رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

500 عدد وتاريـــــــــــخ يمتد لأكثر من ستين عاماً


مني عبد الكريم
7/15/2017 12:46:15 PM


في عام 1952 وتحديدا في شهر أكتوبر، وهو الشهر الذي يوافق ذكري ميلاد المهاتما غاندي أبو الأمة الهندية، كتب السيد أحمد قاسم جودة في افتتاحية أول أعداد مجلة »صوت الشرق»‬ : عندما فاتحني صديقي المستشار الصحفي بالسفارة الهندية، ثم سعادة السردار بانيكار سفير الهند الجديد في الإشراف علي تحرير هذه المجلة إلي جانب أعمالي الصحفية الأخري، لم أتردد كثيرا في تلبية دعوتهما عن طيب خاطر .. فقد اخترت الهند وطنا ثانيا لي منذ بضعة عشر عاما. أو علي التحديد منذ أتيح لي في سنة 1939 أن أطوف أرجاء الهند في جولة سياسية وأن أسعد بلقاء قديسها ورائدها وزعيمها الخالد الذكر»‬غاندي».
وقد تعددت الصلات التي ربطت بين أحمد قاسم جودة والهند، كان من بينها سفره في بعثة صحفية ممثلا دار أخبار اليوم عام 1949، ما جعله يرحب برئاسة تحرير مجلة »‬صوت الشرق» خاصة في ظل علاقة الود والتفاهم ومحاربة الاستعمار التي جمعت بين الهند ومصر حيث قال: إذا كانت الهند قد فرغت من كفاحها ضد الاستعمار البريطاني فإن تعاونها مع مصر وسائر الدول العربية والشرقية المجاهدة كفيل بتدعيم قوي السلام والحرية لا في الشرق وحده بل في العالم أجمع.. وأكد علي دور مجلة »‬صوت الشرق» وفلسفتها قائلا: إذا استطاعت  هذه المجلة أن تساهم بجهد متواضع في تدعيم علاقات التعاون بين دول الكتلة العربية الآسيوية كوسيلة لتحقيق التعاون العالمي المنشود، فإنها بذلك تكون قد أدت رسالتها كاملة.
وقد تضمن العدد الأول رسالة من الزعيم نهرو إلي قراء المجلة بمناسبة صدور »‬صوت الشرق»  قال فيها:  أبعث بتحياتي وأطيب تمنياتي إلي شعب مصر والعالم العربي. إن علينا في عالم اليوم بكل أزماته ومنازعاته أن نتآزر ونوحد صفوفنا، وأن نسلك طريق التعاون والتضافر، لا في سبيل خيرنا المتبادل ومصلحتنا المشتركة فحسب بل في سبيل ما هو أكبر وأسمي كذلك، وهو خير الإنسانية وسلام العالم أجمع.
خرج غلاف أول أعداد مجلة صوت الشرق حاملا صورة المهاتما غاندي أبو الأمة الهندية ورسول السلام واللاعنف مزينا بعنوان »‬غاندي الزعيم القديس.. العقاد يحيي ذكري ميلاده»، حيث وافق صدور العدد الأول في  شهر أكتوبر ذكري ميلاد المهاتما غاندي الذي يأتي في الثاني من أكتوبر كل عام وهو اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة منذ بضع سنوات يوما عالميا للاعنف، وكتب العقاد بهذه المناسبة تحية »‬المهاتما في ذكراه» .. جاء فيها : إن فضل غاندي وإخوانه أنهم يجددون ثقة الإنسان بالإنسان، فضلهم أنك تري الدنيا من حولك تفيض بالشر والجهل ثم تنظر إليهم فلا تيأس ولا تخاف.. كما تناول الموضوع عددا من الصور النادرة لغاندي ومقتنياته والمنزل الذي ولد فيه .
