رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

السردية الإسبانية ..نظرة علي الأسئلة الفنية والاتجاهات


8/12/2017 11:49:05 AM

 لم يكن السرد الإسباني بعيدًا عن اضطرابات القرن العشرين، سواء الاضطرابات الأوروبية أو الداخلية، ولعل الحرب الأهلية التي استمرت لثلاث سنوات (1936-1939) وما تبعها من ديكتاتورية الجنرال فرانكو حتي 1975، كان لها ظلالها الكبيرة علي هذه السردية، ثم بداية من السبعينيات يمكننا الحديث عن سردية أخري مختلفة، وتنوعت في اختلافها في العقود الأخيرة.
جدير بالذكر أن إسبانيا تصدر سنويًا ما يتجاوز 60 ألف كتاب، ولديها أكثر من ستين جائزة أدبية وفنية، وما يزيد علي 250 مؤلفًا معروفًا، لهم اتجاهات أدبية مختلفة ومتنوعة، ولهم نظرتهم الخاصة للعالم. إنهم أحفاد ميجيل دي ثيربانتس العظيم، الكاتبون بلغته، والمقدرون لهذه المسؤولية. هؤلاء الكُتّاب مروا بالعديد من مراحل التطور، كما مر بها السرد نفسه نظرًا لاختلاف السياقات السياسية والسوسيوثقافية، وهو ما نحاول أن نرصده في هذا البستان، دون أن نعد أن باستطاعتنا تغطية هذا المشهد الكبير، إذ ما نروم إليه، بكل تواضع، أن نلقي نظرة بانورامية علي العديد من أجيال القرن الفائت وصولًا إلي كُتّاب لهم أثرهم الكبير في اللحظة الراهنة. بهذه الطريقة، برسم هذا المشهد، يمكن للقاريء أن يكوّن فكرة عن السردية الإسبانية الآن وفهمها في سياقها الصحيح.
جـيـل 98
خسرت إسبانيا آخر مستعمرة لها،  وهي كوبا،  عام  1898،  فعرفت تفكّكا وانهيارا،  فلم تعد كما كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس،  بل صارت منزوية منعزلة مjقوقعة،  تبتعد عن شواطئ أوروبا كالقارب الذي جرفته الأمواج فتاة في الأعماق. فكان لزاما إعادة الحياة لها وإرجاعها إلي البودقة الأوروبية،  وهذه هي المهمّة التي حدّدها ووضعها علي أكتافهم أبناء جيل 98.
يعتبر هذا الجيل الباعث للحياة الأدبية الإسبانية بعد ركودها، إذ افتتحوا عهدًا ذهبيًا جديدًا،  أو علي الأقل عهدًا فضيًا. فالعظمة قد انهارت،  لكنّ القيم الفكرية بقيت سليمة،  وهكذا نري أن هذا الجيل المتمثل في ميجيل دي أونامونو، آثورين، مايثتو، وأنطونيو ماتشادو، أعاد للحياة الفكرية الإسبانية نشاطها وقيمها وحركيتها، والأحسن من كلّ ذلك أن هؤلاء الأدباء فتحوا المجال لغيرهم،  فنشأ بعدهم جيلان آخران نهلوا من معارفهم وأفكارهم. وهو ما أشار إليه جان دسكولا في كتابه »تاريخ إسبانيا الأدبي»‬، إذ أكد أنها »‬أجيال تكفلت بالمحافظة علي لمعان العهد الذّهبيّ الجديد وهم جيل 98،  والشعراء المجددون،  وجيل أورتيجا إي جاسيت، وجيل جارثيا لوركا  أو جيل 27،  الذي بدأ لمعان إنتاجه في العقد الثالث من القرن  20. فمن أونامونو، إذن،  إلي لوركا لم تخفت الشرارة».
جيل 27
   في 1923، حين استحوذ الجنرال بريمو دي ريفيرا علي السلطة،  برز جيل جديد سمّاه بعضهم أحفاد 98،  وهو جيل الشعر الجديد، إذ أن معظم أفراده شعراء يبحثون عن مواضيع شعرهم في المدنية المعاصرة،  تاركين العامل التأثيري جانبا،  ومحبّذين التلاعب المجازي والاستعارة والاقتراب مما هو شعبي. هنا نلتقي بنجوم سطعت شعريا تحمل أسماء مثل ألبيرتي وساليناس وبيثنتي ألكسندر وخورخي جيان، غير أن النجم الذي لمع وحقق شهرة عالمية أكبر بين أفراد جيل 27 كان فيديريكو جارثيا لوركا.
