رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

آنـا مـاريـا مـاتـوتـي.. العالم بعينيّ طفل


8/12/2017 11:37:21 AM

عاشت ماتوتي مشتاقة لحنين وعطف أمها،  لكنها عوضته بحنان الأب كثير السفر إلي لندن وبرلين،  والذي كلما عاد،  حكي لها أغرب وأعجب الحكايات التي غذت خيالها،  كما فعلت الغابة،  حتي أثري ذاك الخيال وأخصب،  مما جعلها تكتب أولي قصصها وهي في الخامسة، قصة رسمت لها هي نفسها صورها.

خلّفت الحرب الأهلية ثم الديكتاتورية انقطاعا عنيفا يكاد يكون كليا في الحياة الثقافية في إسبانيا، فقد هاجر أشهر الكتاب والشعراء،  وعرف المجتمع الإسباني تأخرا وفقرا ثقافيا وماديا،  كانت المرأة من أولي ضحاياه. هكذا صارت المرأة »أما صالحة«  طبقا للقيم التقليدية الكاثوليكية المحافظة التي هيمنت خلال تلك الفترة علي الحياة. لكن من عجيب المتناقضات أن الإنتاج الأدبي النسائي عرف في تلك السنين الأليمة ازدهارا ملحوظا، إذ أخذت في الظهور أسماء برهنت أعمالها علي أن المرأة،  رغم كل الظروف،  بوسعها أن تفرض نفسها علي الساحة العامة. ولئن أردنا هنا سرد أسماء الكاتبات اللائي برزن بين الحرب ونهاية الديكتاتوريّة،  لوجدنا أن المجال يضيق، لذلك سنكتفي بذكر اللواتي حصلن علي أقدم جائزة أدبيّة في إسبانيا، جائزة نادال،  التي أُحدِثت في أول الأربعينات،  وهن: كارمن لافوريت ذ إيلينا كيروجا ذ دولورس ماديو ذ لويسا فوريباد ذ كارمن مارتين جايتي ذ و، بالطبع، آنا ماريا ماتوتي.
حياة وسيرة
ولدت آنا ماريا ماتوتي ببرشلونة في 26يوليو عام 1925 لأب كتالوني يملك مصنع مظلات وأم قشتالية، وكانت واحدة بين خمسة إخوة. قضت سنواتها الأولي في برشلونة ثم انتقلت لتعيش مع جدتها في غابات الشمال، وكان لذلك أثر كبير في حياتها وكتابتها، حتي إن خطابها الذي ألقته عند انتسابها للمجمع اللغوي الملكي عنونته «الغابة»  لأن «للظلمة  بريق،  وتحليق الطيور يكتب عبارات قديمة،  تفتقت منها كل كتب العالم. ففي الغابة يمكن أن يحدث كل شيئ،  أي شئ،  أفضل وأجمل شئ. فهناك تمتلئ الحياة روحانيات، وهناك التضاد بين الشراسة الوحشية وأشكال لماعة».
عاشت ماتوتي مشتاقة لحنين وعطف أمها،  لكنها عوضته بحنان الأب كثير السفر إلي لندن وبرلين،  والذي كلما عاد،  حكي لها أغرب وأعجب الحكايات التي غذت خيالها،  كما فعلت الغابة،  حتي أثري ذاك الخيال وأخصب،  مما جعلها تكتب أولي قصصها وهي في الخامسة، قصة رسمت لها هي نفسها صورها.
 ثم تعود للكتابة وهي بنت العاشرة،  إذ تؤسس مجلة طموحة سمّتها «شيبيل» زينتها هي أيضا بنفسها بما احتاجته من رسوم. وبعد الطفولة، وهي في السابعة عشرة كتبت قصة ناضجة سمتها «المسرح الصغير»، نالت بها استحسان ناشر فعرض عليها مبلغ ثلاثة آلاف بيزيتا، فوافقت، غير أن القصة لم تنشر إلا بعد ثمانية أعوام.
