رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

كارمن مارتين جايتي المخلصة لهويتها الأنثوية


8/12/2017 11:43:15 AM

 ولدت بمدينة سلامنكا عام 1925، وهي أكثر أبناء جيلها حصدًا للجوائز. لاقت جايتي مديح القراء والنقاد لما امتازت به، وهو معالجة مواضيعها من زاوية خاصة،  وذلك لأسباب عديدة منها  أنوثتها حيث إنها لما دخلت عالم الأدب في الأربعينات والخمسينات،  كانت تمثل نوعا من الاختلاف في مجال كله ذكور، وليس للمرأة فيه مكان بحكم مجتمع كان يخضع لنظام الأبوة وسيادة الذكر.
 فرضت كارمن مارتين جايتي نفسها في ظروف اجتماعية قاسية، حتي ثبتت قدمها علي أرض الأدب عامة وميدان السرد بالتحديد،  في إسبانيا التي ستعرف حياة سياسية متوترة،  أدت إلي سقوط الملكية (1931)،  وإعلان الجمهورية الثانية (1931/1939)،  ومأساة الحرب الأهلية (1936/1939) التي هدّت كيان البلاد وانتهت بديكتاتورية جثمت علي صدر الوطن والشعب إلي نوفمبر 1975، لما رحل الديكتاتور فرانكو وعادت الملكية. كل هذا عاشته كارمن طفلة ثم مراهقة، ثم شابة تخطو خطواتها الأولي في درب الأدب والكتابة.            

مـسـيـرتـها
درست جايتي في مسقط رأسها وتخرجت في كلية الفلسفة والآداب من جامعة سلامنكا،  بعد أن قامت بنشاطات متنوّعة ضمن الحياة الجامعية،  منها الاتصال بفن التمثيل،  ومشاركتها في أكثر من مسرحية.  وقد يكون هذا هو الدافع الذي جعلها تكتب،  ضمن حياتها الخلاقة،  عددا من المسرحيات .
لم يقتصر نشاط جايتي علي الأدب،  بل تعداه إلي الصحافة والنشر، فساهمت في عدد من المجلات قبل أن تنتقل إلي مدريد عام 1950،  لتعدّ أطروحتها »عادات غرامية من القرن الثامن عشر بإسبانيا»‬ وتحصل بها علي درجة الدكتوراه.
 اتصلت جايتي في هذه الفترة من حياتها بالأديب المفكر إجناثيو ألديكووا،  فأدخلها حلقته الأدبية حيث تعرفت علي الكثير من الأدباء والقليل من الأديباتذ لم يكنّ كثرة- مثل خوسيفينا رودريجث وجوان بانات، الذي ترجم القرآن إلي الإسبانية من بعد، وروفائيل سانتشيث فوريوسو الذي أصبح زوجها عام 1954. هكذا دخلت جايتي في ما سيسمي أدبيا »‬جيل 55»،  أو جيل ما بعد الحرب،  وستبرز فيه بمنتجها السردي ونشاطات أخري،  كالانتماء إلي الحركة الصحفية،  فتساهم في صحيفة »‬دياريو 16» التي عرفت رواجا إلي أن أطفئت شمعتها بنفخة من هواء السياسة وتناحر الأحزاب.
عملت جايتي ايضًا بالنقد الأدبي والترجمة،  فبرزت بنقلها لأعمال كتّاب من أمثال جوستاف فلوبير وراينر ماريا ريكي وإميلي برونتي، كما ساهمت في كتابة سيناريوهات للتليفزيون.
وفي الخامسة والسبعين، اكتشفت جايتي إصابتها بالسرطان، ثم سريعًا ما ودعت الحياة في عام 2000.

