رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

التحفة الوفائية: حاجتنا إلي معجم للعامية المصرية


أحمد سراج
8/5/2017 1:42:05 PM


يجد المتابع للحياة الثقافية اهتمامًا متزايدًا من المعجميين المتخصصين وغير المتخصصين، علي حد سواء بالعامية المصرية، ومحاولة تدوينها، وإن برز اهتمام غير المتخصصين والمحاولات الفردية للمتخصصين لأسباب يأتي في أولها،جمود المجمع اللغوي المصري، وموقفه الصارم ضد العامية، ناهيك عن استئثار  طائفة متشددة من الدرعميين علي رأسهم محمد حماسة رحمه الله، وحسن الشافعي، وهما من أجلاء الأساتذة لكن رفضهم ــ وليسوا وحدهم في هذا، فما زال شعر العامية لا يدرس في جامعاتنا المصرية ــ وإن دُرس فيكون ضمن الأدب الشعبي للعامية المصرية جعل محاولة عمل معجم يخصها من خلال المجمع يخصها من باب المحال.. أضف إلي ذلك أن غالبية من ينظرون للعامية يرونها للشفاهية لا للتدوين؛ إما لاستعصائها أو لدونيتها، وهذا ما يجعلنا نري أن معظم الكتب ــ لا المعاجم فحسب ــ في هذا الاتجاه تأتي من خارج المجمع، وإن قام ببعضها أكاديميون متخصصون.
ولعلنا لم نعرف من أعضاء المجمع من كتب كتابا خاصًّا في العامية المصرية غير شوقي ضيف -أمين مجمع اللغة العربية -  رحمه الله، وهو كتاب "تحريفات العامية للفصحي في القواعد والبنيات والحروف "1994، دار المعارف. وبقراءة مقدمة الكتاب نكتشف أن ضيف يهدف من كتابه إلي بيان  تحريفات العامية ويعتقد أن العامة إن عرفوا هذه التحريفات تراجعوا عنها وأمسكوا بالطريق القويم! وهو في هذا متبع لأساتذته الذين عني بذكر بعضهم وذكر مؤلفاتهم في قرابة صفحتين من المقدمة، واعتذر عن عدم قدرته علي الإحاطة بأسمائهم وأسماء مؤلفاتهم؛ فيبدأ بالكسائي وكتابه: "ما تلحن به العوام"  ويبدو من قراءة أستاذنا ضيف أن الرجل كان يريد ردَّ الهوامل إلي المرعي الأصلي (الفصحي)، دون أن يعبأ بأن للعامية مصادر غير الفصحي، فكما سعت الفصحي لاستيعاب المعاني الجديدة عبر استيراد كلمات أجنبية، ومحاولة تطويعها لتناسب الاشتقاق وقواعد العربية حينا، وأخذته كما هو حينا، أسرعت العامية بتلقف هذا (الأجنبي) وإن كان غاية المتلقف حينها هو أن يكون اللفظ كما ينطقه (الخواجة) وتأتي مسألة الاشتقاق غير مأبوه بها.
وقريب من فكرة ضيف سعي صاحب هذا الكلام: بإن بين العامية والفصحي ستارًا موهومًا علينا أن نجلو غشاوته عن العيون، وليس من خير الفصحي أن يقوم بينها وبين العامية هذه العزلة الموحشة فنحن نقتبس من اللغات الأجنبية كلمات مُعرَّبة، ونترجم منها تعبيرات لها دلالة، وفاء بحاجات الحياة العصرية، وإغناء للبيان العربي بالطيِّب من ثمرات اللغات، فما أحرانا أن نفتح الباب علي مصراعيه لكلماتنا تضخم ميادين الكتابة والتدوين، وما هذه الكلمات في حقيقتها إلا مصنوعات وطنية نُسجت من خيوط عربية وصقلتها ألسن عربية، وأصبحت لنا بها ألفة وأنْس، وهي لغة الحديث والخطاب لخاصتنا كما أنها لغة حديث الجماهير- عبدالمنعم سيد عبدالعال - معجم الألفاظ العامية ذات الحقيقة والأصول العربية، مكتبة الخانجي، 1972.الحق أن جهدًا موفورًا بذله صاحب هذا الكلام القيم، بدأه بالحديث عن العامية وقيمتها في إثراء الفصحي، وعن أن هذا الهجوم غير مبرر وشديد الافتعال، ثم تحدث في قسم خاص عنونه بـ "لغويات" عن بعض القواعد الصرفية والنحوية ومنها الإعلال والأبدال، وهي قواعد تتوسع العامية في استثمارها فتخرج الكلمة كأنها خلق جديدٌ لكن بقليل جهد وكثير علم وطول دربة ينجلي الأمر.
ويتفق عبدالعال وضيف علي أن أصول العامية المصرية هي الفصحي، ويختلفان في أن ضيف ذهب إلي صياغة قواعد عامة، فيما تتبع عبدالعال الكلمات وبوبها صانعًا منها معجمًا فريدًا، ويتفقان في جناية الزمان علي كتبهما؛ فكأن لم يكن بين الحجون والصفا أنيس، وقلما تجد ذاكرًا لكتاب ضيف أو لسفر عبدالعال.
(1) القبض علي الجمر

