رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

البداية في النهاية:

كافكا: السنوات الأولي


جون بانفيل ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر
9/2/2017 11:48:01 AM

لراينر شتاخ طريقة هزلية عند التعامل مع العبارات المُقتبسة، وفي هذا الكتاب "كافكا: السنوات الأولي"، يُصدِّر فصوله بمجموعة مُختارة من المأثورات التي اقتطفها ببراعة من عدد جمّ من المصادر المغمورة. يحمل الفصل الأول مثلًا تصديرًا من أغنية لإحدي فرق الروك الأمريكيّة بثمانينيات القرن الماضي؛ ديفو، يقول: أتحسب أنّك سمعت كل هذا من قبل/ ستسمع الآن المزيد. هكذا هو اعتراف شتاخ الشيطاني أنّ الكتاب الحالي هو الجزء الأول من بين ثلاثة كُتب، نُشر الثاني والثالث أولًا. المزحة لا بأس بها، وهي تجعل القاريء يبتسم علي ما سيتحوّل إلي رحلة طويلة لكن مثمرة جِدًّا؛ إذْ تكتمل بهذا الكتاب واحدة من أعظم السير الذاتية الأدبيّة في عصرنا- وفي الحقيقة، في أي عصر.  
تشرح مترجمة شتاخ المُخلصة؛ موفورة الموهبة؛ شيللي فريش، في مقدمتها للكتاب سبب تأخّر صدور الجزء الأول بقولها:
"مردّ هذا الترتيب في الصدور، الّذي قد يبدو ضد المنطق- بل كافكاويًّا بامتياز- هو سنوات من المماحكات القانونية رفيعة المستوي للحصول علي حقوق الملكية الفكرية لمتعلقات ماكس برود الأدبيّة في إسرائيل، كان الوصول خلالها للوثائق التي تضمها، والتي يتعلّق أغلبها بسنوات تكوين كافكا، محظورًا علي الباحثين."
في أغسطس/آب من العام الماضي أصدرت المحكمة العُليا في إسرائيل حكمًا ضد ورثة برود، وأمرت بنقل الوثائق المحجوبة إلي المكتبة الوطنية في القدس. تقول فريش أنّ شتاخ: »تمكّن من فحص ثلاثة مجلدات تضم يوميات برود داخل هذه المجموعة، والتي تغطّي الفترة من 1909 إلي 1911»‬ ومن الجلي أنّ شتاخ اعتمد بشدّة علي اليوميات- لدرجة أنّ الكتاب ربّما يُنظر إليه خطأ علي أنّه سيرة مُشتركة لفرانز كافكا وماكس برود.
علي أية حال، يبقي لغز. ما دام كتاب شتاخ نُشر في الأصل في ألمانيا عام 2013، فكيف تمكّن إذن من الوصول إلي الوثائق التي لا غني عنها في أرشيف برود، في الوقت الّذي لم يصدر فيه أمر المحكمة بنشرها إلا عام 2016؟ ربّما يضيف مُلحقًا في طبعة مستقبلية يشرح فيه كيف تمكّن من ذلك؛ إذْ يبدو أنّ وراءها حكاية لطيفة تُشبه إلي حدٍّ ما أحداث رواية هنري جيمس أوراق أسبرن، رغم ذلك يأمل المرء ألا يجد شتاخ نفسه بأي مرحلة أثناء رواية الحكاية يصدر صفيرًا غاضبًا ويصيح: »‬ما تكتبه هراء!» كما فعل الراوي البائس في رواية جيمس القصيرة.
