رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

مانويل باثكث مونتالبان المنحاز إلي الشارع


8/12/2017 11:39:29 AM

خلال السنوات الأولي من ستينيات القرن الماضي ظهر في برشلونة وهي، كما يعلم الجميع،  عاصمة ثانية لإسبانيا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وكانت يومئذ أشبه بغابة متحرّكة لما يسمّي باليسار المقدّس،  ظهر كتّاب أقل قداسة لكنهم إنسانيّون، يكتبون كما لو أن الديكتاتوريّة غير موجودة، فرصفوا بكتاباتهم المسافة الأرضية التي تفصلهم عن العاصمة مدريد، »مسافة تاريخية سياسية»‬ - حسب تعبير بعضهم - سمحت لهم بقول وكتابة ما لم يستطعه كتاب العاصمة.
الاسم الأكثر تعبيرا بين هذا النبات الجيلي الثقافي الجديد هو مانويل باثكث مونتالبان،  المثقف المتعدد المواهب،  المتخصص في خلق الأفكار والآراء العامة،  له ما يقول في كل شيء. فمن الماركسيّة إلي فنون الطبخ ومعايير الأطعمة، ومن المزاح والتفكه إلي التقارير عن الخبر والإعلام،  وهذا ما يشدّ ويقوّي،  بدقة اليسار وتكنولوجيا اليمين،  كل الأعمال المنوعة الحكيمة التي أنتجها هذا الكاتب الشاب. فمن الرواية والقصة إلي المقال، يكتب مونتالبان بحكمة وثقة،  مزخرفا دائما ما يكتبه بفكاهة بليغة،  وبخبر أو فكرة آخر ساعة. مونتالبان عريف بارع في نوع من الكتابة يعتني بسطح الظروف والمواقف،  لا يُظهر من خطابه الثوري المستقيم إلا أنفه، بينما لبّه يبقي طافحا أسفله أو بين السطور.
حياته
هو صحفي بدأ حياته المهنية وهو في الثامنة عشرة. اعتبره الملاحظون والنقاد من أهم الشهود علي المرحلة الأخيرة من نظام الجنرال فرانكو الديكتاتوري وعلي الانتقال الذي حققته إسبانيا إلي الديمقراطية. كان صوته بين الأصوات الناقدة اللائمة،  وكان أكثرها احتراما وقبولا. أنجز أعمالا كثيرة مختلفة الألوان والاختصاصات. فمن الخبر الصحفي إلي الشعر، إلي الرسالة إلي القصة. اعترف ويعترف له العارفون بالثقافة الإسبانية،  بدوره الثمين فيها. فمن خصائصه المميزة  وفاؤه غير المنقطع لمسقط رأسه برشلونة التي أهداها أحد مشاهده الأدبيّة وأكثرها كثافة وأصدقها،  اعترافا بها وبأعمق أركانها وزواياها،  وما فيها من غريب شخصياتها الذين يتكلمون ذ حسب قوله - اللغة القطالانية »‬اللّقيطة» أو القشتالية الخليطة.
 عمل منذ منتصف الثمانينيات بصحيفة »‬ الباييس» اليوميّة،  وهي من أكبر الصحف السيارة في إسبانيا ما بعد الدكتاتورية،  فأظهر استعداداته كعارف عليم بكل أصناف وأنواع الكتابة الصحفية. هل سيثبته نجاحه المهنيّ في عالم الصحافة فيبقي صحفيا؟  أم أنه كان يطمح ويتطلّع لغير ذلك؟ يأتي الجواب عن هذا التساؤل من خلال تصرّفاته التي أثبتت أن الصحافة،  رغم نجاحه فيها،  لم تكن سوي وسيلة استرزاق وكسب عيش. لأنه منذ 1979،  أي منذ فوزه بجائزة »‬بلانيتا» الشهيرة الكثيرة الاعتبار ماديّا وأدبيّا،  عن روايته »‬بحار الجنوب»،  استطاع »‬ابتياع» الوقت ليخصّصه للأدب والإنتاج الأدبي.
يقول عنه الكاتب فرانثسكو أومبرال: »‬أشعر، وأعتقد أنه شعور يشاركني فيه كثيرون، أن حالات كثيرة لا تجتمع إلا نادرا نجدها لدي مانويل باثكث مونتالبان: فهو كاتب كبير، وصحفي كبير، وشاعر كبير. فأدبه أفكار حية جدّا،  له مقدرة علي قلب مفاهيم التعابير المطروقة،  والجمل المتداولة. يمتلك دائما اللغة كمادة . له كرم وخصب كاتب استثنائي حقا،  له ضمير نقدي سمح له بالتطور دون العدول عما لديه أساسي كالتزامه مع الناس، مع الشرائح الدنيا. يمتلك أيضا الحدة الضرورية للكاتب: فهي أحيانا هزل أو هي انتقام أدبي،  أو شرّ تجاه أناس أضروا به أو بالمجموعة. كتابته ولغته موجهتان إلي الأشياء راسا،  ونثره واضح وحاد قاطع».