منتجها السردي
تقول كارمن إنها بدأت الكتابة في الثامنة، وأول إنتاج لها نعرفه  هو قصة »‬يوم حرية»، وكان ذلك عام 1953.
أما مسيرتها الاحترافية  فبدأت برواية »‬المنتجع» التي حصلت علي جائزة مقهي خيخون وهو بمدريد أشبه بمقهي تحت السّور في تونس، أو مقهي الفيشاوي بالقاهرة، وهو، ولو أن نجمه بدأ يأفل،  فإن حلقته الأدبية لم تنعدم،  إذ لا يزال بعض الأدباء يعقدون ندوة أسبوعية في رحابه. استمرت الكاتبة في الإنتاج،  وبعد مضي ثلاث سنوات خرجت علي المهتمين والقرّاء بما يعتبر عملها منقطع النظير وهو »‬بين الستائر» الذي نالت به جائزة نادال.
تركت كارمن مارتين جايتي السرد لمهلة خصصتها لتلبية نداء هواية من عهد شبابها وأيامها الجامعية،  أي المسرح،  فأنتجت عملين أولهما »‬مناجاة النفس» (1957) والثاني »‬الأخت الصغيرة »‬ (1959)  وبقي في درجه ومخبئه إلي أن أخذه المخرج المسرحي أنخل جارثيا مورينو عام 98 وعرضه بمدريد في 19 يناير 1999،  محرزا به علي نجاح كبير.
 تعود الكاتبة إلي السرد مع بداية الستينات،  فتنجز أعمالًا قيمة مثل »‬القيود» (1960)  و»‬إيقاع بطيء» (1963) لكن عقد السبعينيات يحمل لها تنوّعات وتقلبات،  فتصدر مقالتين أو دراستين حول محاكمة »‬ماكاناث»،  وأطروحة الدكتوراه، وديوان شعر (1976) وإحدي أشهر وأنجح أعمالها  »‬سلاسل»، التي دخلت السوق عام 1974. خلال هذا العقد تصدر أيضًا »‬حكايات كاملة » ثم »‬ملكة الثلوج» التي أهدتها لابنتها الوحيدة »‬مارتا »  التي توفيت قبلها.
هذه أعمال كارمن مارتين جايتي،  أو أهم أعمالها،  إذ إنّي أحصيت لها 36 عملا،  وهذا ما مكّنها من الفوز بأكبر عدد من الجوائز بالمقارنة مع نظيراتها الكاتبات.

الـجـوائـز
 تعتبر جايتي أول سيدة تفوز بالجائزة الوطنية للأدب عن عملها »‬الغرفة الخلفية» عام 1978، كما أحرزت الجائزة الوطنية للآداب عام 1994 عن مجمل أعمالها، فازت كذلك بجائزة »‬ أمير أستورياس» المرموقة عام 1988،  ونالت تكريم »‬أثيبو» عام 1988،  وجائزة قشتالة وليون عام199 والوسام الذهبي للفنون الجميلة، من بين جوائز أخري.

