رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أرتورو بيرث ريبارتي الصحفي الذي أصبح قصاصاً مجيداً


8/12/2017 11:46:08 AM

 إنّه بدون شك أو تردّد، أشهر القصّاصين علي السّاحة الأدبية في إسبانيا اليوم، أو علي الأقلّ هو من أشهرهم، والمؤكد هو أنّ مبيعات أعماله، تسجل أعلي الأرقام، وتفوق مبيعات كلّ الكتّاب الآخرين، بمن فيهم أنطونيو غالا الرّائجة أعماله رواجا كبيرا. إنّه من أكثر الكتّاب نجاحا في إسبانيا، وأميركا اللاتينية، وهو  الملقب بالبارع في حركية المبارزة. يعتبر نفسه »ملاّحا يجيد القراءة، وقارئا يجيد الكتابة »‬، أخصائي ملامس الحاسوب، الذي لا يحتاج إلا إليه ليقتات. لا مواقيت تربطه ولا رؤساء يلقون إليه بأوامرهم، يعيش حياة كالتي أرادها للشّخوص الأكثر حظّا في قصصه. ترك وراءه أيّاما كان يطوف فيها ميادين الحروب، يغطّي أخبارها، واستقرّ أمام حاسوبه ليخلق ويبدع.
إنه القصّاص الشهير، أرتورو بيرث ريبارتي، الصّحفي الذي أصبح قصّاصا مجيدا، وإنسانا يتساءل عن »‬ القواعد التي تسند الصّراعات المسلحة، والمصير الإنساني»، ومناضلا بالقلم، يؤمن بالكفاح والمقاومة، ولو كانتا عديمتي الجدوي، لأنه يري »‬إن كان للظلم أن ينتصر، فلن يكون نصره بلا عقاب». تنقل بفضل وظيفته الأولي كمراسل الإذاعة المسموعة والمرئية الوطنية، في عدد كبير من بلدان العالم المحترقة بنار الحروب، فتعلم أنّ »‬ العالم هو ما هو عليه ولن يتغيّر.»
حـيـاتـه: ولد هذا الكاتب عام 1951 بمدينة قرطاجنة، علي السّاحل الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة الإيبيرية، في عائلة كثير من أعضائها بحارون مشاهير لا تنعدم بينهم الثقافة ولا العلم، فنشأ الطفل أرتورو ميالا إلي القراءة والمطالعة »‬يلتهم» ما تقع عليه يده من الكتب بكل شغف ونهم.التحق بالجامعة حيث درس العلوم السياسية والإعلام متخصصا في المراسلات الحربية. وما أن تخرّج حتي انضم يعمل في صحيفة »‬الشعب» (البويبلو) اليومية ثم في الإذاعتين الوطنيتين المسموعة والمرئية، ليعمل مراسلا لهذه الوسائل الإعلامية طيلة عشرين سنة ويزيد. عشريتان عايش فيهما حروبا كثيرة، فكان شاهد عيان لفظاعة الحرب وأهوالها، ولمس عن قرب مآسي الناس وآلامهم في قبرص والصحراء الغربية والسلفادور ونيكاراغوا ولبنان وأريتريا وتشاد وجزر مالفيناس وليبيا، وغطي حروب السودان الأهلية ومعارك الموزمبيق وأنجولا وثورة رومانيا عام 1989-1990 وحرب الخليج عام 1990-1991، كما شاهد ونقل فظاعات ومآسي كرواتيا والبوسنة، فتركت مشاهداته في نفسه آثارا عميقة لا تمحيظ، انعكس منها الكثير في كتاباته ومواضيعه وطريقة معالجتها.