ومن الموضوعات الأخري التي تضمنها العدد الأول موضوع عن  »‬روابط مصر والهند من أقدم العصور حتي اليوم» بقلم سفير الهند آنذاك سردار بانيكار استعرض من خلاله تاريخ الروابط المصرية الهندية منذ عهد الفراعنة إلي عهد الثورتين المصرية والهندية بقيادة سعد زغلول وغاندي، وموضوع عن الانتخابات الهندية،  وقد ضم العدد مجموعة من الموضوعات الخفيفة ومنها الساري الهندي ينافس أزياء باريس، و»‬صيد الأفاعي هل هو علم أم شعوذة» وكذلك صفحة عن قراءة الطالع والكاريكاتير، ولم يخل العدد من مسحة أدبية اتضحت في القصة القصيرة التي كتبها توفيق الحكيم بعنوان »‬معجزات وكرامات» وقصيدة »‬أغنية المهد» للدكتور إبراهيم ناجي نشرت مصحوبة بلوحة للفنان الهندي رايبا.
صدر العدد الأول في 36 صفحة بالأبيض والأسود عدا صفحتين خصصتا لقصيدة ناجي مصحوبة بلوحة الفنان الهندي وكانت تباع بالأسواق بمبلغ 20 مليما.  أما الاشتراكات فكانت عن السنة في مصر والسودان 30 قرشا أو ما يعادل هذه القيمة، وكان أحمد قاسم جودة هو أول رئيس تحرير لها،  بينما شغل خليل جرجس خليل  منصب سكرتير التحرير لعدة سنوات قبل أن يتولي رئاسة تحريرها بالإنابة ثم رئاسة التحرير، وظل في هذا المنصب سنوات طويلة امتدت للثمانينات قبل أن يتعاقب عدد من الشخصيات المرموقة علي رئاسة التحرير وكان من بينهم بيومي قنديل والدكتور محمد حسن الزيات والسفير محمد وفاء حجازي، كما انضمت أتينا وهبة لسكرتارية التحرير، وعينت أيضا مآثر المرصفي مديرا لتحرير المجلة لعدة سنوات، كما تم انتخاب  كل من مرسي سعد الدين وسلامة أحمد سلامة وكامل زهيري مستشارين للتحرير لفترة طويلة .
تعد مجلة »‬صوت الشرق»  بمثابة سجل لتاريخ العلاقات الهندية المصرية، بل كانت المجلة في سنواتها الأولي أيضا سجلا للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر والدول العربية، حيث اعتادت المجلة تسجيل الأحداث الجارية من خلال عدة أبواب منها »‬عدسة صوت الشرق» و»‬العالم في شهر»  كما اعتادت المجلة أيضا خلال السنوات الأولي التجول بين الأقطار العربية وغيرها  في باب حمل عنوان »‬صوت الشرق تطوف بك حول العالم» فقدمت للقراء معلومات وفيرة عن العيد ومنها  ليبيا واليمن والسعودية والكويت وأثيوبيا وأندونسيا والبحرين والمغرب.
وكانت المجلة تجذب أقلام عدد من ألمع الكتاب من بينهم عباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم وأنيس منصور، ومحمود تيمور وأمينة السعيد وغيرهم، كما كتبت العديد من الشخصيات البارزة والمرموقة في باب »‬سافرت إلي الهند» الذي حمل بعد ذلك اسم »‬ماذا تعني الهند بالنسبة لي؟» نذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر الراحل جمال الغيطاني، وإحسان عبد القدوس وصلاح أبو سيف ود.عصمت عبد المجيد،وعمرو موسي ود.مصطفي الفقي، ومحمود رضا وغيرهم.. ويضم أرشيف المجلة أيضا العديد من الحوارات المهمة مع أبرز الشخصيات المصرية والعربية ومنها حوار مع أول سفير لتونس في مصر الدكتور صادق المقدم الذي تخرج في كلية الطب بباريس واختاره السيد الحبيب بورقيبة زعيم الحزب التونسي الحر ليكون سفيراً لبلاده في مصر، وحوار مع فضيلة الشيخ الشعراوي الذي كان وزيراً للأوقاف، والشيخ شلتوت، وشيخ الأزهر عام 1957 فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن تاج، وحوار مع السفير البابوي الجديد المنسنيور جورج دي يونج داردوا،وحوار مع دكتورة درية شفيق رئيسة حزب بنت النيل ومع العديد من الفنانين والفنانات من بينهم الفنانة فايزة أحمد ونازك .
