رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

يحيي حقي وعشاق القاهرة


اعتدال عثمان
9/2/2017 11:40:35 AM



في استعادة ذكري يحيي حقي الأخيرة (يناير 1905- ديسمبر 1992) بدا لي أن كتبه مثل الأصحاب، آنس إليها وائتنس بها، أحفظ العزيز منها علي مقربة لأعود إليه كل حين لكي أتنسم منه "عطر الأحباب" الذين رحلوا، فأستدعيهم من الغياب بكلمة أكتبها لقارئ محتمل، يدخل في زمرة الصحبة بدهشة طازجة، يستملحها.
أما وأن تكتشف فجأة، وعلي غير انتظار، صاحبا أثيرا - لم تكن تدري بوجوده - يطالعك علي أحد رفوف مكتبة عامة، ويحمل عنوان "ترجمات يحيي حقي" فلا بد أن تتلقي الإشارة متلهفا علي قراءة ممتعة،تخطفه فورا وتتصفحه، فتجد كتابا يتوهج بين يديك عشقا لمدينة القاهرة، عشقا بصيرا بالتاريخ والجغرافيا، يحمل بصمات عبقرية جمال حمدان الذي كتب مقدمة ضافية عميقة الدلالة للكتاب.
كتاب "القاهرة" - الصادر ضمن سلسلة " ميراث الترجمة" عن المركز القومي للترجمة في طبعته الثانية عام 2009 - له حكاية، فقد ألفه بالإنجليزية ديزموند ستيوارت، المستعرب البريطاني المعروف عام 1965، واصفا فيه في فصول مكثفة، مكتنزة بالصور والمعلومات والمشاهدات العينية،مدينة القاهرة التي عشقها وأقام بها طويلا، كما نشر كتابا آخر حولها بعنوان "القاهرة العظيمة" عام 1968، وترجم عن العربية عددا من روائع الأدب العربي. أما سبب اختيار يحيي حقي لترجمة هذا الكتاب، فيرجع إلي مناسبة احتشد لها أهل المحروسة، هي احتفال القاهرة بعيدها الألفي عام 1969.
يخاطب حقي قارئه في تمهيد الكتاب منبها إلي أن الحديث حول قاهرة الستينيات التي يتناولها المؤلف موجه لزائر أجنبي لا للمصريين، راسما لهذا الزائر طريقه إلي المساجد والكنائس والآثار المعمارية وأحياء القاهرة القديمة والجديدة، يقيس له من وسط البلد زمن المشوار مشيا بالساعة والدقيقة أو بركوب المواصلات العامة أو عربة تاكسي، ويحدد له أسعار فنجان القهوة، وثمن تذكرة قطار حلوان، ودخول المتاحف، وثمن وجبة الفول والطعمية في الأحياء الشعبية، وغيرها من التفاصيل الدقيقة ذات الخلفية التاريخية. لكن المؤلف الأجنبي لا يعرض الحقائق بصورة علمية جافة،كما يقول يحيي حقي، ولم يخط هذا الكتاب بقلم مؤرخ أو عالم آثار، بل بقلم أديب ابن بلد. فهو يقدم ما أحس به هو ذاته داخل نفسه وهو يجوب أحياء القاهرة. "إنه يعرض أحاسيسه علي لوحة من الحقائق التاريخية التي استمدها من مراجعها الوثيقة، فقد رأي الألوان وأطياف الألوان وشم الروائح وسمع الهدير والصمت واستقرأ الوجوه والأسطح والجدران وأكوام القمامة."
ويعترف حقي لقارئه بأنه وجد في الكتاب أشياء منظورا إليها بعيني الأجنبي تململ لها، لكنه أبقاها كما هي ليكون النص العربي مطابقا للنص الإنجليزي تمام المطابقة. غير أن حقي أضاف إلي الترجمة روحه العذبة المحبة وامتلاكه الساحر للغة، فجاءت رشيقة راقية وحميمة، قريبة إلي النفس، ومنصفة للمؤلف الذي يضعه حقي في سياقه بين من كتبوا عن القاهرة وأشهرهم إدوارد لين، صاحب الأثر المعروف "العادات والتقاليد عند المصريين المحدثين" في القرن التاسع عشر (1836)، وذلك من خلال نظرة جديدة تعتمد علي ثقافة شاملة، تحاول النفاذ بالحس المرهف إلي السر من تحت سطح،تمرح فيه الفوضي والعشوائية التي تغوّلت علي نحو ما تبدو عليه القاهرة الآن.
