رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

بعيون أفريقية:قراءات في أعمال نوال السعداوي


د. اعتدال عثمان
8/5/2017 1:35:09 PM


نادرا ما يجتمع لكاتبة من عالمنا العربي، ومن قارتنا الأفريقية، مثل ذلك الاعتراف العالمي بالمكانة الأدبية والريادة الفكرية التي تحظي بها نوال السعداوي عن جدارة واستحقاق، يشهد عليهماتاريخ حافل طويل، وما يربو علي أربعين كتابا موزعا بين الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والمقال والمذكرات وأدب الرحلة. وقد ترجم نصف هذه الأعمال تقريبا إلي اللغة الإنجليزية، فضلا عن ثلاثين لغة أخري علي امتداد العالم. كذلك حصلت نوال السعداوي علي جوائز أدبية مرموقة وشهادات دكتوراه فخرية متعددة من جامعات عالمية، كما دعيت مرات عدة من هذه الجامعات وغيرها كأستاذ زائرلتحاضر الطلبة حول قضايا الأدب والدراسات النسوية.
تلك صورة جانبية مختزلة لكاتبة ومفكرة وناشطة نسوية تعرفها الأجيال المخضرمة، وتدرك أثرها في واقعنا الأدبي والثقافي والاجتماعي بما لا يمكن إنكاره. فلم تتوقف نوال السعداوي علي امتداد عقود عن مساءلة الذات والواقع في مواجهة آليات القهر والتهميش التي تحكم النظرة إلي المرأة في مجتمعاتنا، كذلك لم تكف عن مساءلة جوانب مشوَّهة من الموروث الثقافي والتاريخي الذي يغذي هذه النظرة، والذي تربت عليه الكاتبة، وتربي عليه غيرها من الرجال والنساء عبر أجيال، بينما لم يمتلك غير القلة منهم جسارة المساءلة الجذرية للأسباب التاريخية التي شكلت المجتمع، وفرضت قيودا تحول دون التحقق الإنساني الكامل للمرأة.
وعلي الرغم من المصاعب والعقبات والمخاطر والملاحقة التي تعرضت لها السعداوي خلال مراحل متتالية من تجربتها الأدبية والعملية كناشطة في مجال العمل الميداني العام الذي يحمل رسالة ثقافية واجتماعية تنويرية، فإنها واصلت انشغالها بالقضايا التي كرست حياتها لخدمتها إبداعا وكتابة حرة ومشاركة في محافل دولية. إنها في كل الأحوال كاتبة وناشطة في العقد الثامن من عمرها ما تزال تكافح منذ عقود لنصرة هذه القضايا،علي الرغم من أنها تدرك - كما يدرك غيرها - الطبيعة الجدلية والإشكالية لتلك القضايا المثيرة لردود أفعال حادة ومتطرفة في بعض الأحيان.
> > >
ربما أيضا لم يتسن للأجيال الشابة الفرصة الكافية للاطلاع علي أعمالها وأفكارها في مناخ صحي، بدون مؤثرات مسبقة صاخبة علي الجانبين:الرافض المصدوم من جسارة الطرح وجذريته واستفزازه أحيانا، والمتحمس المفتون أحيانا أخري بالنموذج الاستثنائي للمرأة العربية التي تستطيع مجاوزة الخطوط المرسومة، والوصول بصوتها المسموع إلي آفاق عالمية.
تلك الصورة الجانبية مدخل أو مقدمة للحديث عن كتاب ضخم الحجم ( 461 صفحة من القطع الكبير) وهو أيضا كتاب عظيم القيمة،صدر حديثا عن المركز القومي للترجمة ( 2017) بعنوان:  اقراءات في أعمال نوال السعداوي»‬، تحرير إرنست إيمنيونو، رئيس قسم الدراسات الأفريقية في جامعة ميتشجان- فلنت، ومورين إيك،أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة سنترال ميتشجان. الكتاب ترجمة سها السباعي عن الإنجليزية، وقد بذلت المترجمة جهدا خارقا لتأتي الترجمة سلسة ودقيقة - عدا هنات طباعية قليلة - وذلك إلي جانب التوثيق العلمي للمراجع، وإضافة معلومات قيمة للتعريف بالأسماء الكثيرة الواردة في المتن لكتاب وباحثين أفارقة غير معروفين علي نطاق واسع، بما يعد إضافة لا غني عنها ليكتمل للنصوص المترجمة فائدتها المعلوماتية، كما تساعد في إضاءة أعمال السعداوي من خلال المناظير المختلفة التي تناولت هذه الأعمال.