أسـلـوبـهـا
     يتميز أسلوب جايتي بالبساطة والوضوح، غير أنه يحمل في طياته مستوي آخر يحتاج إلي بعض الجهد للإمساك به. بذلك يمكن أن نقول إن صعوبة جايتي لا تتأتي من مفرداتها وتراكيبها، بل بالتحديد من المعاني التي تقصد وتروم إلي كشفها عبر الرموز.
      لابدّ من وقفة هنا لمعرفة هل للكتابة جنس. هل هناك كتابة أنثوية و كتابة ذكور، لأن الميزة الأخري فيما تكتبه كارمن هي روح الأنوثة،  التي تكاد تلمس في سطورها أو بين سطورها،  مما يجبر علي العودة إلي الظروف التي ظهرت فيها كارمن،  وقليلات من نظيراتها في عالم الأدب،  عالم هيمن عليه الذكور بعقلية تلك الفترة الأربعينات والخمسينات  وهي عقلية تزيح المرأة تماما،  ولا ينظر إليها في المسرح الأدبي وفي المجتمع بأسره،  إلا نظرة شذوذ وإقصاء،  وإن قبلت فتصحبها استحالة تصرّفها المستقل،  فتبدو غريبة في أجواء لا تتعود هي عليها،  ولا يتعود عليها الآخرون. غير أنه في تلك الفترة بالذات أخذت إرادة النساء تبرز وتقوي بحثا عن المشاركة في الحياة الاجتماعية،  ومن ذلك الكتابة الأدبية التي تؤخذ علي أنها تثبيت للهويّة . لكن المرأة الكاتبة تلاحظ باستمرار أن مبادرتها يجب أن تعتبر - نظريا - علي أنها اعتداء،  وافتكاك،  نظرا للنّكران السائد للذات الأنثوية.
     من هذا المنظور، لابد أن يكون الإنتاج الأنثوي مختلفا عن نظيره الذكري،  ومن هنا فإن إنتاج كارمن الأدبي في كليته يعبر قبل كل شئ عن الرغبة العامة في إظهار كيف يضع الفرد نفسه وسط المجتمع،  ويشرح كيف يتصوّر هو الواقع. ثم إن الكاتبة تعني،  منذ بداية طريقها الأدبي،  بالنزاع الناشئ عن اشكالية خاصة في البحث عن الهوية الأنثوية،  ومن هناك إلي تكوين ذات شخصية أنثوية.
      إن كارمن مارتين جايتي تعطينا من خلال كتاباتها أمثلة متكررة عن تكوين الهوية الأنثوية،  ومع هذا فهي نفسها خاضعة في خلقها وإبداعها لهذه الاشكالية،  وهي الهوية الأنثوية،  فنجدها في تكوين شخوصها خاضعة إلي النظام البطريركي ويلاحظ ذلك بوضوح في حكاياتها الأولي،  وفي »‬بين الستائر» و»إيقاع بطيء»،  فنجدها تتحاشي استقلالية الشخوص النسائية،  فيبدو واضحا، إذا تعلق الأمر بأوضاع تفكيرية، أنها تختار دوما شخصا ذكرا.»
     الأسلوب بسيط إذن،  والقارئ لهذا نوعان: قارئ يكتفي بالظاهر ومتابعة الأحداث،  وآخر يتوقف عند الرموز وما يُفهم بين السطور، كما هو الحال في هذا المقتطف الذي نورده هنا،  مأخوذا من عملها المعنون»من نافذتك إلي نافذتي»:
»‬كانت بعيدة جدّا،  في ذلك البعد الذي لا يحدّ ولا يحصر، وبالتحديد حيث ترسي أعين كلّ نساء العالم عندما ينظرن عبر نافذة،  فتصير نقطة إبحار،  رصيفا، بساطا سحريا،  حيث يجعلن أنفسهن غير مرئيات كي يهربن. لا يستطيع أحد أن يحبس عيني امرأة  وهي تقترب من نافذة،  ولا منعهما من أن تشقا العالم إلي ما وراء حدود مجهولة. في كل الأديرة والمطابخ،  وعلي كل المنصات،  وفي مكاتب الأدب العالمي حيث يعيش نساء،  ثمة نافذة أساسية للرواية والحديث،  كما جرت العادة علي وجودها في الغرف غير المؤنسة، بنزل رسمه إدوارد هوبر، وفي الحجرات المبلطة بالأبيض والأسود التي تشاهد في لوحات الفن الفلامنكي.  في هذا كفاية لتحدث المعجزة: فالمرأة التي تقرأ رسالة أو تطبخ أو تحادث  صديقة،  تنظر عرضا إلي الزجاج،  ترفع حصير النافذة أو ستارها،  ومن عينيها المتورمتين  تأخذ في الخروج باتجاه الأفق،  عصافير مجنونة،  في أسراب لا يستطيع أي عالم بالطيور تصنيفها،  ولا أي نبال صيدها،  أو أي عاشق ملاطفتها وهي منطلقة نحو مملكة غير محدّدة،  لا يعرف عنها سوي أنها بعيدة.»

تعليقات القرّاء