إضافة إلي ذلك، ارتبطت أسماء العديد من الفنانين المصريين بالهند وفنونها حيث اعتاد مكتب استعلامات الهند بالقاهرة إقامة حفل شهري للأغاني والموسيقي الهندية، استضاف من خلال تلك الأمسيات كلاً من فريد الأطرش والفنان يوسف وهبي وعبد الوهاب، وكذلك الفنانة شريفة فاضل ومحمد القصبجي والموسيقار محمد فوزي والفنانة فايدة كامل، وغيرهم ..
وتتجلي أهمية مجلة »‬صوت الشرق» في الأوساط الثقافية مما كتبه الأديب والشاعر أنور نافع وكيل وزارة الثقافة في مصر للعلاقات الثقافية الخارجية في افتتاحية المجلة احتفالا باليوبيل الفضي لها قائلا : إنها مجلة ثقافية من لون خاص ورسالتها تقديم الحضارة والثقافة في كل من الهند والعالم العربي، ولا يخلو عدد من أعدادها من الغوص في أدب وتراث العرب والقصص والأشعار والفنون الهندية .. كل فيلم سينمائي من الهند يعرض في بلد عربي تسبقه المجلة إلي الجمهور وفيها تعريف بقصة الفيلم وأغانيه والنجوم المشتركين فيه،وكل فن شعبي أو مذهب في الفن التشكيلي هنا في مصر والعراق ـو سوريا أو هناك في كيرالا جنوبي الهند أو كشمير في الشمال تجده منشورا ومتقابلا علي صفحات »‬صوت الشرق» ومعه التعريف الكافي به،كل عمل أدبي استرعي الأنظار بقيمته وظفر في مسابقة عربية أو مهرجان هندي،تسارع المجلة إلي الحصول علي مادته وتعده للنشر بكل عناية وإتقان.
كذلك ونظرا لاهتمام خليل جرجس خليل رئيس التحرير بالأدب بصفة خاصة، فقد أفرد مساحات كبيرة له ، الأمر الذي قال عنه نافع :  كان من نتيجة اهتمامها بنشر ألوان الأدب المعاصر مترجما من الهند أو مختارا من التأليف العربي، أن توافر في ثنايا أعدادها مجموعات من القصص والأشعار والدراسات والمقالات وقد صدر بالفعل عن هذه المجلة ثلاثة كتب تضم مجموعات من القصص العصري المترجم .
وكانت المجلة تقدم ألواناً عديدة من الأدب تحت باب »‬فنون الأدب»،كما خصصت بابا لنشر إبداعات الهواة، وآخر لعروض الكتب العربية والأجنبية وقدمت العديد من الحوارات مع قامات الشعر والأدب في مصر والعالم العربي منهم شاعر المهجر إلياس فرحات وميخائيل نعيمة وفدوي طوقان وغيرهم . ومن الأبواب التي خصصت للأدب »‬روضة الشعر»، و»‬ بأقلام الأدباء»  و»‬نادي المواهب»،بخلاف القصص القصيرة والأِشعار المترجمة.
كما امتد اهتمام المجلة أيضا للفنون التشكيلية، حيث حرصت علي تقديم أخبار الفنانين المصريين والمعارض الفنية التي كانت تشهدها القاهرة من خلال باب »‬المعارض في شهر»  وقد خرج غلاف العدد الخامس عشر يحمل لوحة الفنان أحمد صبري بائعة الجوافة،كما تناول العدد إقامة جمعية »‬محبي الفنون الجميلة» عرضا لتسعين لوحة من لوحات أحمد صبري رائد مدرسة التصوير الحديثة في مصر، كما عرضت المجلة للصلات الفنية بين الهند ومصر ومنها معارض الفنانين الهنود التي أٌقيمت في مصر،وكذلك معارض الفنانين المصريين التي استضافها المركز الثقافي الهندي ومنهم علي سبيل المثال لا الحصر الفنان المصري صلاح طاهر، ورائدة فن الباتيك الفنانة نازك حمدي.ومن الجدير بالذكر أن للفنانة نازك حمدي علاقة وطيدة بالهند حيث سافرت وزوجها الدكتور سعد المنصوري إلي الهند للدراسة هناك، وقد قام نهرو بتسليم شهادة الماجستير إلي المنصوري كما سلم زوجته الفنانة نازك حمدي دبلوم الفنون الجميلة.