تصنّف ماتوتي من طرف النقاد  بأنها أحسن قصاصة فيما بعد الحرب. ولكتابتها الخلاقة والمجددة حصدت العديد من الجوائز الهامة، ففازت بروايتها «القطارب» بالمركز الثاني في جائزة نادال عام 1949 لكن الرقابة حالت دون نشرها،  ولم يتم ذلك إلا عام 1955بعد أن راجعتها،  وأعطتها اسما جديدا هو «في هذه الأرض».
هاجرت من إسبانيا للولايات المتحدة  عام 1965  لتعمل مدرسة بجامعة بلومنجتون بولاية إنديانا،  وانتسبت في 1968 إلي جامعة نومن بأكلاهوما. عادت بعد ذلك إلي وطنها،  واستأنفت عملها الأدبي بالنجاح المعهود، ثمّ سافرت عام 77 إلي بلغاريا في مهمة إنسانية هذه المرة،  ضمن وفد « كُتّاب من أجل السلم».
لم يكن إنتاجها ونشاطها ليبقيا مجهولين لدي العارفين،  فها هي تعين عام 1996 عضوة بالمجمع الملكي للغة الإسبانية،  فتصبح المرأة الوحيدة بهذه الأكاديمية المرموقة،  والثالثة التي تحوز علي هذه العضوية خلال ثلاثة قرون من عمر المجمع،  الذي قرأت خطابها للانضمام إليه يوم 18 يناير 1998 فكان خطابا خارجا بعض الشيء عن المألوف بعنوانه ومحتواه،  لكنه نال قبولا واحتراما كبيرين. ثم هي بجانب هذا،  عضوة شرفية في جمعيّة «أوفوس» الإسبانيّة،  وفي الجمعية الأميركية لمدرّسي الإسبانية والبرتغالية.
وفي 25 يونيو 2014 رحلت آناماريا ماتوتي عن الحياة بعد عطاء استمر أكثر من نصف قرن، وبعد أن كانت شاهدة علي عصر التحولات الكبري في التاريخ الإسباني الحديث. لكن ذلك لم يحدث قبل أن تتسلم جائزة ثيربانتس (نوبل الأدب الإسباني)، ثم أنشئت جائزة تحمل اسمها تكريمًا لها لما قدمته للادب الإنساني.
كتابة ماتوتي
آنا ماريا ماتوتي كاتبة بالسليقة، قصاصة موهوبة كتبت قبل أن تنضج أو تتعلم فنون الكتابة،  أي كتبت بالطبيعة وغزارة التخيل. يتميز أسلوبها بالخفة والسلاسة، أسلوب أقرب لأسلوب الرواة  منه إلي أناقة الأساليب الكتابية المنمقة. تقول في خطاب انتسابها إلي الأكاديمية الملكية: «أنا راوية قصص،  لذا أود أن أغتنم هذه الفرصة غير العادية لأمدح، وربما لأدافع أيضا، عن التخيل والتصور في الأدب،  لأنهما عندي شيء حيوي كالأكل والنوم وأعارض بهما جدب المواقف الذي كثيرا ما يحيط بنا،  والذي يرفض أن يري حجم ما هو عقلاني روحاني بالنسبة للمادي. لذا أدعوكم أن تحاولوا ولوج عالم كان دوما الفكرة المتسلطة علي عقلي،  عالم سحرني منذ باكر طفولتي،  وجعلني سجينة شباكه،  وهو الغابة،  التي هي عندي عالم التخيل والتصور والحلم، وهو أيضا عالم الأدب نفسه،  وفي نهاية الأمر هو عالم الكلمة».
بهذه الكلمة، لعبت ماتوي كما شاءت لتنسج حكايات وقصصا،  يقرؤها الجميع ويفهمونها،  فتستحسن عند كلّ قارئ. إنّها لا تؤمن بأن هناك طريقة تتّبع لبلوغ ذلك، أو علي الأقل تشك في وجودها وهي « تهرب بكل منهجية من كل تعريف في هذا الصدد »  لأن أصوب تعريف، لا يكون سوي اختلاق في كثير من الأحيان من لدن من ليسوا كتابا،  والكاتب في هذه الحال بالذات،  هو ذلك المبدع الأدبي».