الحق أن طفرة نوعية في الكتب المعنية بالعامية المصرية، يأتي في ذروتها كتابان حققهما هشام عبدالعزيز، يسير الأول علي منهج ضيف وعبدالعال والكسائي، وهو "المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب لابن أبي السرور البكري. وقد أشار له ضيف في مقدمته. أما الكتاب الثاني فهو معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية" تأليف وفا أفندي محمد القوني، وقد صدر الكتاب محققًا عن مكتبة الإسكندرية، ولعلها تضطلع بما سأوصي به نهاية هذا المقال.
إن لي دوافع محددة تجعلني أعرض التحفة الوفائية، أولا يتمثل في منهج الكاتب، الذي يبدو أن أهم سماته هو كتابة الكلمة كما تنطق بالعامية، دون ردها للفصحي، ثم الإتيان بمعناها من خلال استخدام الناس، وليس بالرجوع إلي المعاجم العربية فقط كما فعل سابقوه، والثاني هو حداثة صدور الكتاب، أما الثالث فسيبينه عرض المقال وتوصيته.

(2) اقتراب من النص:

"معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية" تأليف وفا أفندي القوني، بتحقيق هشام عبدالعزيز عن مكتبة الإسكندرية، يقع في خمسمائة صفحة،يحتوي علي تقديم الناشر، فمقدمة المحقق، فما سماه بالنص، فالكشافات، فالأشكال الواردة في المعجم، فأهم المصادر والمراجع التي أعانت التحقيق.
أما مقدمة المحقق فهي حاوية لـتقديم، فتعريف بالمؤلف، فوصف مادي للنسخ الخطية، فنماذج من النسخ الخطية، فمنهج التحقيق. ويتحدث التقديم عن علاقة المحقق بالعامية المصرية كيف بدأت وتطورت، وكيف أن خطي رُسمت له ليصل إلي هذا الكتاب، وأنه في كل خطوة كان يكتشف ما يدفعه للإكمال والتطوير والتجويد.
حوي النص 521 مادة، والمادة هنا أي الكلمة الأصلية التي سيقوم المؤلف بشرح معانيها، ويذكر أن المعجم العربي نظرا لكون الكلمة يعرض لها من التغييرات بالحذف والزيادة الكثيرة؛ فإن مادته تكون الأصل، وقد ترك المعجميون خلاف النحويين هل أصل الكلمة هو الفعل الماضي أم المصدر، وانحازوا إلي كون الفعل هو الأصل، وعلي ذلك فالبحث يكون عن ثلاثة أحرف، فمثلا إن شئنا البحث عن كلمة رردناها إلي ثلاثة أحرف فمثلا كلمة الاحترام نكشف عنها في مادة (حرم) أو (باب الحاء، فصل الراء، ثم الميم) أما إن كان في الاحرف الثلاثة ألف رُدَّت إلي أصلها أي الواو أو الياء، فاستقام مادتها (قوم) واستقال مادتها (قيل). لكن معاجم العامية.