قضي أرتورو بيرث ريبارتي ثمانية أعوام مقسّما نشاطه ونشاط قلمه أو حاسوبه بين التقاط الخبر ونقله، وبين الأدب، إلي أن ترك الصحافة فودّعها لمّا طلب منه أن تكون مراسلاته عرضا وفرجة أكثر منها خبرا وإعلاما، فعرف أن ذلك لم يعد عالمه فانثني وسجل وداعه هذا في قصّة عنوانها أرض الكومنتشي يحكي فيها حياة مراسلين حربيّين في نزاع يوغسلافيا. وهكذا تفرّغ للكتابة الأدبيّة واقتصرت صلته بالصّحافة علي عمود ينشر له في »‬ الأسبوعي » وهو ملحق رقميّ يظهر كل يوم أحد فيوزّع علي اثنتين وعشرين صحيفة إسبانية، فيحصل علي أربعة ملايين ونصف مليون من القراء.
عرف هذا الكاتب المجيد المتقن النّجاح والشّهرة بمجرّد ما ظهرت باكورة أعماله، وازداد شهرة ونجاحا كلما قدّم عملا جديدا، فأحرز علي الجوائز الكثيرة المختلفة في إسبانيا وخارجها، وتوّجت قيمته ككاتب  ومؤلف بتعيينه عضوا في المجمع اللغوي الملكي الإسباني عام 2003.
إنّ كلّ أعمال كاتبنا الشّهير قد ترجمت إلي قرابة الثلاثين لغة من لغات العالم، باستثناء العربيّة التي أبي كاتب هذه الأسطر إلا وإدخالها الميدان، فعرّب له قصّته »‬معلّم المبارزة »‬ التي لاقت نجاحا ورواجا عالميّين ثمّ نقلت إلي الشاشة، أمّا النّصّ العربي فلا حكم لنا بشأنه فالكلمة للقرّاء والنقاد إن تكرّموا..أمّا القصّاص نفسه، فهو يوزّع حياته الآن بين غرامين هما: الأدب والبحر، وهذا الأخير هو بصفة خاصّة البحر المتوسّط، الذي يبحر فيه كلّ ما سمح الوقت، بقاربه الشراعي وهكذا بين أسفار وكتابة ومسك الدّفّة، يقرأ ويطالع، ويعيد القراءة مراجعا مكتبة ذاكرته، ليأخذ مواضيع قصصه.
أسلوبه وطريقته:
إنّ ما يمتاز به أرتورو هو الكتابة بلغة وأسلوب يشدّان القارئ مهما كان مستواه العلمي، فهو أسلوب الصّحفي الواصف للوقائع، والأديب القصّاص الذي يرمي إلي التّثقيف والتّشويق معا. إنه في كتاباته ينسجم ويغوص في قصّته كالسّمكة في الماء، فيتلاعب بالقارئ كيف شاء، معطيا إيّاه بعض الإشارات والدّلائل ثم يضعه في درب عقلانيّ، ظاهريّا، ليخرجه منه بعد ذلك إلي درب آخر مشابه، ويضعه في ما هو خاصّيّة كلّ قصصه، أي تشويق القارئ، الذي يشركه في حكايات وفاء وخيانات وغرام، بفضل بلاغته ورقة أسلوبه.
إنّ قصصه تتعامل بعنصرين، يعطيانها الحركيّة والمظهر الصّحفي، وهما دقّة وصف الحدث والشّخصيّات، والتّاثير العاطفي الذي تمتاز به القصص الخيالية. إنه ذ علي حدّ قول »‬ بيدرو غوتيارث كردون »‬ ينظم سلسلة من الأحداث الملاحظة بكلّ دقّة مع وقائع عموميّة، فتصير جزءا من رسم كبير يعطيه مرونة أدبيّة، إلي جانب أسس الحقيقّة والواقع كما تقدّمهما الصّحافة ».