 يري النقاد أن ماتوتي تنتمي لما سمي بالواقعية الجديدة، وهو الاتجاه الذي يبرز في رواياتها «آل هابيل، عيد الشمال الغربي، المسرح الصغير، الجنود يبكون ليلًا». كل هذه الأعمال تحتوي علي نظرة طفولية أو مراهقية،  ترسم بعدا عاطفيا بين الواقع والشعور أو الفهم. هي أعمال تبتدئ بأسلوب الشعر الغنائي،  ثمّ تنقسم شيئا فشيئا في واقعية شديدة، مثيرة.
 لقد تأرجحت هذه الكاتبة البليغة بين القصة والحكاية،  فأنتجت النوعين بالتوازي تقريبا، حتي صار من الصعب تصنيفها. فلا حكاياتها قصص أطفال فحسب،  ولا قصصها للكبار فقط،  إذ كل كتاباتها مقروءة من الجميع،  ويتلذذها ويفهمها ويتمتع بها كل أصناف القراء لأنها،  كما تقول هي نفسها: «لا أفكر في عدد القراء الذي سأحصل عليه،  أفكر في الكتاب فقط،  وفيما أريد سرده أو شرحه. عندما أكتب،  أواجه الكتاب،  فإما أن أقضي عليه أو يقضي هو عليّ،  لأن الكتابة عمل فردي وحداني مثل عمل القارئ».
بهذه الروح وهذه المفاهيم وهذه الرؤية،  أنتجت آنا ماريا ماتوتي أكثر من 12 رواية،  وأكثر من ذلك بقليل مجموعات قصصية،  والكل يتميز بأسلوبها اللين السلس اللطيف وخيالها الخصب العجيب.
أعـمـالـهـا
رواية «آل هابيل» (1948) و»الحياة الصغيرة» (1953)  ثم «عيد في الشمال الغربي» في نفس السنة.  ونشرت عام 1954 «المسرح الصغير»، و»هذه الأرض» (1955)، «الأطفال المندهشون»(1956) «بلد الأردواز»(1957) ثم «الزمن».
 عام 58 صدر لها «الأبناء الموتي»، ثم « باولينا العالم والنجوم» (1960) و»الجندب الأخضر» و»المتعلم» و»الذاكرة الأولي». من بين اعمال أخري كثيرة.
 بهذه الأعمال الثرية، أسلوبا وخيالا وفلسفة،  أثبتت ماتوتي ما قالته مرة وهو أن «الأدب ذاكرة مطورة» وأن «العالم أضحوكة الكبار».
الـجـوائـز
لا غرابة ألبتة أن تحرز هذه الأعمال، وهي ما هي عليه من الجودة والإتقان الفني،  وما احتوت عليه من الآراء والأفكار الرائدة والخيال، الكثير من الجوائز التي،  لئن لم تكن كل الجوائز،  فمعظم ما يمنح في حقل الأدب منها في إسبانيا. فقد أحرزت علي ذكر خاص بجائزة نادال،  وعلي جائزة مقهي خيخون،  وبلانيتا،  وجائزة النقد،  والجائزة القومية للآداب،  وجائزة نادال عام 59 عن «الذاكرة الأولي»،  وجائزة «فاستنرات» من الأكاديمية الملكية الإسبانيّة،  وجائزة «لاثاريو» لأدب الأطفال والشباب،  وكانت من المرشحين  لجائزة نوبل عام 76 لكن فاز بها «بيثنتي أليكسندري» رغم أن وزنها،  كما تقول الأكاديميّة السويدية المانحة الجائزة كان أثقل من منافسها. ووصلت إلي المرتبة النهائيّة في جائزة «أندرسن» وإن لم تفز بها فلأن اللجنة استلمت النصوص باللغة الإسبانية فقط،  رغم أنها كانت مترجمة،  ولا أحد يدري ما السبب.
