رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أحلم بمتحف للفوتوغرافيا في مصر

مصور فاشل علمني التصوير


أيمن لطفي
9/9/2017 11:36:09 AM

لم تكن جائزة الدولة التشجيعية هي الجائزة البارزة الوحيدة في حياة الفنان أيمن لطفي الذي حصد عشرات الجوائز العالمية، كان من بينها الجائزة الكبري في بينالي الصين عام 2008 وجائزة أحسن صورة فوتوغرافية بنفس البينالي عام 2010، والميدالية الذهبية في بينالي فينسيا الدولي في فرع الفوتوغرافيا التجريبية، إضافة إلي حصوله علي زمالة الجمعية البريطانية للتصوير الفوتوغرافي.. وغيرها.
استطاع أيمن لطفي أن يخرج بالصورة الفوتوغرافية من حيزها التقليدي إلي حيز الفنون التشكيلية المعاصرة، وهو نموذج للفنان صانع نفسه الذي لا يتوقف عن التعلم، فحين رفضت أعماله في أول مسابقة دولية شارك بها، لم يشعر بالإحباط وإنما درس أسباب الرفض جيدا، حتي استطاع في وقت قياسي أن يحصد العديد من الجوائز العالمية.
وعبر سلسلة من المعارض الفردية بداية من عام 2006 خرج أيمن عن الأطر التقليدية للتصوير المباشر، واتجه نحو السريالية والتجريبية ليقدم معارض متنوعة كان من بينها »الشريان»‬ و»‬اللعبة» ، و»‬المزدوج»، و»‬المتخفي» و»الجانب الآخر من الوجوه»، والتي غاص من خلالها في عدد من المواضيع  الإنسانية والسيكولوجية وكذلك المجتمعية والسياسية الشائكة.
في معرض »‬المزدوج» قدم لطفي موضوع الإنسان والأقنعة الكثيرة التي يرتديها لأسباب عدة منها خداع الآخرين أو البحث عن الحماية، أو للحصول علي رضا الآخرين، وللأسف تكون النتيجة أن يتوه الإنسان بين تلك الأقنعة. وفي معرض »‬اللعبة» طرح أيمن سؤالا مهما حول الحروب والهدف من ورائها إذا لم تكن للدفاع عن العرض والحرية، وفي معرضه »‬المتخفي» طرح فكرة التخفي وراء أقنعة من نوع مختلف، فالمتخفي كما يصفه الفنان هو الذي يختبئ خلف جدار أو قناع أو قطعة من القماش أو رداء ليوهم الآخرين بأكاذيب، المتخفي هو الذي يتلون بألوان زائفة ليس لها علاقة بالواقع الخاص بالإنسان، وهو الذي  يعتقد أننا لا نراه ولكننا نراه علي حقيقته حتي لو بعد حين.
طرح أيمن من خلال معارضه عدة موضوعات جادة ومنها قضية العشوائيات، والكبت المجتمعي للمرأة، وحياة المرأة العاملة وقسوتها أحيانا، وكذلك القضايا السياسية مثل الحاكم العاجز، والإرهاب الأسود، وحزب الكنبة وغيرها. ولكنه يفضل الابتعاد عن المباشرة في التعبير عن تلك القضايا، كما يرفض عرض تشوهات المجتمع بصورة مباشرة تبرز تلك العيوب أمام العالم كالعشوائيات والفقر، لذا لجأ إلي الرمزية التي مكنته من التعبير عن مكنون نفسه بطرق مغايرة.
الغريب أن أيمن لم يدرس الفوتوغرافيا، حيث درس بكلية الآداب قسم عبري، ولكنه كان مهتما بالتصميم، وبدأ حياته المهنية بالعمل في الدعاية والإعلان.. وقد دخل الفوتوغرافيا علي يد مصور فاشل ..