إنّ أرتورو بيرث ريبارتي، يعالج دائما مواضيع معاصرة، تؤثر دائما في الرّأي العام، فيجلب بها القارئ الذي يجد فيها انعكاسا لما يعرفه أو يشاهده، فيحسبها شاهدا علي الزّمن المعاش. إنّ استعماله الحوار يخلق نوعا من الألفة بين الشّخوص والقارئ فيشعر هذا الأخير وكأنّه عنصر آخر من عناصرالعمل الذي بين يديه. أمّا الخاصّيّة الأخري التي تلاحظ في قصصه، فهي الأسلوب السينمائي الذي يجعل من سرده سلسلة من الصّور واللقطات المعروضة بواسطة الكلمات. فقصصه تقدّم الواقع منظرا تلو منظر، خلافا للسّرد التّاريخي، وتقدّم السّخرية معالجة في الحوار، مثلها مثل وجهة النّظر التي يريد إيصالها إلي القارئ. فلا غرابة أن يحوّل الكثير من أعماله إلي أشرطة للشاشة الكبيرة، يشارك بنفسه في كتابة سيناريو بعضها، ويشرف علي إنجاز البعض الآخر، إلي جانب كبار المخرجين في إسبانيا وخارجها من أمثال رومان بولنسكي.
إنّ أسلوبه يتميّز قبل وبعد كلّ شئ بالحركيّة، حتّي عرف بأنّه »‬ سيّد حركة المبارزة»، فيقول عنه بيدرو غوتيارث كردوم:» لقد سحرتني بكلّ بساطة طريقته في الكتابة. إنه يحكي بطريقة تفاجئ في كل حين، وهو يهتمّ بالجزئيات فيسهّل فهم كتابته. إنه بالنّسبة لي، مؤلّف بارز، أتمنّي أن أراه يوما محرزا علي جائزة نوبل.»
أعـمـالـه:
كتب بيرث ريبارتي أكثر من خمس وعشرين قصّة، لا تزال تحتلّ الصّدارة في المكتبات في عدد كبير من البلدان الناطقة بالإسبانيّة وبغيرها. نشرت له أوّل قصّة »‬جنديّ الخيّالة »‬ عام 1985، تلتها »‬معلّم المبارزة 1988، ثم »‬ لوحة فلاندس» 1990، و»‬نادي دوماس» 1993، و»‬ظل النّسر»1993، و»‬ أرض الكومنتشي»1994، و»كاتشيتو»(مسألة شرف)1995، »‬عمل قصير»1995، و»‬جلد الطبل» 1995، و» براءة قرصنة »‬ 1998، و» الرّسالة الكرويّة »‬ 2000، و» بنيّة الشّتم»2001، و»‬ملكة الجنوب»2002، واستمر يكتب وينشر بمعدّل قصّة كلّ سنة تقريبا. وأصدر كاتبنا في نهاية عام 1996 مجموعة »‬ النّقيب آلاترستي»، التي أصبحت منذ البداية مسلسلا أدبيّا فائق النّجاح، وزاد في شهرته نقله إلي السينما فبلغت مبيعاته أرقاما لم تعرف حتّي الآن في عالم النّشر بإسبانيا.
طبيعيّ إذن، أن تنال أعماله النّاجحة جوائز هامة، مثل جائزة »‬غويا» السينمائية عن أحسن سيناريو، وهو الذي وضعه لقصّته »‬معلّم المبارزة»، والجائزة الكبري للأدب البوليسي بفرنسا عن »‬ لوحة فلاندس»، التي نالت جائزة أخري من الأكاديمية السويديّة، ومن قارئات مجلة »‬أل»(هي). أمّا »‬ الرّسالة الكرويّة »‬، فقد نالت جائزة »‬غونكور» Goncourt الفرنسية، ونالت قصّة »‬جلد الطّبل» جائزة »‬جان موني» للأدب الأوربي، وهكذا تتعدّد الجوائز إلي أن تبلغ الخمس عشرة جائزة وتزيد، علاوة علي منحه وسام معهد البحريّة الفرنسية، مقابل »‬الرّسالة الكرويّة»، ولقب »‬الفارس» في نظام الآداب والفنون بفرنسا، وشّحه بوسامه رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة. هذا إلي جانب ما منحته الصّحف السيّارة والمجلات، من ذكر وثناء وتمجيد لأعماله، كما فعلت مجلة »‬تايم» الأمريكيّة، واصفة قصّة »‬جلد الطّبل» بأنّها أبرز عمل أدبي بالولايات المتحدة لعام 1998، ومجلة »‬ النيويورك تايمس» التي وصفت كتاب »‬معلّم المبارزة» بأنّه أبرز كتاب جيب لتلك السنة.