يلتفت حقي إلي حقيقة أخري ربما اعتدنا عليها في مظاهر القبح الراهن وهي أن الأجنبي "أقدر من ابن البلد علي الرؤية، لأنه ليس مثله ضحية الألفة المستنزفة لجدة الانتباه والعجب، المفضية إلي عناق تموت فيه اللهفة، وإن بقي الحب." ويضيف "أشهد أن ديزموند ستيوارت أراني لأول مرة أشياء كان يقع عليها بصري من قبل ولا أنتبه لها." ولعلنا نشهد هنا أن يحيي حقي ما يزال ينبهنا إلي أن "ألفة القبح" لا تليق بمدينتنا العريقة.
ينقسم الكتاب إلي أربعة عشر فصلا قصيرا مكثفا يتناول أوجه القاهرة الجغرافية والتاريخية والسكانية،ومعالمها الأثرية،والتقسيم الطبقي لأحيائها القديمة والمستحدثة منذ مطلع القرن الماضي، بادئا كل فصل باسم القاهرة، ثم الوجه المحدد الذي يتناوله. فنجد مثلا القاهرة بنت الصحراء، والقاهرة بنت النيل، والقاهرة أم الألوان العديدة، والقاهرة.. الطابع البلدي، والقاهرة الأرستقراطية ..إلخ.
يبدأ الكاتب تناوله للقاهرة من ناحية طابعها الصحراوي، فهي مشادة في حضن الصحراء، ثم من ناحية طابعها النهري، إذ يشقها النيل، ثم يمضي يساير التاريخ في فصول متتابعة يأخذ فيها اللاحق من السابق ويغير معالمه.
وإذا كانت المعلومات التي ترد في الكتاب متاحة في الكتب، وإن تكن مجردة بغير حميميتها التي وصفها يحيي حقي، فإن أهمية الكتاب ترجع إلي جوانب توثيقية لأحوال القاهرة في حقبة الستينيات، وظروف الحياة فيها، بما يخلق نوعا طريفا من المقارنة مع ظروف المدينة الراهنة.
في وصفه لمدينة القاهرة، أكبر المدن الصحراوية، يذكر أنها تمتد 414 كيلو مترا مربعا ويسكنها ثلاثة ملايين وبضعة آلاف نسمة حسب تعداد سنة 1964 التقديري، "وأفضل لقاء لها هو من ناحية الصحراء عبر طريق للسيارات يبدأ من البحر الأبيض المتوسط ويمتد 130 ميلا وسط بيداء متموجة غير مقبقبة إلي أن يتصاعد خلف الأهرامات ليهوي إلي واحة الوادي، فيتراقص علي مساره من نفث عاصمة كبيرة الأطياف ألوان ما بين الرمادي والبني." أما رياح الخماسين فتضفي علي المدينة ــ زرعها وأبنيتها ــ كساء من مسحوق رمادي حتي أن أهداب المصريين الطويلة هي سلاح ضد التراب، لا مجرد زينة" أو آية من آيات الملاحة والحسن.
أما الطابع البلدي في القاهرة القديمة، فيتميز بحضور ابن البلد، وهو "المصري بجلابيته المخططة وصوته الأجش واهتياجه السريع وفضفضته في التعبير عن نفسه بالصوت والإشارة، قد يبدو في نظر السائح الأجنبي الهيّاب شخصا متنافرا مع عاصمة تتراكم عليها المدنية الحديثة، بل قد يبدو شخصا يثير التوجس، أما الذين يكلفون أنفسهم عناء مقابلته (وهو سهل المنال في دكانه الصغيرة أو في مقهاه المألوفة) يجدون ابن البلد هذا - ملح الأرض- شخصا يتصف بالتواضع والصراحة وحب الفكاهة والمساواة بين الناس."
ويري المؤلف أن الطبقة الوسطي هي العنصر الحاكم علي القاهرة الحديثة، وهم يتعايشون مع الطبقات الأخري البلدية، والأرستقراطية السابقة، وما تبقي من الإفرنج، والعناصر النوبية وحتي سكان المقابر. ويجد صلة بين نظام المدافن، وما يستتبعه من واجبات نحو زيارة القرافة في المواسم، وأهل منف -عاصمة مصر القديمة من قبل أربعة آلاف سنة - من حيث طقوس الاحتفاء بالموتي.