> > >
كما تلاحظ فريش، تلقي الكافكاويّة بالكثير من ظلالها علي ملحمة أرشيف برود؛ إذْ لا يوجد إلا بعض الجوانب بشأن كافكا؛ كرجل وككاتب، لا تحظي بالبُعد الكافكاوي. ما احتمال مثلًا أن يحمل فنّان يجعل حيوانًا بطلًا، بل وراويًّا في الكثير من قصصه- لا سيّما بالطبع، التحوّل- اسمًا مشتقًّا علي الأرجح من اسم طائر؛ فكلمة كافكا kavka هي المقابل التشيكي لغراب الزيتون. بل والأكثر فيما يتعلّق بمسألة الأسماء، يُبلغنا شتاخ: »‬كان لقب عائلة أمّ كافكا؛ آل لافيس، يشتهر لفترة ببورياس، علي اسم إله الرياح الشمالية، قبل أن يُصبح بورخيس لاحقًا». يتساءل المرء إن كان كاتب القصص الخرافية الأرجنتيني العظيم كان علي دراية بتلك الصلة الهشّة البدهية بسلفه التشيكي؛ ففي عالم كافكا كل شيء يبدو مستغربًا.
يستهل شتاخ رواية حياة كافكا بأحد المشاهد التي يُعيد فيها اختلاق أجواء يوم مُعيّن ببراعة، واليوم في حالتنا هذه هو الثالث من يوليو/تموز 1883، والّذي كان: »‬يومًا صيفيًّا ساحرًا وصافيًا تهبّ فيه نسمات رقيقة عبر الشوارع الضيقة في المدينة القديمة ببراغ». كان شتاخ قد أفصح حين عمد أول مرّة لكتابة هذه السيرة الذّاتية منذ عقدين تقريبًا، أنّ هدفه هو الكشف: »‬عمّا يعنيه الأمر أن يكون المرء كافكا»، وواحدة من الإستراتيجيات التي يفي من خلالها بهذا الهدف بنجاحٍ هائل هي وضع القاريء مباشرة قدر الإمكان في عالم وزمن كافكا، كما يفعل في هذا الوصف الاستفتاحي البارع لليوم والمكان اللذين شهدا مولد كافكا:
"كان اليوم هو الثلاثاء، ما يعني أنّه كان ثمّة الكثير جِدًّا من الحفلات العسكريّة في المتاجر. بدأ الهرج والمرج بالرابعة عصرًا بالنسبة للسائحين والطلاب والمتقاعدين في الحديقة الواسعة في صوفينينسل. أغلب الناس كان لا يزال أمامهم عدة ساعات أخري من العمل، أمّا تلك الأرواح البائسة التي كانت تكسب قوتها من العمل في متجر فكان عليها الانتظار إلي ما بعد الغروب حتّي تنضم إلي الاحتفالات."
ربّما كانت هذه افتتاحية تليق بإحدي روايات توماس مان أو روبرت موزيل التكوينية. لا تصنع آنية سرد شتاخ منه سردًا موحيًّا بصورة مبهرة فحسب، بل تجعله سهل القراءة درجة لا تُقاوم؛ لتشكِّل المجلدات الثلاث الضخمة عن كافكا عملًا أدبيًّا متقنًا وإشكاليًّا ومسليًّا شأن أي رواية. يكتب شتاخ: »‬ما من سيرة فكرية تدور أحداثها في الحاضرة البوهيمية يُمكن فهمها دون رواية تاريخ هذه المدينة والمنطقة المُحيطة». من ثمّ يعود أدراجه ليُحدد بدايات حكايته بدءً من معركة الجبل الأبيض بالقرب من براغ في نوفمبر/تشرين الثاني 1620، التي لقي فيها حلف الولايات الألمانية البروتستاتني الهزيمة علي يدّ الهابسبورج الكاثوليك. لم تستغرق المعركة التي شارك فيها الشاب رينيه ديكارت، أكثر من ساعتين ولم تزد عن مناوشة، رغم ذلك جري الاحتفاء والتهليل لها بكل أرجاء أوروبا الكاثوليكية، لتستهل فترة عُرفت في تاريخ التشيك بوصفها »‬عصر الظلام» الّذي دام ثلاثة قرون.  
خلال العام التالي، أُعدم سبعة وعشرون بروتستانتيًّا بارزًا من بينهم يان جيسنيوس رئيس جامعة تشارلز في براغ، علنًا في ميدان البلدة القديمة، عقابًا لهم علي التمرّد والتظاهر ضد ضراوة آل هابسبورج المتعمّدة. لا يزال أهل براغ لهذا اليوم يحملون ذكريً قوية لما شهدوه باعتباره تراجيديا الجبل الأبيض، وعن هذا يقول شتاخ: »‬في بعض أركان هذه المدينة، يستطيع التشابك بين الماضي والحاضر؛ الموت والحياة، أن يجعل حضور التاريخ مُخيفًا بشكل لا لبس فيه.»