السرد في الـ 40
 أثناء الحرب الأهلية، ظهر ما عرف بالسرد الحربي، إذ انحازت كتابة تلك الفترة لمعالجة الحرب، من هنا حدثت قطيعة مع التقاليد السردية السابقة،  فانعدمت المبادرات التجريبية والتجديدية،  ثم أتت الرقابة فزادت في عرقلة كل تطور.
 لقد أدت الحرب الأهلية ثم الديكتاتورية إلي عزلة ثقافية نتجت، من ناحية، عن غياب الكُتّاب الكبار إما بموت أو بهجرة،  ومن ناحية أخري عن فرض رقابة حديدية، سواء سياسية او كنسية. هذه الأجواء المسمومة أدت بدورها إلي فراغ في عالم النشر، دفع إلي الاستعانة بالترجمة لملء وتشجيع الفن الذي يمدح المنتصر ومآثره، أو يتجنب هذا الموضوع تمامًا.
 لكن سرعان ما برز كتّاب شقوا طريقهم رغم الحرب والهجرة والعزلة والرقابة وانعدام الورق وكثرة الترجمة،  ورغم انعدام المعلمين والنقاد. فما أن انتصف عقد الأربعينات،  حتي بدأ التغلب علي الصعاب،  وظهر القرّاء والناشرون،  وبُعثت جوائز أدبية،  أولاها جائزة »‬نادال» عام 1945،  تخليدا لاسم الكاتب »‬إوخينيو نادال» (1916-1944)، فتطوّر الأمر في سنوات، وظهر جيل 50  الذي لم ينطلق من صفر، فبرز اسم كاميلو خوسيه ثيلا وكارمن لافوريت وميجيل ديليبس وخوان جويتيسولو.
جيل 50
اتجه هذا الجيل للواقع والمحسوس، فصارت هذه العشرية أرضًا خصبة ودسمة للسرد، ومعها دبأت مرحلة جديدة تحديدًا من 1954 مع عناوين مثل »‬ألعاب يدوية» لـ خوان غويتيسولو، و»‬المرح الصغير» لـ آنا ماريا ماتوتي.
بحلول عام 1956 توطد التيار وبرزت محاولات جادة عميقة للتجديد ساعدتها ظروف تاريخية،  منها خروج إسبانيا من العزلة التي فرضت عليها وبداية دخولها في البودقة العالمية،  ومنها تحرر ثقافي متواضع وتحاور مع المهاجرين من الكتاب. هذا بالإضافة إلي تطور اجتماعي واقتصادي في البلاد  كان من مظاهره غزو المدن والنزوح إليها من الريف، ودخول الآلاف من السياح  وامكانية السفر إلي الخارج والإطلاع علي آداب أخري مخالفة.
لم يكن الاختلاف منعدمًا،  كما هو طبيعي،  بين أبناء هذا الجيل،  لكنهم كانوا ذوي نظرة موحدة أيديولوجيًا،  وكان لهم نفس الاهتمام بالمواضيع. هكذا اتجه هذا الجيل في اتجاهين: أولهما »‬الواقعية الجديدة»، وثانيهما السؤال الاجتماعي. اهتم الأول بالنقد الخفيف المستتر، واسس للقصة السياسية ذات البعد الاجتماعي، وأبرز كتّابها إجناثيو ألديكووا، فرناندث سانتوس، آنا ماريا ماتوتي وكارمن مارتين غايتي. أما الثاني فكانت القضايا الاجتماعية حاضرة بقوة تحت سطوة الديكتاتورية، ومنهم كاباييرو بونالد، جارثيا أورتيلانو، والأخوان خوان ولويس جويتيسولو.