خاض مانولو  كما يسمّي تحبّبا- بقلمه الحاد واللين معا، الجدّي والمازح في آن،  السياسي والأدبي مختلطين،  الوطني والاجتماعي مقرونين،  حتي العشريتين الأخيرتين من حياته عندما برهن علي عزمه الطموح علي تغيير مسيرته الأدبية. فنجده لم يعد يكتفي بالخبر والقصة السوداء ولا بالعمود الصحفي،  فبدت قصصه أو رواياته الجديدة أكثر مخاطرة،  أكثر طموحا،  وأكثر تحرّرا. بدأ هذا الاتجاه سنة 1985 بـ »‬عازف البيانو»،  وهو عمل وضع فيه كل موهبته، ففيه نستطيع - كما يقول أكثر النقاد- قراءة أكثر الفقرات تأثرا وصدقا ومعاناة عرفتها برشلونة المهزومة.
أسلوبه
 تميز القسم الأول من عمله بتقديم شخوص صوريّة، خيالية،  ضمن سياق تاريخي واجتماعي حقيقيّين. لكنه غيّر أسلوبه بعد ذلك تغييرا كليّا،  فمال إلي أسلوب أكثر ملحميّة،  حيث الحنين وبعض خصائص الرواية البطولية مثل النبل والاستقامة،  تحتلّ مكانة بارزة في سرده. أجود وأنجح إنتاجه بهذا الأسلوب هو »‬سيرة فرانكو» التي كتبها بضمير المتكلم فأعطاها بفضل ذلك صوتًا سرديًا أكثر تصديقا. ومن ناحية أخري،  يجد المتتبّع لأعماله رابطا أو تواصلا جماعيّا يمكن تسميته »‬استرجاع الذاكرة عبر الخبر الاجتماعي»، لأنه سيجد معظم أعماله السياسية والنقدية الاجتماعية محلاة ومتبّلة بعناصر من الثقافة الشعبية. لا غرابة في ذلك إذ هو أصلا وميلادا ومذهبية من الشعب وإلي الشعب،  علاوة علي أن أباه وأمه كانا مناضلين يساريين في صفوف الجمهورية الثانية التي أطاح بها عصيان وتمرّد العسكريين الذين برز ببنهم فرانكو، فقبع وجثم علي صدر البلاد أكثر من أربعة عقود،  ولد في بدايتها هذا الكاتب الملتزم الذي نقرأ أو نتحسّس في جل إنتاجه نضالا ومقاومة ورفضا ونقدا تجاه أوضاع البلاد تحت الحكم الجائر.
     عرف مونتالبان كيف يراوغ الرقيب وأتقن إيصال خطابه،  فنال، كما نال إنتاجه تحت الحكم القاسي وبعده، استحسانا جماعيا وقبولا عظيما لدي النقاد والعارفين ولدي جماهير القرّاء. إن كتابته العمود والمقال الصحفي هي التي منحته أكبر عدد من القراء. ففي المقال الطويل أو القصير، التحليلي أو الآتي بغير المعقول والمستحيل،  كان مونتالبان دوما رجل الأدب الذي يقرب الثقافة إلي الشارع، كما يدني خبث ومكر السياسة من الحياة العامة. لذا فمقولة بالتاثار جراثيان (1601- 1658) »‬الحياة ميليشيا ضد خبث» نجدها عند مونتالبان معكوسة،  فيتصرّف ويكتب داخل إطار »‬الحياة خبث ضد ميليشيا»،  فيسخر بهاتين الكلمتين من الفرانكوية المستبدة.
  كتب مونتالبان في كلّ أصناف الكتابة بنفس السهولة. نراه لم يبتعد ولم يترك قط أسلوبه »‬العمودي» ولو أنه تعوّد وضعه في كتب خطيرة نالت من بعد نجاحا منقطع النظير. إن سذاجة كاتبنا الإيدييولوجية أخذت في ضياع واقعيتها في مسار التاريخ،  لكنه بقي وفيّا لثوابت أساسيّة واجتماعية لا يمكن الحياد عنها مهما تغيّرت الظروف والأحوال».