(3) بين النص والتحقيق:

يفرد عبدالعزيز عددا من الصفحات ليبين فيها منهج الكاتب مع إيراد ملاحظاته، ثم ليبين كيفية تعامله مع هذه الملاحظات، مذكرنا بمنهج أستاذه نصر حامد أبي زيد الذي طالما اعتمد علي المنطلقات، ثم الآليات، ورغم أن هناك ملاحظات كان عبدالعزيز قادرًا علي تعديلها فإنه التزم بالنص إلا من تصويب خطأ بين لا يحتمل.
يبدأ المعجم من حرف الهمزة وينتهي عند آخر حرف الشين. ولم يكمل المؤلف معجمه. (لم يحاول المؤلف إكمال المعجم لأن هذا ليس من مهامه التي وضحها) يتكون المعجم من 521 مادة رتبها المؤلف ترتيبًا ألفبائيًا حسب نطقها علي ألسنة العامة. ولكن هذا الترتيب اضطرب في بعض الأماكن فلم يكن متسقًا طبقًا لرؤية المؤلف دائمًا. هذا بالإضافة إلي أن كل حرف الهمزة تقريبا كانت مواده عبارة عن أفعال مضارعة، وكذلك حرف التاء. (لم يحاول المحقق إعادة الترتيب ورأب هذا الصدع الذي ستظهر له مشكلات عدة منها تداخل المواد، كما جري في أرم/ مادة 30 إذ عاد بالكلمة إلي الفعل المضعف الثلاثي (رم) ثم نظرًا لطريقة الكاتب في الاستدعاء قم بإضافة (الأرمة) وفعلها الأقرب (قرم) وكان أمام المؤلف خياران؛ الأول هو ربط (أرم) بما تحتها وليس الدخول هكذا مباشرة: زرم الشيء: أصلحه، فـــــــارم القميصب رقعه... إلخ. وهذا أصلا ضد منهجه كما نري في شرح السوابق مثل أبخ| 4 واللواحق مثل أزح| 32. فقد التزم بيان أن هذا مضارع ومعناه كذا أو ماضيه كذا.
كما يلمح المحقق أن  مواد المعجم لم يلتزم المؤلف فيها بتجريد اللفظ إلي الماضي، فقد أورد مواد علي صيغة الماضي، وأخري بالمضارع، وأحيانًا أسماء (زعبوط/ مادة 363)، أو صفات (مسمسم/ 435) وإن كانت أقل. (وهنا نلمح أيضًا التزام المحقق بمنهج المؤلف)
لاحظ المحقق أيضًا أنه لم ترد في المعجم مواد في حرف الهمزة علي صيغة الماضي إلا بعض الأفعال والصفات التي استدركها المؤلف بعد حرف الباء من أنه كان قد نسيها، وهي بترتيب ورودها في المخطوط: (أَرْأَرْ - أَزْأَزْ - أَدِّدْ - أَزِّزْ - أَسِّسْ - أَشَّطْ - أَشِّلْ - أَطَبْ - أَصْأصْ - أَفْأَفْ - بَزْبِزْ - بَرْبَرْ - بَسْبِسْ - بَشْبِشْ - بَرْبِشْبِهْبِيْتِي)وهنا كان المحقق أمام خيارين؛ الأول أن يرد كل مادة إلي مكانها، أو أن يتركها ذ وهو المختار ذ في مكانها، وقد علل المحقق هذا بأنه التزم بالنسخة الخطية وأن التعديل لم يكن ليقدم الكثير في ظل عدم التزام المؤلف بطرق المعاجم المعروفة.
إن أهم ميزة وضع يده المحقق عليها هي كون المعجم مادة موسوعية لزمانه فيقول: "اهتم المؤلف في رصده لدلالة اللفظ ودورانها في كلام العامة، بذكر أكبر قدر ممكن من الأمثال والتعبيرات الشعبية والأقوال التي ترد فيها اللفظة، بالإضافة إلي ذكر أكبر قدر ممكن من العادات والمعتقدات الشعبية التي تتصل باللفظة موضوع المادة. ويكفي أن نذكر هنا من واقع كشافات المعجم أن المؤلف أورد في مواد معجمه 114 مثلاً، و3200 من التعبيرات والأقوال. كما شرح باستفاضة 101 عادة ومعتقد شعبي. وهو ما جعل المعجم، رغم قلة عدد مواده (521 مادة) يكاد يكون كنزًا ثقافيًا كاشفًا عن جانب من الجوانب المهمة والخفية للمجتمع المصري في القرن التاسع عشر" .
(4) كيف عمل المحقق إذن؟

