رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

خـوسيه لـويـس سامبيدرو..الحر..الملتزم بالجماليات


اللوحات للفنان :Paplo Picasso
8/12/2017 11:34:58 AM

ولد خوسيه لويس سامبيدرو (برشلونة، 1917) من أب ولد في العاصمة الكوبية هافانا، وأم ولدت بالجزائر، وجد بـ مانيلا بالفليبين، وجدة  بمدينة لوغانو بسويسرا الإيطالية. انتقلت عائلته وهو ابن عام إلي طنجة التي كانت تخضع للسيادة المغربية ولكن كان لها قانون دولي خاص جعل منها مدينة مفتوحة، فأصبحت ملتقي الأجناس والأديان واللغات. هناك عاش الطفل خوسيه لويس في هذا المناخ إلي أن بلغ الثالثة عشرة، فعاد مع عائلته إلي شبه الجزيرة  حيث واصل دراسته التي تخللتها الحرب الأهليّة الإسبانيّة، ثم جُنّد من طرف الجمهوريين لكنه، وهو ابن عائلة يمينية علمته أنّ الاشتراكيّة معناها الفوضي، التحق بما كان يسمّي بالجيش الوطني، وهو الجزء الّذي أعلن العصيان ضد الحكومة الشّرعيّة آنذاك، ثم انتصر في الحرب الشّرسة التي نتجت عن تمرّده،  وأقام نظاما ديكتاتوريّا استمرّ حتّي عام 1975.
 قضي الشاب سامبيدرو الحرب بين مدينة ملّيلة بشمال المغرب،  وإقليمي كتالونيا وقشتالة. كانت كل هذه التّقلّبات ذات أثر علي نفس الشاب، لكنه عرف كيف يهدّئ مفعول ذلك بالشعر والكتابة ثمّ بالعمل، إذ ما أن حلّت سنة 1940 حتي عمل موظفا بإدارة الجمارك، فانتقل إلي مدريد حيث درس العلوم الاقتصادية.
كانت الكتابة هاجسا في نفسه فلم يحل دونها العمل ولا الدراسة، فها هو يكتب عند نهاية الحرب العالميّة الثانية أول قصّة له بعنوان »تمثال أدولفو إسبيخو»‬، التي لم تنشر إلا في 1994.
 أنهي دراسته في 1947 وعيّن أستاذا مساعدا في كلية الاقتصاد،  وكتب في هذه الآونة »‬ظل الأيام»، ثم كتب أول رواية تمثيلية له »‬حمامة من ورق مقوي»، ثم »‬مكان للعيش». وفي عام 1961 يكتب »‬النهر يحملنا».
 لم يكن خوسيه لويس سامبيدرو يعيش علي هامش الحياة التي تمرّ بها البلاد، لذلك ليس من الغريب أن يقف إلي جانب زميلين بالجامعة فصلتهما السلطة الجائرة لمواقفهما الوطنية،  فآزرهما صحبة زملاء آخرين،  فأسسوا »‬مركز الدراسات والبحوث» كغطاء لنشاط وطنيّ. لكن السلطة منعت نشاطه بعد ثلاث سنوات. وأمام ازدياد الضغط علي المدرسين والطلبة في الجامعات وغيرها،  قبل كاتبنا أن يعمل محاضرا بجامعة باين مان كوليدج بالولايات المتّحدة،  ثم كأستاذ زائر بجامعتي ليفربول وسالفورد ببريطانيا. عاد بعد ذلك إلي وطنه فطلب التقاعد من جامعة مدريد،  وشرع في التفرغ شيئا فشيئا للكتابة والنشر، فأصدر»الحصان العاري»، وهو عبارة عن قدْح وهجاء يمكنه من التخفيف عن نفسه من الإحباط و خيبة الأمل أمام الوضع الذي كانت عليه البلاد..
 لم تكن السياسة لتترك كاتبنا في منأي عنها،  فنراه يعيّن عام 1977 بأمر ملكي عضوا بمجلس الشيوخ في أول دورة تشريعية ديمقراطية،  واختير في نفس الوقت نائب رئيس بمؤسّسة المصرف الخارجي.
     عام 1980 ولد حفيده الوحيد ميجيل الذي ألهمه بواحدة من أجمل رواياته،  إن لم تكن أجملها إطلاقا، وهي »‬الابتسامة الأترورية» التي تشرفت بنقلها إلي العربية ونشرت مرّتين من طرف بيت الحكمة بتونس،  ثمّ المركز القومي للترجمة بالقاهرة. سئلت مرات من أصدقاء كتاب وأدباء عما دعاني لاختيار هذه القصة فلم أجب إلا لماما. لكن لا بأس أن أدلي هنا ببعض الدوافع لاختيارها إذ هي كثيرة منها نجاحها وشهرتها،  ثمّ لغتها التي فاقت تعقيدا عما عرف عن أسلوبه من صعوبة ثمّ تأتي الحكاية بخروجها جغرافيا من إسبانيا وموضوعيا عن المعتاد،  وأخيرا لا آخر بالإنسانية التي تسرّبت في كلّ سطر وحدث.
نـجـاح وانتشار
بقي سامبيدرو يعمل علي واجهتين، الاقتصاد والأدب،  إلي أن تفرغ كلية للأخير محرزا نجاحا كبيرا أهله للعديد من الجوائز الهامة،  كما انتخب عضوا بالمجمع اللغوي الإسباني(الأكاديميّة الملكية) سنة 1995. منح سامبيدرو جوائز كثيرة منها الجائزة العالمية للقصة،  والجائزة الوطنية للمسرح عن أعماله »‬مؤتمر ستوكهولم»  »‬في أعماق البحار» »‬وما دامت الأرض تدور» »‬سوق العولمة». أما الجمعية العامة للكتاب فقد منحته جائزة »‬دون كيخوتي» المرموقة »‬اعترافا بما في إنتاجه من التزام مدني وإنساني وأخلاقي تجاه الأدب..» حسب ما جاء في كلمة أمين عام الجمعية  أندريس سوريل، الكاتب هو الآخر،  عند تقديم ليالي الآداب الإسبانيّة.