لم يكن مونتالبان يكتب بلا غاية ولا هدف. فرواياته المهمة والثقيلة جاءت كلها معبّرة عن مسؤولية إيديولوجية وأدبية كبيرة،  لكن يطغي عليه في سلسلته الشهيرة،  سلسلة المفتش كارفالو،  أسلوبه وصبغته ككاتب صحفي،  فنجده يقتصر علي أعمدة قصيرة،  مختصرة،  حالية،  واقعية،  كما لو كانت صادرة لتوّها من حاسوب حرّ وحيد بصحيفة ما،  فيزداد بروز بطله كارفالو،  بأقل ميولات يسارية،  لكنه مليء دائما بحب الإطلاع علي الأحوال الحياتية والعامة،  كأنه فيلسوف الإنسانيات الماركسية، وهذا ربما ما كان يفضّله الكاتب لنفسه.
الجوائز
لا غرابة إذن أن نراه يحصل علي عديد الجوائز وطنيّا وعالميا. فبعد جائزة »‬بلانيتا» الشهيرة، يحصل عام 1981علي الجائزة الكبري للرواية البوليسية بفرنسا،  ثمّ يحرز سنة 1992 علي جائزة  مارتين بيك Martin Beck عن نفس الرواية مترجمة. وجائزة مارتين بيك هذه جائزة أدبية تمنحها الأكاديمية السويدية لأحسن قصة بوليسية،  وهي تعدّ من أكثر الجوائز العالمية شهرة وسمعة. وعام 1991 منح هذا الكاتب جائزة السرد الوطنية عن روايته »‬جالندث» التي نال عنها سنة 1992 جائزة أريستايون التي يمنحها مجلس النساء اليونانيات الأميركانيات،  وهي رواية تروي قصة اغتيال هذا السياسي أصيل الجمهورية الدومينيكية،  كما فاز  بجائزة القراء الوطنية عن مجمل أعماله،  فتتالت الجوائز بلا انقطاع وطنيا وعالميًا.
السلسلة البوليسية
 ما من شك أن رواياته البوليسية نالت أكبر وأوسع الإقبال لدي القراء داخل اسبانيا وخارجها،  خاصّة السلسلة التي بطلها المفتش بيبي كارفالو المكوّنة في الواقع من ثلاث سلاسل، إحداها مجموعة روايات بلغ عدد حلقاتها ثماني  عشر رواية،  والثانية خاصة بالحكايات وهي سبع حلقات، أما الثالثة فهي خاصة بترف البطل كارفالو وحبّه الأكل وتفننه فيه، وجاءت مكونة من عشر حلقات، كل حلقة منها كتاب،  نقل عدد من هذه الكتب الي الشاشة فتحوّل إلي شريط سينمائي،  فأحرز بها الكاتب علي عدة جوائز، لذا سنخصّها بلفتة موجزة سريعة لأنها هي التي جعلت من مونتالبان »‬ ظاهرة روائية عابرة للحدود»،  وبحثا عن إمداد الفارئ بصورة أكثر وضوحا عن هذا الكاتب الراحل الذي فقده الأدب إثر سكتة قلبية صرعته بمطار بانكوك ذ تايلاندا ذ يوم 18 أكتوبر 2003.
     هذه السلسلة ببطلها المفتش بيبي كارفالو،  تبدو كمركبة أو وسيلة تعبير امتطاها المؤلف  كي يترك أخبارا أو تعليقات اجتماعية سياسية تاريخية وثقافية عن الأربعة عقود الأخيرة. فكل قصة يضعها الكاتب داخل بيئة وسياق التاريخ الذي كتبت فيه. من ذلك مثلا »‬ اغتيال في اللجنة المركزية» (1981) وهي تسجيل لاغتيال القائد الشيوعي الإسباني في خضمّ أزمة الحزب الشيوعي  بخصوص الشيوعية الأوربية (الأوروكومونزم). بينما نجد أن عام 1992 قد احتضنت فيه برشلونة الألعاب الأولمبية فعليها تمركزت مغامرات المفتش كارفالو في الحلقة أو الرواية التي عنوانها »‬تخريب أولمبي» ومنها نقتطف ما يلي حيث يظهر نفس من أسلوبه الساخر وما يحمله من نقد:
»‬حرب الخليج. هل أشهرت فعلا؟ والألعاب الأولمبية ببرشلونة؟ هل أنتم متأكدون من أن المعرض العالمي لسنة 1992 قد انعقد حقا بإشبيلية؟»، هكذا نلمس أسلوبه السائر في طريق الأسطورة الهجائية،  حتي حدود الحزن والحسرة ومشارفة السخرية التي يستعملها كارفالو كتسديد حساب مع عام 1992 الهائل العجيب انطلاقا من منظور عالم في أزمة أنسته في السنة التالية (1993)  قوانين الحداثة والتقدم المقدسة .