كان آل هابسبورج لا يزالون راسخين في السلطة عام 1883 حين ولد كافكا داخل بيئة هي مزيج من الاستياءات القديمة والرضا الراهن عن النفس. فعاني تمزّقًا بالغًا بموقفه إزاء مدينته. ولم ينقطع يومًا عن النواح علي حياته هناك، مع ذلك كان عاجزًا عن الانتقال لأي مكان آخر.له عبارة شهيرة: »‬براغ لا تُفلتني؛إذْ لدي هذه الأمّ الصغيرة مخالب». وإذا ما كان قد راود بوهيميا شعور الضحية والمنبوذة، فقد حمل كافكا عبئًا إضافيًّا كونه يهوديًّا في وسط أوروبا- رغم أنّه طالب أسيانًا أن يعرف ماهية المشتركات بينه وبين اليهود، في حين ما من شيء مشترك بينه وبين نفسه. لم يكن أسلاف والديه من أبناء براغ؛ إذْ ولد أبيه هيرمان في قرية بالقرب من ستراكونيتسه جنوب بوهيميا، في حين عاش أهل أمّه؛ آل لافيس، أجيالًا في بودبرادي، وهي بلدة تطل علي نهر إلبه »‬في ظلّ قلعة ضخمة». كانوا كما يكتب شتاخ: »‬عائلة من العلماء وغريبي الأطوار المكتئبين.»
تزوّج هيرمان كافكا ويوليا لافيس عام 1882، وأنجبا فرانز بالصيف التالي. يتعجّب المرء حين يتفحّص صور فرانز كافكا- وهناك عدد مذهل منها بالنسبة لشخص مثله اشتهر بالعزوف عن الأضواء- إزاء غياب الشبه تقريبًا بينه وبين والديه. هيرمان كافكا متين البنية ذو رأس مسطّح ووجه وعنق عريضين. نموذج مُطابق لشخصية بوزو في مسرحية في انتظار جودو، أمّا أبرز ملامح زوجته يوليا ففكها الطويل النحيل. كيف تمكّن هذان الزوجان من إنجاب ابن بالغ الضعف والطول والنحول درجة الهُزال؟ كأنّ هذا المخلوق الفريد صنيعة نفسه. يعجز المرء عن تصوّر شخص يُشبه فرانز كافكا- لا ريب أنّ شقيقاته الثلاث لا يُشبهنه في شيء، هذا إذا اعتبرنا الصور الفوتوغرافية دليلًا موثوقًا- فضلًا عن الحالات التي لا يُشبه نفسه فيها تمامًا.
> > >
يكشف شتاخ عن حدب عميق علي موضوع كتابه في طفولته. أدار والدا كافكا ما جرت العادة علي تسميته متجر خُردة في وسط براغ. كان هيرمان عدوانيًّا متقلّب المزاج، وكثيرًا ما كانت تصيبه نوبات غضب مفاجيء ويُنذر موظفيه علي الفور. لم يعش الصبيان اللذان ولدا ليوليا كافكا بعد فرانز طويلًا؛ إذْ مات جورج جرّاء الحصبة وعمره خمسة عشر شهرًا، ولم يعش الطفل التالي؛ هاينريش، سوي ستة أشهر قبل أن يموت بسبب التهاب السحايا:
"لم تتمخّض تلك التقلبات المستمرة عن أجواء سادها الاضطراب والتوتر فحسب، بل أسفرت عن سلسلة من الافتراقات التي غرست داخل الطفل كافكا شكًّا عميقًا بتجانس العلاقات الإنسانيّة وحذرًا من عالم قد يتلاشي فيه كل من يألفهم أو يُحبهم علي الفور، وإلي الأبد."