أما مقدمة العلّامة جمال حمدان الضافية (77 صفحة من 196 هي عدد صفحات الكتاب) بعنوان:"القاهرة الكبري .. دراسة في جغرافية المدن" فترجع أهميتها إلي إنها تقيم توازنا محسوبا بوعي وحس وطني ناضج بين ما جاء في كتاب المؤلف الأجنبي علي دقته وطرافته، وما قدمه يحيي حقي نفسه من تمهيد، يعد في ذاته قطعة أدبية رفيعة، إضافة إلي مقدمة عالم قدير من أبناء مصر الأفذاذ، ذلك التوازن يحمل رسالة ثقافية مهمة ربما نفتقد إليها أحيانا من حيث إننا أولي بإنتاج معرفة تخص بلادنا، ولسنا مجرد مستهلكين لما ينتجه العالم من نظريات ورؤي.
المقدمة نفسها تمثل قيمة علمية ومعرفية كبري، تعيد إلي الذهن فورا الكتاب الفذ "شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان". وإذا كان جمال حمدان قد قدم في موسوعته الخالدة دراسة بانورامية معمقة لشخصية مصر الطبيعية الجغرافية وملامح تجانسها وتكاملها البشري والحضاري والعمراني عبر التاريخ، فإنه هنا يركز عدسته الكاشفة بأدواته العلمية، ومعارفه الموسوعية، ولغته الشعرية العاشقة نفسها علي موضع محدد هو مدينة القاهرة. يقول: " إذا عُدت المدن العواصم الكبري في العالم، فالقاهرة واردة بالتأكيد في العشرة الأولي أو العشرة ونيف. وهي المدينة الأولي -المطلقة- في قطاع هائل متصل من العالم القديم قد يجاوز ثلثه مساحة، ويتعدي آفاق القارة الأفريقية إلي تخوم الألب ووسط آسيا... وإن حصرت العواصم المخضرمة العريقة في الدنيا، فلعل القاهرة (وأسلافها أو بأسلافها) هي أم المدن جميعا... أما إذا اعتبرنا الوزن الحضاري والنفوذ السياسي والوقع والإشعاع القومي والفكري، فما من عاصمة - فيما نظن- لها في دولتها ما للقاهرة من ثقل ومركزية طاغية وسيطرة وتوجيه، بل إلي حد الإفراط ربما... فها هنا عاصمة تستقطر روح الوطن وترمز إلي جوهر كيانه حضاريا وماديا، جغرافيا وتاريخيا، ربما كما لا تفعل عاصمة أخري."
وعبر رحلة شائقة يستعرض جمال حمدان أثر الموقع والموضع والطوبوغرافيا الاجتماعية (التوزيع الجغرافي للطبقات الاجتماعية علي أرضية المدينة) كما يستعرض التركيب الوظيفي للمدينة بمعني كفاءة توزيع الوظائف التي تحققها علي الأرض، ويحددها بوظائف العمل والإنتاج والخدمات كالتعليم والصحة والترفيه، إلي جانب وظيفة توفير السكن. كما يلاحظ المفكر الكبير وجود عنصرين أساسيين يتقاسمان رقعة المدينة: تخطيط قديم - أو بالأصح لا تخطيط - عشوائي تلقائي يمثل النمط العتيق (وهو النمط الذي استشري خلال العقود الأخيرة في أرجاء القاهرة الكبري، وعلي امتداد محاورها، وطريقها الدائري وضواحيها) وتخطيط هندسي منظم يمثل النمط الأوروبي (نجد نموذجا له في الأحياء والتجمعات السكنية الجديدة) لذلك فإن القاهرة " ترمز بسهولة وبلاغة إلي الثنائية الحضارية في مصر المعاصرة حيث يتعايش القديم والجديد والأصيل والدخيل. وإذا كان قلب القاهرة يلخص التنافر الحضاري، فإن تركيب سكانها يؤكد أساسا التجانس البشري."
يقول جمال حمدان: " هذه إذن هي القاهرة، تاريخ مفعم مجمد أو محفوظ، كل حجر فيه مشبع بعبق الماضي وعرَقه، كل شبر منها يحمل بصمات الإنسان، إنها كبيت جماعي كبير، وكمنطقة مبنية لا مثيل لكتلتها في مصر. عمل فني من مقاس ضخم، مهندسه وساكنه هو المصري."
سلاما لأرواح عشاق القاهرة الذين رحلوا.
وسلاما لمن ظلوا يتهجون أبجديتها الساحرة الخالدة، دون ملل، وبغير شكوي، إلا عتاب المحب الغيور.