ومما لا شك فيه أن المجلة قد اهتمت كذلك بفنون السينما،واستعرضت أهم الأفلام الهندية التي تم عرضها في مصر أو تلك التي نالت شهرة عالمية،وكذلك التكريمات المتبادلة،ومنها مثلا تكريم الفنان نور الشريف بمناسبة فوزه بجائزة التمثيل من مهرجان نيودلهي للأفلام عن فيلمه »‬سواق الأتوبيس» في الثمانينات، ومن ألطف الحكايات التي لها علاقة بالسينما والتي قد لا يعرفها الكثيرون أن الفنانة ماجدة كانت مرشحة لبطولة أول فيلم مصري هندي في الخمسينات وظهرت علي غلاف أحد أعداد مجلة »‬صوت الشرق وهي ترتدي الزي الهندي، كما نشرت لها المجلة  أكثر من صورة بالساري الهندي.
إن متعة الإطلاع علي تلك المواد النادرة التي يضمها أرشيف »‬صوت الهند» لا تقل روعة عن مشاهدة الأغلفة التي حملتها المجلة عبر 500 عدد، كثير من هذه الأغلفة بمثابة لوحات فنية، ولكل غلاف حكاية،وقد خرج كثير من أغلفة المجلة وعليها شخصيات مصرية بارزة كان من بينهم نجيب محفوظ،وأم كلثوم ويوسف وهبي، وفاتن حمامة وماجدة وعبد الحليم،  وسعاد حسني، وغيرهم .. كما رصد عدد من الأغلفة العلاقات الهندية المصرية ومنها ما حمل غلافه نهرو وناصر سواء فوتوغرافيا، أو تلك اللوحة الكاريكاتيرية البديعة التي قدمها الفنان أحمد حساني والتي صورت نهرو وناصر متشابكي الأيدي .. إضافة إلي العدد الأخير الذي خرج احتفاء بالعلاقات المصرية الهندية في ظل زيارة الرئيس السيسي إلي الهند. وقد عكست تلك الأغلفة رحلة المجلة  وتطور فن الغلاف حتي وقتنا الحالي الذي انعكس في أحدث أساليب التصميم والطباعة.
استمرت المجلة في رحلتها طوال تلك السنوات دون توقف حيث طرأ عليها العديد من التغيرات سواء في الشكل أو المضمون، كان من بينها تغيير اسم مجلة  »‬صوت الشرق» إلي »‬صوت الهند»  في عام  2006، وهو الاسم الأقرب لطبيعة المواد التي تنشرها المجلة حاليا، حيث أصبح التركيز علي كل ما له علاقة بالهند،وعلاقتها بالعالم العربي لا سيما جمهورية مصر العربية . يعكس هذا التحول في اسم المجلة فلسفة تهدف إلي دعم الروابط بين الهند والعالم العربي ولاسيما بينها وبين مصر وتعتبر المجلة نافذة يطلع منها القارئ العربي علي أحوال الهند السياسية والاقتصادية والثقافية والسياحية، وكذلك كل تلك الأحداث التي تقع في مصر ويكون لها علاقة بالهند بما في ذلك الزيارات المتبادلة، ومختلف جوانب التعاون الثقافي، والمشروعات الاقتصادية وغير ذلك .. ولذا تعتبر مجلة »‬صوت الهند» بمثابة سجل لتاريخ العلاقات الهندية المصرية علي كافة المستويات.
وتصدر المجلة حاليا في طبعة فاخرة ملونة بالكامل وتوزع مجانا ويمكن الحصول علي نسخة إلكترونية منها، كما يمكن الإطلاع علي الأعداد الأخيرة منها علي شبكة الانترنت.


تعليقات القرّاء