بالنسبة لشخص حسّاس ككافكا، أو علي الأقل كما قدّم نفسه كشخص حسّاس- يُمكن جِدًّا النظر إلي حياته في ضوء مُغاير للضوء الّذي سلّطه علي نفسه- كان الهروب من الواقع هو الإستراتيجية الوحيدة المتاحة. يكتب شتاخ: »‬انساق بعيدًا عن الحياة باتجاه الأدب»، حدًّا جعله يُعلن وهو شاب راشد أنّه كان عبارة عن أدب، لا شيء آخر. رغم ذلك يستعرض شتاخ إمكانية أخري مُثيرة علي طريقتها، حين يتساءل: »‬ماذا لو كان الأدب هو طريق العودة الوحيد المتيسر أمامه؟» رغم ذلك، ينبغي علينا أن نتحسس طريقنا بأناة خلال هذا المسار داخل أغوار ذات الكافكا الفنيّة والانفعاليّة، مستحضرين تشكك كافكا بالتحليل الفرويدي-»‬اعتبر الجزء العلاجي بالتحليل النفسي خطأ فادحًا.»- دون أن ننسي ما يشتهر باسم أمثال زوراو )ürau التي يُعلن فيها بحرارة غير معهودة: »‬لا سيكولوجيا بعد اليوم!»
بالطبع، استحوذ تعليم كافكا الرسمي علي أغلب هذا الجزء. قد يتوقّع المرء أنّ تكون سنوات دراسة فنان ذات أهمية عظيمة في سيرته الذّاتية، لكن نادرًا ما يكون الأمر كذلك، وسرد شتاخ لسنوات كافكا الدراسية ليس استثناءً. ربّما يعود السبب إلي أنّ تعليم فنّان هو في أغلبه سيرورة تُدار ذاتيًّا لا يدوّن الارتقاء بها عبر الانتقال بين الصفوف أو نتائج الامتحانات. إن كان هناك أجزاء سخيفة ومملة في الكتاب الّذي بين أيدينا الآن، فهي هنا، كما قد نخمِّن من عنوان الفصل السابع: »‬فرانز كافكا: طالب نموذجي». كان كافكا قارئًا شرهًا لا يكلّ- فبالقراءة يتعلّم الكُتّاب الكتابة- لكنه جرّب يديه بوقت مبكِّر علي الإنشاء أيضًا، وفي الثانية أو الثالثة عشرة قرر أن يصبح كاتبًا.
يروي لنا شتاخ كيف أنّ كافكا: »‬جمع محاولاته الأدبية الأولي تحت اسم مدهش هو: برودة» منتحبًا: »‬يا للقشعريرة التي أصابتني أيامًا في النهاية بسبب ما كتبته!» ليس من الواضح بالنسبة لنا سبب اعتبار كاتب السيرة هذا الاسم الّذي اختاره كافكا مُدهشًا؛ فأول وأصعب درس ينبغي أن يتعلّمه الفنان هو كبح جماح فورات الشباب. كانت إحدي العلامات علي عظمة كافكا هي المسافة التي حافظ عليها بينه وبين كتاباته منذ اللحظة الأولي. القصة الرائعة الحُكم التي كتبها كافكا خلال جلسة واحدة بإحدي ليالي عام 1912، والتي اعتبرها أولي أعماله المكتملة، مكتوبة عند »‬درجة الصفر» بتعبير رولان بارت، وتحافظ علي ثبات مُذهل ونقاء النبرة رغم موضوعها السيري القوي- الابن الّذي يتعرض للإهانة والقهر علي يدّ الأب- وحقيقة أنّ كتابتها تمّت عبر، كما كتب المؤلِّف بنفسه: »‬تفتّح كامل للجسد والروح». دائمًا ما كانت كتابات كافكا نابعة منه وعنه، دون أن يطرأ إليه علي الإطلاق أنّه بذلك يعكس ما في نفسه بشكل مباشر. كان قد كتب مرّة أنّ الفنان هو مَن لا شيء لديه كي يقوله. يقول شتاخ: »‬لن يتكلّم كافكا دائمًا إلا عن فعل الكتابة بوصفه عنصرًا ثمينًا بحقّ. لا عن كتاباته نفسها التي لا تُحيل علي الدوام إلا إلي صورة ضبابية لالتماعة الإبداع.»