      لقد حمّل الكاتب بطله المفتش كارفالو كل ما كان يجول بنفسه ويريد إنجازه وتطبيقه،  فجعل هذا البطل الذي أنشأه في بعض مقالاته يبلغ درجة رفيعة من دسامة واعتبار البطل البوليسي بفضل ما يتصف به من خصال الكاتب نفسه،  كإتقان تذوق الطعام وحب النساء والميول اليسارية وحب الاطلاع وشدة الملاحظة والدفاع عن المبادئ التي يؤمن بها، بالسخرية حينا وبالجدية وحتي الشدة أحيانا، داخل إطار متطلبات الرواية من تشويق وإتقان عقدة وبديع حلها. رغم كل هذا فكما قال عنه بعض المختصين »‬إنه شبيه بالكاتب سيمينون لأن بطله الحقيقي هو البيئة. فهو عريف كبير بأنواع اليبئة والأجواء،  فيبدع في خلق عالم خاص متنوّع لبطله».
     عند هذا الحد نستطيع القول إن مانويل باثكث مونتالبان الذي قضي حياته بين الأسفار والعمليات بين فتيات وخمور و بين مثقفين ومفتشين،  قد بلغ نضجا إنسانيا وسياسيا منح سلطة لكل ما يقوله،  وحتي لما لا يقوله. إنه كان من أولئك الكتاب ذوي الإحساس أو الحدس التكهني،  شبهه بعضهم بسارتر،  ولو أن مونتالبان بعيد عن أي تعصّب أو تزمت. إنه كما قال آخر »‬لا هذا ولا ذاك» بل هو الذكاء المستديم المتوالي، التارك هنا وهناك مقالات صحفية قصيرة،  وحكايات مشوقة كأنها سقاط مسجح من عمل صناعي لعقله الواضح الصافي الساخر الهازئ دائما. كان شديد الانطواء وفسيح الانفتاح في آن واحد،  كما كان شديد التأثر في جميع الحالات،  ذكر ولا يزال يذكر في كل ناد ثقافي قوي الرباط ذي سمعة ونشاط،  لأنه كان يربط الآخرين برباط الفتنة والإقناع. في المقال أو الحكاية،  في القصة أو الرواية،  كان مونتالبان يكتب بحكمة وثبات،  مزركشا دائما ما يكتبه بالفكاهة وخبر آخر ساعة.
 في دراسة مطولة عنه، يقول الباحث خورخ كاتالا كارّاسكو عن رواية »‬بحار الجنوب»: »‬إحدي مميزات النص الأساسية هي حضور عدة مستويات لقراءته، وهذه تقنية يجيد السيطرة عليها مانويل باثكث مونتالبان، كي يفتح عمله للقراء بمهمة قطعية فعالة تلزمهم أثناء القراءة. إن الحركات والاتجاهات الأدبية لها طبيعة دورية ومونتالبان يلجأ إلي بعض المطروقات في الرواية البوليسية: المفتش، الجريمة، التحقيق، الحل الختامي. لكنه يدخل مميزات أخري مبتكرة،  تسمح له بخلق عمل جديد يبعد عن كل ما سبق،  فيتقدم حرّا من كل وثاق أمام القارئ،  واعدا بالتسلية والمتعة والإثراء لكلّ من الجمهور الواسع والمثقف الأكثر مطالبة وشدّة. »‬إن غايتي من هذا العمل إعطاء الدليل علي أن هذه الرواية نموذج للعمل »‬ما بعد العصري» الذي يأخذ من التقاليد بعضا ويدخل عناصر خاصة بالمؤلف،  فيجعل من العمل رواية جديدة،  ماوراء عصرية واختيارية، فتصبح قابلة لعديد القراءات». فهذه الخاصية بالذات،  تعدد مستويات القراءة،  ستكون مركز تحليلنا لأننا نعتقد أنها تقنية مستعملة عن قصد من المؤلف،  ليفتح إمكانات النص وقبوله لدي القارئ . بهذا المعني أنضمّ إلي موقف يعرضه خينارو بيريث وهو» يجب الاعتراف بأن قصص وروايات المؤلف الكتالوني لا تكتفي بأن تكون روايات بوليسية بل أعمال ما وراءعصرية تماما،  جديرة بأن تُحلل من منطلقات أخري».

تعليقات القرّاء