"تحددت طبيعة التعاطي مع هذا المخطوط طبقًا لحالته" هكذا يستهل عبدالعزيز كلامه، ويحدد ما فعله الذي بدا بنسخ النص، واتباع  طريقة المؤلف في ضبط النص بالحركات مطابقًا للنطق بالعامية، وهو زما لم تكن لدي المحقق مندوحة من اعتمادهسوقام المحقق بتخريج الآيات والأحاديث والأشعار والأعلام التي وردت في النص، وقام بالاعتماد علي معاجم اللغة ومجموعة من كتب الرجال الأساسية، مثل السان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروزآبادي، والمعجم الوسيط، وكتاب الأعلام للزركلي وغيرها، هذا بالإضافة إلي أن الرجوع لبعض مواقع شبكة المعلومات الدولية كان بالأساس لمواقع رسمية معتمدة مثل مواقع المؤسسات الإدارية مثل مواقع المحافظات عند التعريف بقرية أو محافظة.
ومما أضافه المحقق للكتاب وأعطاه ثراء بالغًا هو عمل مجموعة من الكشافات، وقد ربطت هذه الكشافات بالمواد، وجعلها مقصورة علي: "الكشافات علي مواد المعجم فقط، والتقديم القصير الذي أورده المؤلف قبل مواد المعجم وكذلك التقديم القصير الذي أورده قبل حرف الجيم. وقد بلغت هذه الكشافات خمسة وثلاثين كشافًا. بدأت بكشافات الآيات القرآنية وانتهت بكشاف مواد المعجم مرتبة ألفبائيًّا، ويلحظ أن المحقق التزم بما أورده المؤلف من تصنبف مع بيان خطأ هذا الخطأ في الهامش، مثل ذلك، ما أورده المؤلف في مادة داري| 258، فقد أورد المؤلف أن: "أحبب حببك هونا ماس هو قول للرسول، وهو ما بين المحقق غلطه، وأنه قول للإمام علي كرم الله وجهه. ومع هذا لم يتدخل في المتن، كما أضافه في كشاف الأحاديث وليس في كشاف الحكم والأقوال المأثورة.
ومن شدة حرص المحقق علي جهد المؤلف احتفظ برسوماته: "وردت بالمخطوط في الجزء الأول مجموعة رسوم توضيحية رسمها المؤلف بخط يده، لمجموعة من الآنية وأدوات الزراعة، قام المحقق بسحبها بالاسكنر، وتوضيبها دون المساس بطبيعتها ولا بحدودها كما رسمها المؤلف، وأعطي كل شكل رقمًا وربط هذا الرقم بمكانه في المتن. وقد أوردت هذه الأشكال في نهاية المعجم.
ولا يفوتنا أن المحقق استبعد مقدمة التحفة المنشورة سابقا لأنه رآها مضرة بالمعجم الفريد: "لكن طبيعة مادة مقدمة التحفة بما فيها من كثرة النقول من كتب التراث، خاصة »مقدمة ابن خلدون»‬، وكتاب »‬صبح الأعشي»، وكتاب »‬ضوء الصبح المسفر» للقلقشندي، وهي نقول تجاوزت نحو ثلاثة أرباع »‬مقدمة التحفة»، كل ذلك أثناني عن ضم مقدمة التحفة إلي المعجم، علي الرغم من أنني انتهيت تماما من تحقيقها، وكنت كلما تقدمت في التحقيق يزيد يقيني بعدم جدوي نشرها، خاصة إذا ما قورنت بما يحتوي عليه المعجم من مادة شعبية، لم يرصدها من قبل باحث، فيما يتصل بدلالات الألفاظ ولا بنطقها، ولا بعادات المصريين ومعتقداتهم.