     أهم ما ميز هذا الجيل هو خفوت الفردي لمصلحة الجماعي،  ما يجعل المجتمع الإسباني موضوعًا سرديًا، بكل ما فيه من ظواهر وقضايا وتقاليد، أهمها حياة الريف الصّعبة وعالم والعمل وحياة المدن،  وخاصّة ضواحيها  التي أصبحت مأوي للنازحين من القري. ولعل ابرز ما ظهر في هذا السياق رواية »‬خلية النحل» للإسباني الحائز علي نوبل كاميلو جوزيه ثيلا، وكذلك »‬ألعاب يدوية» لـ خوان جويتيسولو، التي اتخذت البرجوازية موضوعًا لها.
اختار هؤلاء الكُتّاب »‬الحاضر» ليكون زمنًا لأعمالهم، وذلك بغرض إثارة الواقع والقيام بالدور الاجتماعي المفروض والمتوقع من الكتاب. أما الأسلوب فتميز، بحسب النقاد، بتعرية اللغة من جمالياتها وجزالتها واللجوء لتراكيب ومفردات بسيطة تؤدي الغرض التوصيلي لتنال شعبية أكبر.
الـ 60
علي المستوي السياسي، ارتخت يد فرانكو إلي حد ما بدايًة من هذا العقد، وحدثت تغيرات ملحوظة علي المستوي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في إسبانيا، تغيرات آتت ثمارها في السبعينيات، خاصة بعد موت فرانكو في عام 75. لكن الحقيقة أن التغير الأدبي كان سابقًا علي التغير السياسي، بحسب ما أكده المفكر آنخل باسنتا بقوله »‬ومرة أخري سبق الأدب».
يعتقد النقاد أن عام 62 كان بداية مرحلة التجديد، وفيها تفاعل الجيل الجديد مع الأجيال السابقة، مثل ثيلا وديليبيس والأخوان جويتيسولو، بالإضافة للظروف التاريخية والتنمية الاقتصادية وتخفيف الرقابة وبداية التواصل مع الخارج. ولعل العامل الهام في هذا التجديد يرجع أيضًا لعزيمة الكتّاب وتحديهم ورغبتهم العنيدة في التجديد، من هنا ظهرت تكنيكات جديدة وتقديم وجهات نظر فنية غير مطروقة.وبالإضافة للأسماء المشار إليها، نجد جونثالو تورّينتي بايستير، لويس مارتين سانتوس، من بين آخرين.
من 76 إلي 2005
مات الجنرال  فرانكو في نوفمبر عام 1975،  فكانت نهاية الديكتاتورية وبداية الانتقال الديمقراطي والديمقراطية، بما فيها من حريات وانفتاح. كل هذا فتح الأبواب علي مصراعيها في جميع المجالات والنشاطات الحياتية،  بما فيها الثقافة،  فعرفت البلاد عهدا جديدا،  عهد الحرية التامة وزوال الرقابة والاقتراب من أوروبا ثم الانضمام إلي اتحادها، والاطلاع أكثر فأكثر علي الثقافة الأوروبية،  وتصدير الثقافة الإسبانية إلي الخارج فعُرفت أكثر،  فأثر كل هذا تأثيرا كبيرا في هذه المرحلة الثقافية الجديدة،  وخاصًة السرد.
عرفت بداية هذه المرحلة السرد السياسي المكتمل،  ثم تعدّدت المواضيع بسرعة فظهرت كل صنوف واتجاهات السّرد والقصص. وأكثر ما أثري هذه المرحلة اجتماع الأجيال فيها، فنجد أبناء جيل 36 »‬ ثيلا،  وديليبس،  وتورّنتي»،  وكتّاب جيل الـ 50، ومنهم جويتيسولو ومارسيه»،  وجيل 68  مثل باثكيث مونتالبان وإدواردو مندوثا ومن بعدهم خوان خوسيه مياس. ثم يظهر في الثمانينات روسا مونتيرو، خيسوس فيريرو، خوستو نابارّو، أنطونيو مولينا.
 تناول هؤلاء الكُتّاب قضايا إنسانية بشكل عام، ثم لجأ بعضهم للجذور وبحث عن الهوية الإسبانية والتعمق في مفهوم الإنسان الإسباني المعاصر.
  من هنا اتسعت الخريطة، وتعددت النماذج، فتجاور السرد التجريدي والفانتازي مع السرد الواقعي والتاريخي، واللغة الشعرية مع اللغة الجافة، والأدب الجاد مع البوليسي وقصص التحري، ومن هنا ظهر أنطونيو مونيوث مولينا وأرتورو بيريث ريبيرتي.