رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

جيل التسعينيات والتأسيس لكتابة مغايرة


8/12/2017 11:51:22 AM

قبل أن أشرع في تقديم الكاتب الذي اخترته ليكون أول من يقدم إلي القراء، أريد أن أشرح ما أعنيه بكلمة جيل،  وأوضح مفهومها. بحسب خوسيه ماريا إثكيرردو، هناك ستة شروط  يجب توافرها في المجموعة حتي يطلق عليها اسم جيل:
1- تقارب تواريخ ميلادهم.
 2- توافق في محصولاتهم العلمية.
3- وجود تواصل اتصالات وروابط شخصية بينهم.
4- أن يكون للواحد منهم تجربة داخل الجيل.
5- أن تكون لغته لغة ذلك الجيل.
6- أن يوجّد بينهم موقف ناقد فعال اتجاه المجموعات الفنية والأدبية السابقة.
علي هذه الأسس، وتماشيا مع ما استعمله النّقاد ومؤرّخو الأدب الإسباني،  تمت تسمية الأجيال: جيل 98،  و27،  و36،  ونصف القرن،  وجيل الستينات،  ولاحقه جيل الثمانينات،  وآخرهم جيل التسعينات الذي سأتوقف عنده برهة كي يعرفه القارئ،  إنه »الراقص»‬ اليوم في الميدان  إلي جانب سابقيه  و هو الذي يعمّر الساحة،  مستحوذا علي العديد من الجوائز و لو أن ثماره، أسلوبا وموضوعا، لا تصل إلي مرتبة الأجيال السابقة التي لا يزال الكثيرون من عناصرها متواجدين،  يثمرون وينتجون.
عن المنتج السردي
 يتميز ساردو التسعينيات بالتشابه الكبير في المظهر والصفات،  من ذلك مثلا انتماؤهم لشريحة اجتماعية واحدة، ولو اختلفت نشاطاتهم الثقافية. لقد هجموا علي الساحة بإنتاجهم،  فحصل الكثير منهم بعضهم من أوّل إنتاج له علي جوائز أدبيّة مرموقة  تمنحها دور النشر ذو ثقل ثقافي، ما لفت النظر إليهم، وفرض التساؤل عن جدارتهم ومنتجهم. الحقيقة أن الأجوبة تتعدد بتعدد الرّاغبين في الإجابة،  لكن ليس من المغامرة القول إن معظم هؤلاء الكتاب قد عرفوا كيف ينسقون ويوفقون بين نوعية وموضوعية نصوصهم،  مع عملية التسويق وتقنيته التي تتوخاها بعض دور النشر الباحثة عن تجديد رصيدها من الكتاب. كتاب يرضون أكثر فأكثر سوق قراء تتسع وتزداد اتساعا  بشباب صاعد لا ارتباط له بكتاب الخمسينات ولا الستينات ولا السبعينات ولا الثمانينات،  وذلك لأسباب تاريخية واجتماعية وعقائدية.
جمهور القراء من الشباب،  وأكبر من الشباب أيضا،  لم يعرف الحرب الأهلية  ولم يعش فترة ما بعد الحرب وما احتوته من ظلم ودكتاتورية تحت نظام فرانكو، بل ربما لم يعرفوا مرحلة الانتقال الديمقراطي لصغر سنهم إبانها. ثم إن لغة الكتاب الشبان لغة الشباب الجديدة، البعيدة عن القيم والأخلاق والعادات القديمة، لغة ابنة الواقع اليومي المتجدد، بذلك اتخذت منهاجا جديدا. جيل التسعينات، إذن، كتب ويكتب بهذه اللغة البسيطة،  البذيئة في بعض الأحيان لاستعمالها مفردات كانت تعتبر قبيحة فيما سلف،  وها هي الآن لغة الأدب.