مـواضـيـعـه:
 إنّ ما يميّز أرتورو بيرث ريبارتي في كتاباته هو البعد الإنسانيّ، والبحث عن العدالة والحق، كأنّ أيّامه كمراسل عايش أثناءها الكثير من الحروب، وعاين آلام الضعفاء والأبرياء، قد تركت في باطنه مرارة يفرج عن نفسه منها في قصصه التي انطلقت دائما من حدث تاريخي، أو موقف إنساني حقيقي، فيركّب الأحداث والأمكنة والشخوص ويشكّلها في قالب واحد، يتفنّن فيه بدقة الوصف وتجسيم الحركات، وتسلسل المشاهد، ممّا يسهّل علي القارئ المتابعة، أو حتّي الانضمام، ليصبح واحدا من الشخوص، فيتعامل مع الحركيّة مندمجا كلّيّة في ما أراده الكاتب من فلسفة، أو آراء أو أحكام، دون فصيح خطاب أو عظة من الكاتب.
فمعلّم المبارزة مثلا، هي قصّة مغامرات وتحرّيّات بوليسيّة، فيها خيانات وألاعيب سياسيّة، تجري بمدريد عام 1868.إنّها قصّة عالم مقامرين، وباعة متجوّلين، يبعدهم عن غاياتهم شيش بيد شريفة. والقصّة هي قبل كلّ شيء مجاز عن سلطة المال والطّموح السّياسيّ، وانعدام قيم الشّرف والإخلاص في القرن العشرين.
أمّا لوحة فلاندس التي نالت عدّة جوائز،  فهي قصّة رسّام فنلندي، يدخل في إحدي لوحاته، وفي شكل لعبة شطرنج تُلعب سرّا، كان يمكن أن يغيّر تاريخ أوربا. وبعد خمسة قرون، يتفق لاعب شطرنج مع أثريّ ومرمّمة اللّوحات الفنّيّة، علي فكّ اللّغز بإجراء بحث وتحرّيات مثيرة، تفتح فيها حركات قطع الشطرنج، أبواب لغز ينتهي بإدماج كلّ شخوص الرّواية.
قصّة »‬ظل النّسر» تحكي حدثا واقعيا أثناء معركة خاسرة لقوات نابليون في حملته علي روسيا عام 1812.كان ضمن جيش الإمبراطور، طابور من الأسري الإسبان الذين جُنّدوا قهرا، فحاولوا الفرار، ولم يجدوا سبيلا إلا في التحاقهم بالجنود الرّوس.لكن الغريب في الأمر، هو أن نابليون قد فسّر العمل خطأ، واعتبره بادرة شجاعة من الإسبان، فأمر فرسانه بالهجوم فكانت النتائج غير المنتظرة.
هل يمكن التّحقيق في كتاب بطريقة بوليسيّة كما لو تعلّق الأمر بجريمة ؟ فتستعمل صفحاته وأوراقه ورسومه وآثار طباعته، أدلّة وبراهين، وذلك عبر ثلاثة قرون؟ قصّة »‬نادي دوماس» تجيب عن هذا السّؤال، فتكلّف بذلك بطلها المولع بالكتب، يقتنيها لحساب الغير، لمّا طلب منه إثبات هويّة وصحّة مخطوط حول ثلاثة جنود، وفكّ شفرة كتاب غريب، حُرق عام 1667، صحبة الرّجل الذي طبعه. يجرّ البحث والتّحقيق البطل، ومعه القارئ، إلي مغامرات خطرة، تحملهم من محفوظات الفاتيكان، إلي أغرب المكتبات، قديمة مغبرّة وحديثة أنيقة.