يتكون الكتاب من عشرين فصلا تمثل دراسات حول أعمال نوال السعداوي الأدبية والفكرية بأقلام أساتذة متخصصين في الأدب الأفريقي والدراسات الأفريقية في الجامعات الأمريكية والأوروبية أو يعملون في جامعات بلادهم علي امتداد خارطة القارة.
الجدير بالذكر هنا أن هذه الدراسات هي المحصلة النهائية لمشروع أطلقته جامعة ميتشجان الأمريكية بالتعاون مع مكتبة فلنت العامة بعنوان »الزيارة السنوية لمشاهير الكتاب الأفارقة» حيث تم استضافة قامات أدبية أفريقية كبيرة مثل الكاتب النيجيري وول سوينكا، الحائز علي جائزة نوبل للآداب في 1986، وقدمت دعوة لتشينوا أتشيبي، ونجوجي وا ثيونجو وغيرهم، وكان من بين هؤلاء نوال السعداوي التي استضافتها الجامعة في دورة البرنامج لعام 2007.
المهم في هذا المشروع أنه موجه للطلبة قبل مرحلة الالتحاق بالجامعة، وقبل تضمين أعمال روائية أفريقية باعتبارها نصوصا دراسية مقررة، بينما يلتقي الطلبة بالكتاب المدعوين في نقاشات مفتوحة، دعما للعملية التعليمية لدراسة الأدب الأفريقي من جانب، ولتكون هذه التجربة الحية من جانب آخر حافزا للطلبة علي فهم النصوص بصورة أفضل. وهنا لا بد أن يثار السؤال حول أنشطة مشابهة تتبناها العملية التعليمية في بلادنا قبل الجامعة، وأثناء الدراسة بها، وبعدها أيضا، والإجابة سلبية للأسف، ولعل هناك استجابة لمن ينادي، ولو بعد حين.
ترجع أهمية الكتاب إلي البانوراما المتسعة التي يقدمها للتيارات الأدبية الأفريقية التي تركز علي قضايا المجتمع ومن بينها قضايا الجنوسة، فيما تتم قراءة أعمال نوال السعداوي من خلال وجهات نظر متجردة من النظرة المتحاملة التي نجدها في سياقنا أحيانا، والمتحمسة أحيانا أخري، كما تبتعد القراءات عن الثنائية الضدية إما مع أو ضد التي كثيرا ما تواجهنا إزاء الآراء المتعارضة المتعلقة بفكر ما أو موقف أو انتماء أيديولوجي محدد.
> > >
الدراسات المقدمة هنا تأتي من خلال اجتهادمجموعة من العلماء المتخصصين في الشأن الأفريقي بجوانبه التاريخية والثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية. إنها قراءات تقدم من وجهة نظر الآخر الشبيه والنظير والقريب من حيث الموقع الجغرافي، والتاريخ الاستعماري المشترك الذي تعرضت له قارتنا الأفريقية، وترك بصماته علي حياتنا. والقارئ هنا هو أيضا الخبير المتخصص في دراسة الأدب الذي لا شأن له بالجدل الذي عادة ما تثيره الآراء الخلافية المتمردة علي الساكن والراكد، ولا بد أنه يعرف بحكم تخصصه أن الثنائيات الضدية الحادة قد انتهي زمانها منذ وقت مضي، وأننا الآن أمام نصوص تقتضي التركيز النقدي علي فعل الكتابة نفسها، ومدي توظيف هذا الفعل في جلاء القضايا التي يطرحها النص، دون أن ينصب الاهتمام علي ماهية تلك القضايا وجدليَّتها.  
من بين أهم أعمال نوال السعداوي لفتا لنظر الباحثين روايات »‬امرأة عند نقطة الصفر» و »‬امرأتان في امرأة» و»‬الأغنية الدائرية». ففي الرواية الأولي يتم السرد من خلال الشخصية الأساسية فردوس، السجينة التي تنتظر حكم الإعدام لأنها قتلت الرجل الذي جردها من إنسانيتها.  وتركز إحدي الدراسات بقلم إيرين سالامي، وهي كاتبة مسرحية وأستاذ فنون المسرح بجامعة جوس بنيجيريا، علي الرؤية الجمالية التي تنعكس في الرواية فيما يتعلق بالنزعة البطريركية، والاستراتيجيات التي يوظفها حاملو هذا الفكر ليكونوا في موقع يمكنهم من قمع النساء. وتري الباحثة أن نوال السعداوي تنخرط بمهارة في تفكيك جذري للشفرات الذكورية التي تتخفي في الخطاب الثقافي وراء أقنعة متعددة، كما تري جوليانا أبينيي، أستاذ الأدب المقارن بجامعة نورث كارولينا، أن السعداوي »‬تقاوم بالكتابة» وهي في تمردها علي المركز إنما تتمرد أيضا علي التقاليد التي تجبر النساء علي قبول أوضاع الحياة كما يقدمها لهن المجتمع.  أما فردوس البطلة الإشكالية في الرواية، فإنها تمر بتجارب حياتية طاحنة بينما تواصل نضالها في سبيل معرفة ذاتها وتحقيق كرامتها الإنسانية، علي الرغم من وضعها المتدني في أسفل السلم الاجتماعي.