حكايات عديدة ترويها سيرة الفنان الذاتية ..  لذا التقينا بالفنان أيمن لطفي ليحدثنا عن الجائزة وعن مشواره الفني :
حدثنا عن فوزك بجائزة الدولة التشجيعية في الفوتوغرافيا ؟
تقدمت للحصول علي الجائزة عام 2015 عن مجموعة معرض »‬المتخفي» في 2014 ، و اعتبره محطة مهمة لأنني أكدت من خلاله علي نقلة في الأسلوب من خلال الفوتوغرافيا التجريبية والسريالية، وقد استغرق الإعداد له حوالي سنتين وتم عرضه مصاحبا لمهرجان الفوتوغرافيا المعاصرة الذي قمت بتنظيمه في مركز الجزيرة للفنون، وذلك قبل أن ينتقل المعرض لأكاديمية روما،  ثم منها إلي اليونان، ليعرض في ساحة لإحدي الكنائس الكبري بهراكليون باليونان.
وقد تناول معرض »‬المتخفي» فكرة فلسفية تدور حول اضطرار الإنسان في حياته إلي اخفاء حقيقته إما خداعاً وإما خوفاً وإما طمعاً في رضا الآخر.
حصلت علي عشرات الجوائز، فما الذي تمثله جائزة الدولة التشجيعية بالنسبة لك ؟
الحقيقة أشعر أنها تتويج لمشواري الفني، فمهما كان التكريم الذي يحصل عليه الفنان من الخارج ، فإن تكريم بلده له مذاق مختلف، تماما كالرحالة الذي يسافر إلي كل البلدان لكنه يشعر بالراحة حين يشتري بيت في وطنه ..
لم تدرس الفوتوغرافيا فكيف بدأت مشوارك الفني؟
لذلك حكاية طويلة، حيث درست بكلية الآداب قسم اللغة العبرية، ولكنني مهتم بفن التصميم منذ أن كنت طالبا في الكلية ولم يكن الكمبيوتر معروفا آنذاك وقمت برسم تصميمات علي التشيرتات، وبعد تخرجي عملت بتصميم الرسومات علي الملابس لأكبر ماركات الأزياء في مصر ثم بعد ذلك عملت بشركة دعاية وإعلان، وبعد ظهور الكمبيوتر بدأت في استخدامه لعمل التصميمات المختلفة، وفي عام 1998 كنت أقوم بإعداد كتالوج لإحدي الشركات وكان المنتج مصنوعاًً من المعدن، واستعنت بمصور محترف وقتها حصل مني علي مبلغ 9800 جنيه، إلا أنه كان مصوراً فاشلاً والصور كانت سيئة واضطررت لرسمها مرة آخري، ومنذ ذلك الحين اتخذت قرارا أن أشتري كاميرا وأتعلم التصويرـ بعد ذلك سافرت ألمانيا في رحلة لزيارة معرض عالمي لأدوات الطباعة وهناك دخلت محلا متخصصا في الكاميرات وشرحت له ما أحتاج إليه واقترح علي  كاميرا بينتاكس، وبدأت أصور شغلي وطبعا ساعدني العمل في مجال الجرافيكس كثيرا في التعرف علي مفاهيم التكوين والألوان، وارتبط التصوير بعملي حتي اكتشفني الفنان رشاد القوصي رئيس الجمعية المصرية للتصوير الفوتوغرافي وهنا بدأت أتجه للتصوير الفني، وكنت آنذاك أقوم بالتصوير المباشر، وشاركت في عدد من المعارض المحلية وحصلت علي مجموعة من الجوائز.
ذكرت أن سر نجاحك في حصد الجوائز العالمية هو فشلك في ذلك في البداية  ؟
الفنان الجيد لا يتوقف عن التعلم وتطوير مهاراته وأسلوبه، فحين شاركت في أول مسابقة دولية ، عادت إليَّ جميع أعمالي لأنها دون المستوي مع جواب يشرح سبب الرفض، وهنا اكتشفت وجود فجوة شاسعة بين مستوي الصور التي أقدمها ومعايير الصور العالمية التي يتم قبولها في الجوائز الدولية، بدأت أدرس أسباب الرفض جيدا وأطور من أسلوبي حتي تمكنت من حصد الكثير من الجوائز بعد ذلك.