(5) مع المعجم

أزعم أن الكتاب الذي بين أيدينا يضاف إلي جهد المجتهدين المحبين علي اختلاف منطلقاتهم وآلياتهم ومشاربهم؛ ويبدو للمعاين أن للرجل منهجًا جديرًا بالعناية ذاك أنه ذ في مدي علمي ذ أول من اهتم بتفسير معني الكلمة بما يقوله الشارع، وأن له جهدًا حقيقًيا بالاعتبار؛ فكما أوضح المحقق أننا أمام أمة من المعارف والأمثال توضح معرفة أهل قرنه، ويبدو أن الرجل كان رقما في مجاله، وقد قدم لنا في 521 مادة زادًا وفيرًا، ومرآة معبرة عن زمانه، وسأجلي بعض هذا من خلال المقارنة بين طريقتين؛
الأولي هي: أتاري فلان: نقول في دارجتنا: ظنيت أن فلانا هو المتهم، وأتاري بريء، أي والخبر الصحيح أنه بريء وتقول: تأخر فلان، ولما يحثنا عنه أتاريه كان مشغولا بالعمل: أي تأخر وحقيقة الأمر أنه كان مشغولا، والأصل أتاري وأبدلت الثاء تاء، ففي القاموس: الأثر: الخبر، وآثار أخبار، وأثِرَ يفعل كذا كفرح، وعلي الأمر عزم له، وتفرغ.
والثانية:أَبَّ: يقولون: أب الشيء يأب، فهو آبب، يعني: طفا علي وجه الماء، همزته تبدل بقاف، وبحرف (g)، كما سبق بيانه، ففيها الاستعمالات الثلاثة.
ويسمون الماء: ميَّه، والميه.
ويقولون: "أب علي وِش الميّه". يعني: طفا علي وجه الماء.
ويقولون: "رغيف آببْ»، يعني: مفشفش، ومن معناها: عيش آبب. والعيش - بعين بين الفتح وكسر - وهو الخبز. ومن أمثالهم: "فلان ما يطمرشي فيه عَيش»، يعني أنه ينكر الجميل ويقابل الإحسان بالإساءة.
وكلمة يطمر هي محرفة عن يثمر، وإذا فعل أحدهم معروفًا لآخر، قال الفاعل: »‬إنشا الَّلا يطْمَرْ»، يحذره من نكران الجميل.وكلمة »‬الَّلا» يعني بها: الله.
النموذج الأول من كتاب معجم الألفاظ العامية ذات الحقيقة والأصول العربية، والثاني من الكتاب محل العرض، ويمكن للقارئ الكريم أن يجد البون الشاسع بين الكتابين؛ فالأول يذكر التعبير العامي وينعته (بالدارجة) ثم يسرع إلي القاموس ليذكر الكلمة التي توصل بجهده المشكور إلي أن العامية استقتها منها، أما الثاني فهو يتتبع الكلمة في الشارع اليومي مستخرجًا معانيها ودلالاتها المتجددة، ثم لا يكتفي بهذا بل يتتبع معاني الكلمات الواردة في الجمل والأمثال المذكورة، ومن هنا فلدينا في الأول كلمة نبحث عن أصلها القديمة (ماضي استخدامها) ولدينا في الثاني كلمة تمشي علي الأرض، ونحن نستطيع أن نلمس معانيها وأشكالها، والحق أن كلا المنهجين صائب، وإن كان في الوفائية كما في الخمر ــ علي قول سيدنا المتنبي ــ معني ليس في العنب.
نحن إذن أمام معجم تداولي سياقي معاصر (لأهل زمنه) موسوعي من ناحية الفكرة، يعوزه ذلك من ناحية التطبيق.. كيف؟
(6) وقفة علي درجة وفا