 وخلاصة القول إن التسعينات عرفت ظهور مجموعة من الساردين أصحاب صوت خاص، لهم مواضيعهم التي يعالجونها كما لهم لغتهم الجديدة المختلفة عن الأجيال السابقة، ولا تري لنفسها أي علاقة بمقاومة نظام أو وضع ما،  سبق وهيمن وظلم،  أو بكفاح للبقاء علي الحياة. إن صوتها هو صوت تعبير عملي اتجاه أزمة عولمة القيم الثقافية الغربية،  ولعل فيه محاولة توفيق أو تصحيح للمعاصرة والتجديد،  وفيه تعبير عن شك وارتياب أمام خطابات كبيرة منادية بالعولمة،  والتي تجابه أزمة قد لا نخطئ في تسميتها بأزمة ثقة. ويتصف صوت هذه المجموعة،  أو هذا الجيل،  بشئ من الراديكالية في استعماله السخرية أمام القوانين الثقافية الموجودة اليوم،  ولذا فبالإمكان وإلي حد كبير اعتبارهم تعبيرا ناقدا لمجتمع مشلول من طرف سيطرة أو هيمنة ما سمّي بالتفكير الموحد، وهي عبارة معاصرة للمظاهر الأكثر عولمة وشمولا،  والمزورة للنظام النيوليبيرالي الاقتصادي.
 قد يتبادر إلي ذهن القارئ  أن الجيل الشبابي هذا يعيش في معزل عن غيره. إن ظنا مثل هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع. فمن غريب الأمور،  وربما من حسن حظ أبناء هذا الجيل،  أن يتعايش كتّاب التسعينات مع أسلاف ينتمون إلي ما يقرب من خمسة أجيال من كتّاب سبقوهم،  ولا يزالون ينتجون ويثمرون ويسيطرون بكل جدارة وحق  علي سوق السرد المعاصر كما وكيفا. فكتُّاب مثل أنطونيو جالا (1936)  يسيطر منذ الستينات علي الساحة الأدبية بشعره  ورواياته ومسرحه،  ومثله خوسيه لويس سامبيدرو (1917) وهو إلي يوم وفاته في 2013 كان يكتب دون توقف ويحصد الجوائز واحدة تلو الأخري، ومثلهما أنطونيو مونيوث مولينا (1956) ومعهم ارتورو بيريث ريبيرتي، الذي تحقق رواياته مبيعات هائلة عطفًا علي جودة العمل. أما من النساء، فهناك أسماء لامعة مثل كارمن مارتين جايتي(1925) من جيل نصف القرن،  وآنا ماريا ماتوتي.
  ولعل من أبرز أسماء القرن العشرين خوان جويتيسولو وخوان مارسيه وفرنثسكو أومبرال، الذين تزدهر ساحة السرد بإنتاجهم الجيد والمتعايش جنبا إلي جنب مع ثمار أبناء جيل التسعينات.
ليس من المبالغة في شئ القول إن الحياة الأدبية في إسبانيا،  رغم هيمنة المادية  وكثرة العروض الترفيهية التي قد تحُول دون الاهتمام بالأدب، مليئة بالحركة،  مزدهرة مثمرة،  لا يقلّ جمهورها عن جمهور أي نشاط آخر، لا حبّا في الأدب فحسب،  بل استجابة لدافع الاستهلاك الذي،  ولئن برز مسيطرا في الماديات،  فهو أيضا متواجد في عالم الأدب والثقافة.  إن أحسن دليل علي ذلك،  كثرة إهداء الكتب في مناسبات الهدايا،  كأعياد الميلاد الشخصية والكريسماس ورأس السنة. وفي إقليم كتالونيا،  وعاصمته برشلونة،  هناك عيد قوميّ يتهادي فيه المحبون وردة وكتابا. كل هذا دليل علي أن الأدب مزدهر بازدهار البلاد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا،  ورغم هذا فلا تنعدم الشكوي من أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة  قد قضت علي الكتاب أو تكاد. لكن هذه مبالغة،  لأن الأرقام وحدها تدل علي أن وضع الكتاب ليس رديئا،  
ولو أنه،  ككل شئ في هذه الحياة،  في حاجة إلي المزيد من العناية والاهتمام.

تعليقات القرّاء