ابتعدت عن الفوتوغرافيا المباشرة منذ فترة طويلة واتجهت لأساليب جديدة تماما عما هو شائع في مصر، فلماذا اخترت ذلك الاتجاه؟
طبعا في البداية كنت أصور تصويرا مباشرا، لكنني مع الوقت بدأت أشعر بتكرار الصور المباشرة، وشعرت أنه لابد أن يكون لي بصمة، ولذا توجهت للفوتوغرافيا للسريالية والتجريبية والمفاهيمية، وقد واجهت رفضاً كبيراً في البداية هنا لأنه ليس من السهل تقبل الجديد المختلف هنا ، ولكن بعد ذلك أثبتت وجودي عالميا، وفتحت أفاقا جديدا لأساليب مختلفة في التصوير بمصر.. والفوتوغرافيا التجريبية هي تمرد ورفض لوظيفة تقليد الطبيعة، أما السريالية فهي صورة غير واقعية تبدو كالحلم أحيانا، في حين التصوير المفاهيمي يعتمد بالأساس علي المفهوم، وتتمثل قوته في بساطته، وكل عنصر في الصورة يكون له دلالة . وعلي المتلقي أن يتأمل كل عمل ليقرأ ما بين السطور.
وهل تري أن أعمالك تعكس مقولة الفنان مرآة مجتمعه؟
بالطبع الفنان لا يمكن أن ينفصل عن مجتمعه وما يحدث فيه، وأنا أعتبر أعمالي الفنية هي أسلوبي للرفض،  فأنا لا أجيد أن أمسك بطوبة أقذف بها في وجه الظلم والجهل والفقر،  وأدواتي كفنان هي الطوبة التي أقذفها في وجه كل المرفوض.  ولا يوجد عمل من أعمالي لا يحمل رسالة سواء إنسانية أو مجتمعية أو سياسية.
وهل تفرض عليك الفوتوغرافيا السريالية صعوبات لا تواجهها في الفوتوغرافيا المباشرة
كل عمل في الفوتوغرافيا السريالية يتطلب فترة إعداد ورسم قبل التقاط الصورة ومعالجتها بطرق مبتكرة غير تقليدية وغير قابلة للتكرار. قد تستغرق صورة واحدة عدة أشهر لأني أبني كل تفصيلة فيها، فمثلا صورة »‬لا طريق» وهي عبارة عن فتاة في مركب تقليدية وتجدف بشوكتين كانت من أصعب الصور.. وقد تم عرضها في معرض »‬الشريان» حيث رسمت الاسكتش وبدأت أبحث عن المركب التي تخيلتها ولم أجدها لفترة طويلة، وبالصدفة أثناء رحلة لتركيا شاهدت مجموعة من المراكب الصغيرة المصنعة يدويا ، فقمت بشراء واحدة وصورتها وطبعا مع مراعاة الزاوية والظلال، بدأت أبحث عن الشوك، بعد ذلك بحثت عن الموديل وأنا أعتبر الموديل شريكتي في العمل حيث أشرح لها فكرة العمل بالكامل كي تندمج فيه، والموديل بالنسبة لي أشبه بالورقة التي أسجل أفكاري عليها، ثم بدأت أبحث عن صورة للبحر وهنا ذهبت للسخنة حيث تقل الأمواج، وأخيرا صورة السماء، قبل أن أقوم بتركيب كل تلك العناصر معا لتبدو كما لو كانت صورة واحدة.. وقد كانت هذه الصورة هي حجر الأساس في المعرض واستحوذت علي تفكيري بالكامل حتي نفذتها، وهنا تكمن صعوبة الفوتوغرافيا السريالية، لأنك تنفذ كل تفصيلة، ولابد من تصوير كل عنصر تصويرا فائقا الجودة.  صناعة الصورة مسئولية كبيرة جدا ، لأنه لا يجب أن  تكون هناك شبهه تكرار.
أعدت تقديم لوحة يوهانس فيرمير »‬الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» فوتوغرافيا، فما مدي تأثرك بالفنانين التشكيليين؟
أري أنه يجب علي الفوتوغرافيين الاطلاع علي أعمال التشكيليين والعكس صحيح، وعن نفسي  تأثرت بفناني عصر النهضة بالتكوين والألوان والإضاءة، كما تأثرت بالإضاءة عند رمبرانت ، كما تأثرت كثيرا بأعمال المخرج آلان باركر ، حيث تتميز أعماله بالرمزية.