كتب كافكا في يومياته عام 1920 عن لحظة توفرت له فيها لمحة واضحة عمّا يمثِّله له لهب الإبداع الحقيقي. كان يجلس يومًا: »‬منذ سنوات عديدة... فوق منحدر اللورينزبرج» التل الموجود في قلب براغ الّذي يلعب دورًا في قصة وصف معركة مُطيلًا التفكير في : »‬الأمنيات التي أرجوها لحياتي.»
"كانت الأمنية الأهم أو الأكثر جاذبية هي تحقيق رؤية للحياة(و-وهو ما لابد منه- إقناع الآخرين بها من خلال الكتابة) تستبقي فيها تتمتها الطبيعية الكاملة من الصعود والانهيار، لكن تُدرك في ذات الوقت باعتبارها لا شيء، كأنّها حلم، أو رفرفة."
يوجز شتاخ ببراعة هذا التجلّي الفنّي- وهو تذكير لافت للنظر بلحظة الانقطاع تلك في مسرحية بيكيت شريط كراب الأخير حين يدرك كراب أنّ هدفه لابد كان السماح للعتمة أن تتسرب إلي أعماله وهوالّذي قضي حياته بأكملها يكافح لإبعادها- حين يكتب: »‬عصف حضور الوجود والعدم في الآن ذاته؛ في نفس الموضوع أو نفس الجملة، بكافكا كدلالة علي الكمال الّذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش.» والفن يستحق أن يُصنع.
يُقدِّم كتاب "السنوات الأولي" كافكا أثناء فترة المدرسة والجامعة وحياته كلها بوصفه: »‬الموظف المساعد المُبجَّل» كما كتب شتاخ بأحد عناوين فصول الكتاب. كره كافكا عمله ككاتب تأمين، لكنه تشبّث بمكتبه كأنّه طَوْف الميدوسا. كان يعيش داخل المكتب حالة من الإحباط الشديد، ورغم ذلك أبصر التمثيلية الهزلية بورطته:  
"أمامي عمل كثير جِدًّا!... الناس يتساقطون من فوق السقالات إلي قلب الماكينات كأنّهم سكاري. كل العوارض تتهاوي، والسدود تنهار، والسلالم تنزلق. كل ما يحمله الناس يقع، وكل ما يضعونه فوق الأرض يتعثرون به. وأنا أعاني صداعًا بسبب كل أولئك الفتيات العاملات في مصانع الخزف اللائي يتقاذفن أكوامًا من آنية الفخار أسفل الدرج."
شتاخ ليس أول من يُعلِّق علي خصوصية العلاقة بين كافكا ورفيقه بالكتابة ماكس برود التي استمرّت طوال حياته. كانت السيرة التي كتبها برود عن صديقه قد تعرّضت في أواخر الثلاثينيات إلي هجوم من فالتر بنيامين؛ الّذي أقلقه بشكل خاص ما اعتبره تفسير برود الديني الواهم كُليًّا لكتابات كافكا. حيثُ يري شتاخ صِلة كافكا ببرود النازح متوسِّط الثقافة تعبيرًا عن تعلّق نموذجي بشخصيات ذات إدراك أقوي، وربّما أساسي أكثر للحياة والأعمال المعيشيّة:
"أحسّ كافكا بتقارب أكبر مع من لديهم هِمّة أسمي يستطيع أن ينال نصيبه منها دون أن ينحني أو يُشاطر الآخرين حيواتهم. مَن يستطيع أن يتعلّق بدفقات طاقاتهم دون التنازل عن السيطرة علي هذه الجرعة من الطاقة."
كأنّ كافكا؛ إذْ يؤمن أنّه يعجز عن الحياة إلا من خلال الآخرين، قد اعتبر برود مثالًا ملائمًا شأنّه شأن أي شخص آخر. رغم ذلك يصعُب أن نتصوّر ثنائيًّا غير متجانس أكثر منهما. انحدر برود الّذي يصغر كافكا عامًا، من أسرة يهوديّة تنتمي للطبقة المتوسّطة- كان أبوه مصرفيًّا ناجحًا- وبالتالي ألفي التعاطف صعبًا مع الضجر الاجتماعي لدي كافكا ابن بائع الخردة وإحساسه بالانسلاخ. بل لقد حاول دفع كافكا لكبح فكرته الحمقاء بشأن شوكة أبيه. يكتب شتاخ متهكّمًا: »‬ونحنُ نعلم مدي نجاح ذلك.»