يعود نجاح هذا الكاتب لعوامل عديدة كأسلوبه ومواضيعه التي تنوعت حتي بدت متباعدة مختلفة. لكن هناك عوامل أخري لها صلة بشخصه،  أهمها تواضعه وبساطته اللتان يلمسهما المتصل به شخصيا،  ولكن ما هو أغرب أن تُلمَس هاتان الصّفتان في كتاباته،  فيحس بها القارئ فتسري فيه مع ما هو قارئه،  كسريان عبير الزهور إذا اقترب المرء منها.
أعـمـاله
كتب خوسيه لويس سامبيدرو ما يفوق العشرين عملا في مجال الأدب. من بينها ثلاثية »‬حلقات الزمن»، وتضم أولًا »‬عروس البحر المسنة» التي نشرت عام 1990،  وهي أنشودة للحب والحياة والتسامح يقول فيها شعرا كهذا:
»‬إن لم يحطّم صوتَك ذاك الأنين/ أنين يذبح الفجر العكر/ فلأن قلبك لم يضطرم/ بلهيب قد دعوناه غراما/ أذوب فيه وصيحتي/ هي اسمك: لك أنفتح لحما مسلوخا/ فيموت جلدي انتظارا لجلدك/ وأنبض بفم مشتاق/ كفم سمكة تحتضر.»
يعلّق أحد النقّاد علي هذه »‬العروس» فيقول: »‬ إنّها منّة يتعلّم منها المرء الكثير عن التاريخ لكن عيبها أنها تُتِيهه، إن لم تكن له معارف تاريخيّة،  في متاهات أحداثها. إنها قصة حب جميلة وسط مناورات سياسية تاريخية،  عيبها طولها وسعرها».
العمل الثاني من الثلاثية هو »‬موضع ملكي» (1993)،  وهو عبارة عن إعلان حبّ أو بوح بغرام لمدينة نبّهت موهبته الأدبيّة. ويقفل الثلاثية بعمله الضخم »‬أكتوبر أكتوبر»،  الذي قال عنه أحد النقّاد إنه »‬حياة بدون هدف. قصة تشد القارئ، إذ يجد فيها سردا لعدد من الحيوات المتوازية».
     تعرض سامبيدرو إلي نوبة قلبية خطيرة وهو في نيويورك،  فأشرف بها علي الهلاك، فكتب بعد شفائه قصة باسم »‬المستشفي» يروي فيها تجربة مرضه. كان ذلك في 1996،  أما سنة 2000 فقد عرفت ظهور قصّة دار حولها جدل كثير، وهي التي سماها »‬العاشق المساحق» وهي التي اعتبرها النقاد »‬صيحة ضدّ كل أنواع الضغط والاضطهاد في مجال مختلف الميولات الجنسية انطلاقا من الحرية التي بلغها الكاتب،  وهو في الثالثة والثمانين».
عود سامبيدرو قرّاءه بمعالجته لما يجري وما يشاهد في الحياة الواقعية،  وبعدائه الصارخ للظلم والجور في شتي أشكالهما، وهذا ما دفع به إلي إصدار كتاب تحت عنوان »‬المنغول في بغداد»، ينطلق فيه من غزو الولايات المتحدة العراق،  ليتذكر ويتدبر ويفكر في مسائل تدور حولها الشّكوك والمتناقضات، ويسودها الظلم الظاهر الواضح في العالم الذي نعيش فيه. ففي هذا الإنجاز الداعي إلي الجدل،  يقارن الكاتب نهب بغداد من طرف المنغول عام 1258،  بوضعها الرّاهن تحت الغزو الأميركي. فهذه المقارنة وهذه التشابهات تفسح المجال، حسب قول أحد المعلّقين، لإبداء الحجة ضد حرب العراق،  وضد تصرف الولايات المتّحدة بإبراز القانون الدولي والاستناد إليه،  بينما الكاتب يتفكر-عرضا- ويمعن الرأي في المظالم الواضحة التي تقترف في العالم،  والتي نحن منغمسون فيها فيبرز الأكاذيب التي قدّمت لنا وقيل إننا صدّقناها».
 يضيق هذا المجال لتقديم كل أعمال سامبيدرو،  لكنّه مهما ضاق فلا سبيل لعدم ذكر القصة التي نالت أوسع رواج بين القراء من مختلف المستويات الفكرية،  والثقافيّة والاجتماعيّة،  والتي نشرت عام 1985، فمنحته شعبية قليلة النظير.إنها قصة مشحونة بالواقعية،  مؤثرة إلي أبعد الحدود،  عذبة سهلة المطالعة. هي تكريم للأجداد، تعظيم للجد ودوره،  وكيف يمكن لحفيد رضيع أن يحول ما بالجد،  وينقله من حال إلي حال. قصة الحياة نفسها، »‬ الابتسامة الأترورية »‬ التي قام كاتب هذه السّطور بترجمتها ونشرها في تونس ومصر.
إن خوسيه لويس سامبيدرو رجل وكاتب حر متحرر، كما يقول عن نفسه: »‬لقد كنت دائما حرا،  وهذا له علاقة كبيرة بأني لم أكن قط في حاجة إلي الارتزاق من الأدب، بل عشت علي كاهل صفتي الاقتصادية. لهذا لم أكتب قط بطلب أو تكليف،  وإن كتبت فليس إلا بطلب من نفسي».