من ناحية أخري يعقد إرنست إيمينيونو، محرر الكتاب، مقارنة بين رواية ا امرأة عند نقطة الصفرب لنوال السعداوي، وبالوليدة الميتة»،رواية زينب الكالي، الكاتبة النيجيرية التي نالت اعترافا دوليا بمكانتها الأدبية وبأعمالها الروائية، فضلا عن مسارها المهني المرموق في مجال الإدارة العليا في الجامعة، كما يتناول الباحث تأثير الكاتبتين علي الأدب النسوي الأفريقي المعاصر وعلي دراسته. في رواية السعداوي يلاحظ الباحث وجود صوتين سرديين مختلفين، يمثل أولهما قناع الكاتبة، ويمثل الثاني البطلة الروائية فردوس. وبينما ينساب الحكي بتدفق وسلاسة حين يُروي علي لسان البطلة، مستثيرا التعاطف والشفقة، فإن نبرة السرد وإيقاعه يتغيران حينما يطغي صوت المؤلفة لفرض تفسيراتها الأيديولوجية والسيكلوجية بما يحمل نوعا من البصيرة الفلسفية لوعي امرأة مثقفة وطبيبة نفسية، هي الكاتبة الضمنية،وذلك علي نحو يختلف بالضرورة عن وعي المرأة البسيطة التي تمثلها الشخصية الروائية.من جانب آخر جاء تصوير الشخصية الروائية علي أنها امرأة قوية لا يقهرها الخوف- حتي في لحظات انتظار تنفيذ حكم الإعدام- نوعا من المثالية الغالبة التي قد تكون مضرة للنساء اللاتي يسعين لتحقيق صورة إنسانية متوازنة، يكون في مقدورهن التطلع إليها.
> > >
وفي دراسة أخري مقارنة بين أعمال مسرحية لكاتبات من غانا وكينيا ومصر تبرز قضايا المساواة بوصفها قضايا محورية للتقدم في مجتمعاتهن، كما أن النصوص الثلاثة تحمل رسالة اجتماعية ــ سياسية قوية،وتحديا هائلا لأنه يتطلب إصلاحا جذريا للمجتمعات الأفريقية الثلاثة قيد البحث والاستلهام في الأعمال المسرحية. وعلي حين تركز المسرحيتان الأولي والثانية علي أوضاع غانا وكينيا في فترة ما بعد الاستعمار بهدف إعادة بناء المجتمع،وتعظيم قيمة ثقافة السكان الأصليين، فإن السعداوي تعود إلي التراث الفرعوني في مسرحيتها »‬إيزيس» لتقدم الربة المصرية القديمة كنموذج لتركيبة نادرة من الأنوثة والقوة الجسورة. كذلك تذهب ريهاب باجنول، أستاذ تاريخ الفن بجامعة جورجيا، في دراستها بعنوانبتأويل إيزيس في عصر العولمةب إلي أن أجندة السعداوي النسوية تدخلت في بناء الشخصية المسرحية بعناية لاستعادة الدور المهم للقوة الأنثوية، بينما تتماهي الكاتبة مع ما تمثله الشخصية الأسطورية الفرعونية بشكل واضح في سيرتها الذاتية الصادرة باللغة العربية بعنوانب أوراقي حياتي»، أما الترجمة الإنجليزية فصدرت عام 1999 بعنوان »‬ابنة إيزيس».
لقد تناولت الفصول المتتابعة لهذه الأنطولوجيا ( مقتطفات أدبية مختارة) لأعمال نوال السعداوي جوانب مختلفة من إنتاج الكاتبة والمفكرة والناشطة المعروفة، كما طرح الباحثون رؤاهم من زوايا نظر متعددة تري العالم بعيون أفريقية. أما الغرض الأساسي لصدور الكتاب في طبعته الإنجليزية علي نحو ما يذكر المحرر، فهو تقديم نوال السعداوي لدوائر واسعة من شباب الدارسين والمعلمين والقراء العاديين في مختلف بلاد العالم، وهاهو الكتاب المترجم الذي بين أيدينا يزيد هذه الدوائر اتساعا ليحتل تاريخ الكاتبة مكانه ومكانته في واقعنا الأدبي العربي وذاكرتنا الثقافية.