إنّ »‬ أرض الكومنتشي» بالنسبة لأيّ مراسل حربي، هي المكان الذي يأمر فيه الحدس بإيقاف السيارة، والعودة، وهو المكان الذي يبدو فيه الغروب دوما قريبا فيجبر المرء علي السّير ملتصقا بالجدران، نحو مصدر الطلقات التي تدوي عن بعد، بينما هو يسمع وقع أقدامه فوق الزّجاج المحطم الذي لا تخلو أرض حرب منه، وحيث لا يري أحدا أمامه، ولكنّه يشعر بأنّ الأعين ترصده. في أرض الكومنتشي يترك الكاتب لأول مرّة الخيال، ليجعلنا نجابه رؤي أكثر واقعية، كلّها وحشية، لا تخلو من الحنان ولا السخرية من مراسلي الحرب في يوغسلافيا. إنه تقرير مثير يقرأ كالقصة، أو إنها قصة في شكل تقرير، يجبر علي طرح سؤال وهو: هل توجد حقا أخلاق في الخطّ الفاصل بين الحياة والموت.
هذه نبذة مختصرة عن بعض قصصه، ولابدّ أن نختم بآخر أعماله - عند تحبير هذه الأسطر: وهو» رسّام المعارك» التي اقتلعها من حياته، وافتكّها من ذاكرته الشخصيّة واستعمل فيها العلم والرّسم، ليشرح هول وفظاعة الحروب التي لا تنمحي من ذاكرة من عايشها حسب قوله: »‬ إنّ من التصق بآلام الحرب، وواقعيّة الحياة، لن يعود منها أبدا، فهو يبقي مطبوعا بها إلي الأبد.» إنّ هذه القصّة كما يقول »‬غوتيارث» هي أكمل عمل لأرتورو بيرث ريبارتي. فهي تتكوّن من ثلاث شخصيات فقط، وهي تجسيم النظرة الصّافية للعالم والعلم.» »‬ ففيها وبها، أعطي المؤلف - حسب قول خوسي مانويل صانشث رون  أحسن وأخلص ما في نفسه.» أمّا نحن فنقول إنّ هذا العمل، حسب رأينا، هو أكثر أعمال أرتورو حدّة وحزنا، وهو أيضا أكثرها جلاء وطموحا فكريّا وأدبيّا.
لعلّه من الجدير إضافته، ختاما لهذه الدّيباجة، التذكير بأنّ من أصعب ما يواجهه الكتّاب، ومن أكثر ما يُحكم عليهم عبرَه، وصفهم أبطالَهم ومحيطَهم والمناخَ الذي يريدون وضع القارئ فيه . لذا قد يكون من المفيد إدراج نبذة ممّا يأتيه قلم هذا الكاتب القصّاص، في مجال الوصف والرّسم بالكلمة. كتب في قصّته »‬ معلّم المبارزة » السالفة الذكر، متحدّثا عن لقاء بين البطلين: »‬ عم مساء يا سيد أستارلووا. أشكرك كثيرا علي تلبيتك موعد امرأة لا تعرفها. كان نغمها لطيفا بشيء من بحّة في صوتها المكيّف بلهجة أجنبيّة تكاد لا تُحسّ ولا يمكن تحديدها. انحني معلم المبارزة علي اليد الممتدّة إليه ولثمها بشفتيه. يد ناعمة، خنصرها مقوّس في ظرف نحو الدّاخل . بشرتها لونها لطيف أسمر وناضر. أظفارها قصيرة جدّا كأنّها أظفار رجل أو تكاد، بدون دهان ولا أيّ طلاء، والزينة الوحيدة خاتم، حلقة نحيفة من الفضة. رفع رأسه ونظر إلي العينين. كانتا كبيرتين لونهما بنفسجيّ بقزحيات ذهبيّة صغيرة، تبدو وكأنها تضخم إذا اقتبلت النور. كان الشعر أسود، غزيرا، مشدودا إلي الوراء بمشبك من صدف في شكل رأس نسر. إنها، كامرأة، طويلة القامة، إذ هي تقلّ بوصتين عن قامة السيد خايمي. تناسب أعضائها يمكن اعتباره عاديا، ولعلها أنحف بقليل من امرأة عادية اليوم، بخصر لا يحتاج إلي مشدّ إذ إنه نحيل أنيق. كانت ترتدي تنورة سوداء بلا زينة، وقميصا من الحرير الخام مطرّز الصدر. كانت فيها لمحة رجولة زادها بروزا ندب صغير في ملتقي الشفتين الأيمن، وهو ما طبع علي فمها ابتسامة مبهمة دائما. هي في فترة العمر الصّعبة التحديد بالنسبة للنساء، بين العشرين والثلاثين عاما. فكر معلم المبارزة أن ذلك الوجه الصبوح قد يدفعه، ولا شك، إلي بعض الجنون لو التقاه أيّام شبابه المنقرض.»