لا يني المرء يحمد كل جديد، راجيا التم، لاهجا بقول المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبا.. كنقص القادرين علي التمام
وقد وضع مؤلف الكتاب يده علي جزء من سبب العيب، ووضع المحقق يده علي الجزء الثاني، ولنا أن نلفت النظر إلي الثالث، لعلنا نخرج بمعجم وافٍ، أما المؤلف فقال: "هذا العمل يستدعي فراغًا تامًا وزمنًا طويلاً"  أما المحقق فقد كشف عن موت الرجل بعد إيداعه هذه النسخة المخطوطة في دار الكتب المصرية.. لكن أين النقص؟
1 - أن مواد المعجم (المجموعة) آخرها حرف الشين وهذا يعني أن قرابة ثلثي حروف المعجم لم تجمع.
2 - أن هناك مستدركات وضعها الكاتب لأحرف الهمزة والباء قبل حرف التاء في باب منفصل، ولو كان لديه الجهد لوضعها في أماكنها.
3 - في مادة أبك| 7 فجأة يرد الحديث عن الأطر،ويأخذ الحديث عنها ضعف المادة الأصلية تقريبا دون أن تكون هناك صلة بين هذه الكلمة والمادة الأصلية، وكان من الأولي وضعها في مادة أطر: 50.
4 -عدم ثبات المؤلف علي طريقة واحدة لإيراد مواده؛ فحينا يذكر الماضي وحينا المضارع وحينًا الاسم.
5 - طرطور زنة زعبوط مع ذلك أورد المؤلف الثانية في مادة وحدها، وأدرج الأولي ضمن مادة تتضمن أكثر من معني.
6 - أن طريقة شرح المواد متباينة؛ فبين وصف المادة المذكورة حينا، وبين الذهاب إلي أصلها الفصيح حينا.
7 - عدم التناسق في شرح المواد فعلي حين توجد آيات وأحاديث وأمثال في مواضع، لا توجد في مواضع كثيرة مع وفرتها، وتمام يقيننا أنه لا يفوت رجل هذه خبرته ومكنته معرفتها.
8 - اقتصاد المؤلف في شرح بعض المواد وعدم تتبع معانيها مع كثرتها ويمكن إيضاح ذلك من خلال هذا النموذج: (تَقَّلْ| 138: يتَقَّلْ تَتْقِيلْ، أي: ثَقَّل.. إلخ. والثاء قلبت تَاءً.وهم يستعملون التثقيل في غير معناه الحقيقي، فيستعملونه في الضجر والملال، فيقولون: »‬فلان تَقَّلْ علي فلان»، وذلك إذا أضْجَرهُ وأمَلَّه.و»‬فلان بِيِتَّقَّلْ من فلان»، أي يمل منه ويظهر الضجر. و»‬فلان عَنْدُو تَقَالِهْ»، أي رذالِهْ.
والكاتب هنا ينفي الصلة بين الثقل بمعناه المعجمي الفصيح، وبين المستخدم - علمًا بأن المقارنة  ليست من منهجه العام - لكن الصلة بينها واضحة؛ فتقل الدم تؤدي إلي ضجر الناس من صاحبها، والتقل لا يستخدم فقط في كتابات هذا الزمن وأحاديثه علي الدم بل هناك مرض يتعلق بالمعدة يسمي "التقل" وهناك ما تفعله المرأة لتعرف قيمتها ومنه: زالتقل صنعةس

