. صحيح أن المضمون الثقافي المصري مستمر وأن الحياة في مصر لم تتوقف، لم يحدث بها انقطاع، غير أن العقائد تغيرت مرتين، واللغة أيضا، الحضارة المصرية ذات مضمون متسق، أما الهندية فمتعددة.
للأسف لم أزر الهند، لكنني أذكر ما حدثني به صديقي الفنان الكبير الراحل شادي عبدالسلام بعد عودته من الهند، قال لي إن ثمة  شيئا غامضا لم يستطع أن يفسره تماما أدركه عند نزوله إلي الهند، هذا الشيء يغمر الإنسان مثل موج البحر، يغطيه. يلفه.. يسيطر عليه.. ما طبيعة هذا الشيء؟ لم يوضح لي شادي، لكنه كان مأخوذا بالهند.
عرفت الهند من السينما، من الأدب، من أشعار طاغور، من قصص ملك راج أناند، ثم عرفت الهند من خلال فنونها، تلك الزخارف التي رأيتها علي القماش، علي الخشب، في لوحات شتي، زخارف مرهفة، ألوان رائعة، رقائق ودقائق، وكثيرا ما اقتنيت خلال أسفاري كتبا عن العمارة الهندية، والفن الهندي في النسيج، في المعادن، أما اسطوانات الموسيقي الهندية فتحتل مكانا غير صغير في مكتبتي، خاصة الموسيقي  المنبعثة من الآلات الوترية، ما يشبه القانون عندنا، أو السانطور الإيراني، أحب الإصغاء إلي عازف عبقري ومعروف عالميا اسمه شانكار.
كلما اقتنيت كتابا بالإنجليزية أو الفرنسية عن فنون الهند اسأل نفسي: لماذا لايوجد في المكتبة العربية كتاب يشرح لنا فنون الهند وآثارها وعمارتها التي لم أر منها في الواقع إلا قصر البارون إمبان في مصر الجديدة، أما تاج محل وعمارة الهند الأخري إسلامية أو بوذية أو هندوكية فلم أعرفها إلا من خلال الأفلام والكتب الأجنبية.
الشهر الماضي صدر مجلد ضخم، رائع الطباعة من تأليف د. ثروت عكاشة. إنه الأول من نوعه في المكتبة العربية من حيث الشكل والمضمون. المجلد هو جزء من موسوعة شاملة أختار لها عنوانا قاله أندريه مالرو الكاتب الفرنسي العظيم عندما كتب عن الفن: العين تسمع والأذن تري. ويتناول في الموسوعة تاريخ الفن منذ عصور البدائية حتي إبحاره شرقا، بعد أن رسا في فارس، انتقل إلي الهند. أقبلت علي الكتاب فرحا لعله يفسر لي ما يغمض علي من أمر الهند، وإذا بي أجد نفسي ليس في مواجهة مجلد أنيق رفيع الطباعة عن الهند إنما موسوعة متكاملة عن تاريخ الهند وفنونها، وعقائدها، وفلسفاتها ومراحل هذا كله عبر الزمن، لم يسبق لي أن قرأت كتابا بهذه الإحاطة عن الهند. أذكر أنني قرأت كتابا وضعه عالم عربي قبل ألف سنة. أعني أبوالريحان البيروني، العالم والفيلسوف الذي عاش في الهند عن قرب ومازال كتابه »‬تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة أو مروذلة»مرجعا يعتد به.
كتاب الدكتور ثروت عكاشة موسوعة متكاملة، أضاءت لي جوانب عديدة مجهولة من تاريخ الهند وحضاراتها وسر خصوصيتها واستمراريتها! قيمته أن مثقفا عربيا مصريا كبيرا هو الذي كتبه، المنظور هنا مغاير لتلك المؤلفات التي قرأتها عن الهند في لغات أخري.
أما اللوحات المنشورة فقد قدمت لي ثروة بصرية رفيعة، رأيت افلاما عديدة عن تاج محل، غير أن الصور المنشورة لتفاصيل الزخارف شديدة الثراء والجمال. بفضل هذا المؤلف القيم أصبحت الهند عندي أكثر قربا وأسرارها في المتناول الوشيك.


جمال الغيطاني
رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب