رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

صاحب العوالم الأسطورية


صبري منصور
9/9/2017 11:31:40 AM

في عام 1972 أٌقام الفنان الشاب صبري منصور معرضا لأعماله الفنية التي جذبت انتباه الفنانين والنقاد حتي أن الفنان حسين بيكار كتب عن ذلك المعرض قائلا »يدعونا المصور الشاب صبري منصور إلي واقعه المليء بالرؤي .. عالم أسطوري أزرق .. ليلي بلون جدران قلبه .. تسري فيه أطياف بغير شفاء .. بكاء بلا صوت، خرساء لا تعرف الكلام .. حتي يظل السر دفينا، والسؤال يقلق الحيرة وأضاف في موضع آخر : عالم صبري منصور عالم داخلي .. تأملي .. انطوائي .. يجد فيه المصدوع أمنا وراحة وصفاءً نفسياً بعيدا عن صخب الحياة وضجيج المدينة المحموم« .. كما كتب الناقد كمال الجويلي: ينتمي الفنان بوجه عام إلي المذهب التعبيري من خلال حس سريالي ولمسة انطباعية شفافة .. إنه يحول عالم لوحاته إلي أجواء أسطورية تعكس أحزان البشرية كما تنعكس في وجدان الفنان.
وعبر سنوات طويلة قدم الفنان صبري منصور عشرات الأعمال وأقام العديد من المعارض الفردية وحصل علي العديد من الجوائز كان من بينها جائزتين من جوائز الدولة وهما جائزة الدولة التشجيعية عام 1986 في التصوير، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2016. والحقيقة أن السمة الرئيسية التي  ظل  الفنان محتفظا بها منذ بداية مشواره الفني حتي الآن هي تلك البصمة المصرية الصميمة التي لا تخطئها العين . بل وربما يتلخص مشواره الفني فيما قاله في أحد حوارته : لقد كان حلمي هو تقديم رؤية فنية مصرية متأثرا في ذلك بالدعوة التي كانت سائدة خلال الستينيات في مجالات إبداعية آخري كفن المسرح من خلال دعوة يوسف إدريس وأعمال نجيب سرور ومحمود دياب ، وقد كان حافزا لي لاختيار موضوع رسالتي للماجستير «نحو تصوير مصري معاصر  محاولا في دراستي مزج عناصر تراثية بملامح حداثية غربية .. ولطالما  خرجت أعمال صبري منصور مشبعة بصياغات فنية مستمدة من التراث الفني الزاخر لمصر مضافا إليها كما يقول: خلاصة ما استطعت هضمه واستيعابه من عناصر ثقافية وفنية تركت أثرا عميقا في وجداني خلال فترة التشكيل والتكوين.
 رحلة ممتعة قضيتها مع أعمال الفنان منذ بداياته، تمكنت من التعرف علي تفاصيلها من خلال قراءة متعمقة في كتاب «صبري منصور» الصادر عن إيه. أر.جروب للنشر في 184 صفحة بالألوان وباللغتين العربية والإنجليزية متضمنا العديد من المقالات النقدية التي تناولت مختلف المراحل الفنية للفنان بأقلام عدد من أهم النقاد والفنانين ومنهم حسين بيكار ود.نعيم عطية وكمال الجويلي ود. بدر الدين أبو غازي وحامد ندا وغيرهم ، بخلاف المقدمة المستفيضة التي كتبها ياسر سلطان ، وقد خرجت تلك الكلمات متضافرة مع عدد كبير من اللوحات التي توضح مختلف المراحل التي مر بها منصور بداية من لوحة الزار التي قدمها في السنة النهائية كمشروع للتخرج والتي مثلت لديه مفتاح الدخول إلي عالم جديد وآسر ثم مرحلة تأثره بالريف المصري والليل والنخيل و البسطاء، وأيضا مرحلة مهمة خاصة بالحضارة المصرية القديمة..
كذلك تناولت العديد من أعمال صبري منصور علاقة المرأة والرجل بما تحمله من اندماج واحتواء واحتضان وحنان، الأمر الذي تحدث عنه الفنان أثناء معرضه الاستيعادي الذي استضافته قاعة إبداع خلال عام 2016 قائلا إن العلاقة قوية بين الرجل والمرأة وارتباطهما مع بعض يجعل الحياة أفضل، وأكد الفنان أن لوحاته بها دلالات سياسية بطريقة غير مباشرة تبرز شكوي الناس البسطاء وتضرعهم .
ولد الفنان صبري منصور في إحدي قري الدلتا المصرية عام  1943، ونما وعيه البصري ،كما يصفه الناقد ياسر سلطان في مقدمة الكتاب، وسط محيط بالغ الثراء ففي ذلك الوقت وكانت قري الأقاليم معزولة بنسبة كبيرة عن مظاهر المدنية الحديثة في القاهرة.. كانت قرية صبري منصور في ذلك الوقت محتفظة بفطرتها ونقائها القديم كغالبية القري المصرية ... وقد بدأ صبري منصور حياته العملية برسم العديد من الوجوه وهي ذات مسحة أكاديمية لا تخلو من نزعة أسطورية غامضة تكتسي بها ملامح شخوصة كان هؤلاء هم رجال القرية ونساؤها الذين يسكنون وجدانه منذ أن كان طفلا.
وقد  ظلت القرية منبع الخيال وبوتقة الرؤي التي نهل منها صبري منصور عشرات المشاهد ، إلا أنه لم يصورها  تصويرا مباشرا لكنه وظفها بأسلوبه الخاص حيث جمع بين عناصرها في حكايات أسطورية غامضة
وبعد تخرجه سافر صبري منصور في بعثة دراسية إلي أسبانيا .. وكما يصفها ياسر سلطان فترة تأمل ومشاهدة واستيعاب للفروق .. كان الخوف من الوقوع في أسر الحياة الغربية الطاغية بنتاجها الثقافي المهول دافعا له للبحث عن هويته، فإرثه الثقافي لا يستهان به، وعليه حين العودة البحث عن هذه الروح الضاربة بجذورها في عمق التاريخ .. وهي الفترة التي قال عنها الفنان صبري منصور : من ناحية زادت الرهبة في نفسي من طغيان الفن الغربي وسيطرته علي عقولنا وذوقنا الفني، وأيقنت بعدم جدوي الرسم علي منوال ما رأيت في الكتب أو ما تابعت في المتاحف والمعارض، وأنه يمكن لي أن أرسم دون انتهاج أسلوب مدرسة معروفة بدعوي الحداثة ومسايرة العصر، ومن ناحية أخري أدركت أن هضم التراث الفني المصري هو أول الطريق الذي يجب اتباعه لأنه انتمائي الحقيقي.. الذي حافظ عليه الفنان صبري منصور طوال تلك السنوات في كل عمل من أعماله المشبعة بروح مصرية أصيلة.

تعليقات القرّاء