(7) بداية
ما قر في يقيني ــ ولعله خطأ ــ أننا أمام مسودة معجم فريد ناقص، وهذا النقص لا يكتمل بأن يكمل أحدنا ما بعد الشين، لكن بأن يقوم فريق كامل وفق رؤية محددة، ومنهجٍ واضح بإصدار معجم للعامية المصرية مستفيدًا من الكتب السابقة ومعتمدًا علي طريقة هذا الكتاب، مستأنسًا بالتجربة الفرنسية التي تقوم بضم الكلمات العامية بشكل مستمر إلي معاجمها، ولما كان الأمر طموحًا؛ فليكن مدي، أي ما المانع أن يكون لدينا معجم مفتوح المصدر علي الإنترنت، يضيف له المعنيون من كل صوب، ويقوم فريق عمل بتنقيح ما يرد، عبر الإمكانيات التي يتيحها الوسيط الإلكتروني.
لا يخلو عمل بشري من المحاولة والنقص، أما المحاولة فهي شرط الإبداع، أما النقص فهو آفة البشر وسبب استمرارهم علي الأرض في آن؛ فلولا عجز السابق لما كنا بحاجة لجهد اللاحق، ولطالما جهد المرء نفسه وبذل قصاراه حتي ظن أنه أتم، والحق أنه كفي ووفي ولكن بجهده ومعرفة زمانه، أما وقد تعاقب الحدثان؛ فمع كل طلة شمس جديد.
ما لدي أن هشام عبدالعزيز بذل جهدًا مضنيًا، بعلم وأناة ويقين، وأن وفا محمد القوني راد أرضًا مجهولة قد بذل قصاراه في هذا المؤلف، وها نحن أمام تحفة فريدة؛ معجمًا وموسوعة، ومرآة علي حد سواء..أمام سفرٍ تضعنا المباهاة به إلي مسئولية تجاه لغتنا بمستوييها؛ الفصحي والعامية،   وتجاه ثقافتنا وتاريخنا وحياتنا نحن وحياة أهلينا وهذه جميعا محمولة في وعاء اللغة العامية بقدر لا ينكره الجاحد، وتجاه هذا الجهد وتلك الريادة..
إضاءة

إذن فنحن بحاجة إلي معجم للعامية المصرية وهذا مشروع لا يستهان به، ولا يستهان فيه؛ فالعامية المصرية أشبه بمدينة تجتمع فيها اللغات والأفكار وثقافات الشعوب، وأذكر أن الدكتور سليمان العطار أخبرني أن معرفة المصريين بدون كيشوت جاءت من الإيطاليين ذ وهم أول من ترجمها ذ وكان عوامهم ينادون كل صاحب مبادئ مع استحالة تحقيقها بدون كيشوت؛ وهذه كلمة واحدة جاءت بحوار بين ثلاث لغات، وثلاث ثقافات، واختلف مدلولها في كل، والأمثلة أكثر من ان تحصي للتدليل علي أن الاستعمال التداولي لكلمة قد يأتي بدلالات لم تكن في الاستعمال المعجمي، وعلي أن الكلمات العابرة بين الشعوب تحمل من هذا وذاك، لكن ما يعنينا هنا هو أن العامية بحكم أنها تقبل دون حاجة إلي (حرس بوابة) معجميين أو غيرهم؛ فهي حاملة للثقافة في أوضح صورها، وأننا إن قمنا بجمع هذه الكلمات ومعانيها المختلفة وتطورات استخدامها لوجدنا أمامنا كنزا ثقافيًّا لا لغويّا فحسب؛ فما اللغة إلا صورة الفكر، وما اللفظ إلا صورة لماثل خارجي وتصور ذهني لمعني من المعاني.
ولعل دعوة كهذه تجد صداها؛ فيتكون ذلك الفريق وتهيأ له الإمكانيات اللازمة؛ فيعمل متخصصون ومحبون بصبر وإخلاص، في ضوء منهج محدد، وما أظن تأخر الوقت يعني فوات الأوان، وإن كان يعني ثقل المهمة وزيادة صعوبتها.


تعليقات القرّاء