نظرة الآخرين
قيل وكتب عن آنا ماريا ماتوتي الكثير، ووصفت بكل الأوصاف التي تبرز مزاياها الأسلوبية ومنه ما قالته عنها إيلينا بيثا: «إن آنا ماريا الأخري موجودة تحت التّجاعيد: طفلة أم هي غريقة محافظة علي ذاتها أو علي جزيرتها،  سابحة نحو الشاطئ المجهول من عالم الكبار. إنها أضحوكة لا تتكلم أبدا عن العمل الذي بين يديها،  لكنها تتعاطي السحر المتواجد دوما في أعمالها وقصصها،  منذ أن كانت وهي طفلة خمس سنوات تمسك بالقلم لأول مرة.»
 أما بيلين لورنثانا فقد كتبت عنها: «إنها كاتبة خلاقة لعالم خيال وأشباح لا يعرف حدودا غير أسلوبها الأدبي الكبير.آنا ماريا تقترح الكثير، تقترح كل شيء داخل الأدب،  وتترك للقارئ الاستخلاص علي طريقته. إنه يستخلص نسبيا لأنه بعد قراءة ثانية جديدة لنفس النص سيحاول استخلاصا جديدا».
 وتصفها فاني روبيو بأنها «كاتبة مجيدة للأقاصيص وحتي قصصها الطويلة فيها الكثير من تقاليد الحكاية الطفولية.» ثمّ تضيف: «هي امرأة مرتبطة بأجيال نصف قرن من القصاصين، جيل كارمن مارتين جايتي و خوان مارسيه،  وجيل الأخوين جويتيسولو،  وجيل الشعراء كاليكووا- برال - خل دي بيادما إلخ.. وأذكر الشعراء لأن كتابة الحكاية/الأقصوصة عند آنا ماريا لها دائما جو شعري».
نـمـاذج
 لغة ماتوتي علي سهولتها وبساطتها لا تخلو من غريب الألفاظ وشاذ المفردات،  قد لا تعطي ترجمتها إلي لغة غير ذات أصل لاتيني كاللغة العربية تلك النكهة الأصلية،  والطعم التعبيري الذي يتلذّذه القارئ في النّص باللغة الإسبانية. ورغم هذا فهنا فقرة قصيرة من «آرانمانوت» أصغر ساحرات الغابة في القصة التي تحمل نفس الاسم:
«خلال السنوات الأولي من حياته،  وهو لم يفصل بعد عن أمه،  ظن «أورسو أنه يسمع أصواتا. كانت أصواتا ملغزة غير بشرية،  أصواتا تغوص في أعماق اللغز وتحلق حول أورسو،  فتدخل ذهنه ملهبة فضوله. كانت الخادمات يتحدّثن عنها ليلا بالقرب من اللهب،  لمّا تسمح لأورسو طقطقة الحطب وضجيج القرناس وكلام الخدم،  بالكشف عن بعض أكثر أسراره اختفاء. لكنه لم يصل قط إلي الإفصاح عنها كلية،  ولا إلي امتلاكها أكثر لنفسه. كانت أسرار نساء،  بينما هو ليس سوي طفل،  يشعر كيف ينمو في باطنه ظمأ المعرفة».
     بهذه الأسطر القليلة المختصرة تقدّم الكاتبة بطلها لتقول لنا إنه صغير، كثير التّخيّل، يحمل اسرارا لا هي بالمباحة المعلنة،  ولا بالمختفية المكنونة في صدر صغير طموح للتطلع والمعرفة.
تجيد آنا ماريا الوصف، وصف الأماكن وخاصّة إذا تكلمت عن الغابات،  فيأتي وصفها بالدّقائق والجزئيات،  دون الاهتمام بالكل ككل. ففي قصة «عيد الشمال الغربي» مثلا تقول:»ها هي غابات البلوط من جديد، وعلي المنحدرات شجرات الحور السود مفتخرة،  هزيلة،  خضراء.  تبدو جماعات،  ورغم هذا تتنفس كل شجرة منها وحدتها الشامخة مثل أولئك الرّجال أنفسهم،  رجال أرتامولا».