هناك أيضًا جانب أكثر قتامة فيما يتعلّق بموقف برود التملّكي تجاه كافكا؛ كما يلاحظ شتاخ: »‬جري تحديد تلاعب مقصود لخدمة مصالحه الخاصّة امتد في بعض الأحيان للتبديل في يوميات كافكا». يحرص شتاخ علي أن يكون منصفًا ويكبح ما يبدو أنه نفور غريزي من برود- ربّما كان من الإجحاف أنْ نعزو هذا النفور، ولو جزئيًّا، إلي حنقه الّذي استمر لفترة ليست بالقصيرة بسبب الصعوبات التي واجهها كي يصل إلي أرشيف برود- بل إنّه لا يتساءل كيف استطاع كافكا النابغة احتمال برود الدنيوي،لكن كيف تغاضي برود بالمقابل عن تململات كافكا الانفعالية التي لا تنتهي بشأن كتاباته وصحته وعلاقاته العاطفية. علي أية حال، ينبغي علينا أن نشكر برود علي نجاة أعمال كافكا الكاملة؛ ذلك أنّه قرر تجاهل وصية كافكا له بتدمير أوراقه بعد مماته. لا ريب أنّ المرء قد يغفر بعض التملّك، بل وقليلًا من التلاعب بالحقائق في مقابل تلك الهبة العظيمة للأجيال القادمة- لنا- متمثلة في مثل هذا الكنز الأدبي.
لا يُمكن التشكيك في تعلّق كافكا ببرود. يقدِّم شتاخ سردًا طريفًا رائعًا لعطلة أمضياها معًا عام 1911:
"قال كافكا حين وصلا إلي الفندق: »‬لِنسرع الآن. لن نبقي في باريس إلا خمسة أيام. لنغسل وجهينا ببعض الماء فحسب.» هرع برود إلي غرفته، وضع حقيبته، اعتني بالضروريات، وعاد في غضون دقائق. أمّا صديقه، علي النقيض فقد: »‬أفرغ كل ما في حقيبته، ولم يخرج إلا بعد أن رتّب كل شيء في مكانه» متسائلًا لِم يعاتبه برود."
في طريقهما إلي فرنسا، كانا حريصين علي الوصول إلي هناك سريعًا دون تأخير، لكن عند بحيرة ماجيوري عجزا عن مقاومة التوقّف لبضعة أيام والبدء بالسباحة هربًا من حرارة الجو وإرهاق السفر. يكتب شتاخ مردفًا بوضوح مرائي: »‬تعانقا أثناء الوقوف وسط الماء، وهو ما لابد أنّه بدا غريبًا جِدًّا لا سيّما بسبب اختلاف طوليهما».
تساءلت بيني وبين نفسي، تُري كيف سينهي شتاخ هذا الكتاب الأول، وهي النهاية نفسها للمغامرة المبهرة التي شرع بها منذ سنوات كثيرة مضت؟ الحل الّذي توصّل إليه، الموتسارتي في خفّته الخادعة، آسر جِدًّا، ويجري داخل مصحّة تطلّ علي بحيرة زيوريخ نزل بها كافكا للراحة عقب تلك الرحلة المحمومة إلي باريس برفقة برود. لكم هي مبهجة جِدًّا، وساحرة جِدًّا، الصفحات الختامية التي أصبو إلي إعادة صياغتها، لكنني بذلك أفسد التوازن المثالي الّذي يحققه كاتب السيرة بين الكوميديا والأسي والعبثية الخفيفة، وهي الصفات التي تميّز كتابة كافكا إلي جانب ما بها من سوداوية وإثارة للفزع. ما من خاتمة أفضل لهذا السرد الرائع لحياة فنان شديد العظمة.  
عن النيويورك تايمز

تعليقات القرّاء