وماذا عن مشوارك مع الفيديو أرت؟
الصورة المتحركة تعطي مساحة أكبر للتعبير عن الصورة الثابتة، حيث تتيح لي  أن أعبر عن المفهوم بالمفاتيح والكنايات بحرية أكبر، والصورة الثابتة أحيانا لا تكفي لتحتوي تلك الصرخة الصادرة من أعماقي، و كانت البداية مع الفيديو  من خلال مشاركتي في منتدي فنون الميديا المصري الأسباني عام 2008 وكانت المرة الأولي التي أضع شاشة في الأرض والناس تنظر عليها من فوق وكأن شخص يحاول يخرج منها و عنوان »‬الفيديو» زائر، ثم بعد ذلك  شاركت بفيديو »‬اللعبة» الذي عرض في معرض »‬ليه لأ»  بقصر الفنون في 2010، ثم قدمت »‬البحث عن الخلاص» في 2010 وعرض في بينالي فنيسيا، ثم »‬المزدوج» في 2010، و»ولا حاجة خالص» الذي عرض في المعرض العام ، ثم المتخفي الذي عرض من خلال معرضي الشخصي في 2014، وأخيرا »‬ التطهر» الذي شاركت به في المعرض العام 2015 ، ويأتي التطهر كانعكاس للفترة التي عاشتها بلادنا ومحاولة التخلص من الجهل والأفكار الخبيثة التي تعصف بمجتمعاتنا ويأتي التطهر كرمز للخلاص من العدوان علي ثقافتنا وحضارتنا والتاريخ ولكن للأسف بكثير من التضحيات والشهداء من خيرة أبناء الوطن ..
أسست مهرجان الجزيرة الدولي للفوتوغرافيا المعاصر بمركز الجزيرة للفنون لماذا لم يستمر ؟  
مهرجان الجزيرة كان الهدف منه التعرف علي أحدث أساليب التصوير المعاصر وتقنيات إخراج الصور ، كان يقام بمجهود شخصي وبدعم من شركات مختلفة، وأنا لا أحب أن أكرر نفسي، لذا بعد أن قمت بتنظيمه دورتين ولن أكرر التجربة للمرة الثالثة وأملي أن يكون هناك بينالي دولي للفوتوغرافيا في مصر ولكن لابد أن يقام بمساعدة وزارة الثقافة . كذلك أحلم بأن يكون هناك متحف للفوتوغرافيا في مصر ، فلدينا كنوز يجب الحفاظ عليها قبل أن نكتشف ضياعها.
وكيف تري مشكلات الفوتوغرافيا في مصر ؟
أولا الركون إلي السائد، كثير من الفوتوغرافيين لا يسعون جديا لتطوير أنفسهم، وكثيرا ما أجد صوراً مكررة وهي مشكلة خطيرة، حيث يجب أن يحرص كل مصور ألا يقلد أحدا لأن هذا مضر للغاية ويقلل من قيمة الصورة، فالفنان التشكيلي إذا ما قدم عملاً شبيها بآخر يتهم بالسرقة الفنية ولابد أن يتم التعامل مع الفوتوغرافيا بهذا الشكل .كذلك يجب ألا يتوقف المصور الفوتوغرافي عن التعلم فالتصوير الفوتوغرافي علم وهناك مصادر متنوعة علي الانترنت يمكن الاستفادة منها للغاية، لا داعي للاستسهال.وأخيرا لابد أن تهتم الدولة بفن الفوتوغرافيا من خلال تنظيم مهرجانات دولية للتصوير كما يحدث في الخارج.
وماذا عن الخطوة القادمة؟
مشروعي القادم يتعلق بالورقة، فقد تعيشين مع شخص طوال حياتك بسبب ورقة ، وقد تخسرين أموالك بسبب ورقة .. للورقة دور مهم جدا في حياتنا.

تعليقات القرّاء