أليست هذه صورة شمسية، أو هي رسم أبدلت فيه الريشة بالقلم ؟ أترك الحكم للقارئ وكي يزيد تمعّنا وتمتّعا، أضيف من نفس القصّة وصفا آخر حيث يمزج الكاتب الوصف الباطني، أو قل التحليل النفساني، أو هو تجسيم وتصوير المشاعر والأفكار والأحاسيس، بالوصف الجسدي المادي إن صحّ التعبير. كتب يقول:
»‬ أعرف أنّ حضوري هنا يقلقك يا سيد خايمي. حوّل نظراته دون أن يعرف ما يجيب. خلعت أديلا دي أوتيرو قبّعة القش واضعة إياها مع المظلة فوق منضدة الكتب المغطاة أوراقا غير منظمة. كان شعرها مشدودا إلي عنقها كما كان في لقائهما الأول. فكّر خايمي استارلووا بأنّ الفستان الأزرق يدخل نغمة ملوّنة غير عادية علي زينة الشقّة المتقشفة. هل أستطيع الجلوس ؟ سحر وجاذبيّة. كان واضحا أنها ليست المرّة الأولي التي تلجأ فيها لتلك الأسلحة. جئت متجوّلة وهذه الحرارة تخنقني. تمتم المعلّم متعجّلا عذره عن عدم حذقه، داعيا إياها للجلوس علي المقعد المستهلك جلده المشقق من أثر الاستعمال. قرّب لنفسه موطئا، وجلس علي مسافة معقولة صلبا وحذرا. نحنح عازما علي ألا يترك نفسه يُجرّ إلي ميدان بديهيّة مخاطره....بذل جهدا كي يسيطر علي مشاعره منتظرا جوابا. لم تتكلّم هي في الحين، بل أخذت وقتها في هدوء فبدا ذلك لمعلم المبارزة مغيظا. حامت العينان البنفسجيتان حول الغرفة كما لو كانتا تنتظران اكتشاف دلائل لتقييم الرّجل الذي أمامها. اغتنم السيد خايمي ذلك ليدرس تلك الملامح التي كثيرا ما شغلت فكره في الأيام الأخيرة. كانت الشفتان ممتلئتان ومرسومتان بدقّة كشق السكين في فاكهة ذات لباب أحمر وشهيّ. فكّر مرّة أخري أنّ الندب عند ملتقي الشفتين، بدل تقبيحها، أضفي عليها جاذبيّة خاصّة موحيا بأصداء عنف غامض.»
هكذا يمزج الكاتب أرتورو بارث ريفارتي وصفه أو تحليله النفساني بالوصف أو الرّسم الجسماني، فيتقن ويحسن وهو في ذلك من الناجحين. ليس هذا فحسب، فهو لا يزال يُنشئ ويثري عالم القصّة إذ سيصدر مولودا جديدا بعد شهر من تحبير هذه الأسطر، أي في منتصف الشهر   العاشر من عام ألفين وستة عشر. ستحمل القصة عنوان »‬فالكو» وبها يدخل أرتورو دنيا الجوسسة والمناورات فيلقي بنفسه بين الجواسيس والخونة. ادع له بالنجاة والسلام.

تعليقات القرّاء