رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

ملامح الزمن وعبق التاريخ


الفنان أحمد شيحا
9/9/2017 11:43:08 AM

د. إبراهيم غزالة

يعد الفنان أحمد شيحا حالة إنسانية وفنية متفردة في الحركة التشكيلية المصرية. فهو لم يكتف بأن يكون مجرد فنان ينتج أعمالاً فنية فقط، بل كان مهتماً بمشروعة الشخصي وهو كيانه ووجوده الإنساني وحضوره الفاعل في الحياة والمجتمع، فقد حارب ضد أخونة الدولة وقاد اعتصام المثقفين في وزارة الثقافة بشارع شجرة الدر, وكان له موقف وطني.. فهو ليس فناناً يجلس في برج عاجي أو منعزل عن قضايا مجتمعة بل هو مهتم بالشأن العام ومهتم بوطنه مثلما هو مهتم بفنه فكانت دعوته لعقد مؤتمر المثقفين في عام 2013 لمواجهة الإرهاب والذي حضرها كل مثقفي وفناني مصر.
 وقد استطاع أحمد شيحا أن يكون صداقات عريضة في شتي مجالات الثقافة والإبداع, وكان له علاقات كثيرة في الوطن العربي أيضا, فلم تقتصر صداقاته علي الوسط التشكيلي فقط بل امتدت الي الأوساط الأدبية والموسيقية كالشاعر أحمد عبد المعطي حجازي والكاتب الروائي يوسف إدريس والفنان عادل إمام والكاتب المسرحي سمير سرحان. ومن أشهر الفنانين الذين كان تربطه بهم علاقة صداقة كان العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ  الذي كتب عن الفنان أحمد شيحا قائلا :
( كان غناؤك بالألوان أروع كثيرا من غنائي لقصيدة رسالة من تحت الماء وكان مزيج الألوان الزرقاء والرمادي والأحمر هي أنغام ولحن يجري علي الورق. لقد سبقتنا جميعا  نزار والموجي وأنا. أحييك أيها الفنان الرائع ) .
كما ربطته أيضا صداقة وثيقة بالشاعر الغنائي نزار قباني كان نتاجها أن قام الفنان أحمد شيحا في عام 1973 بعمل معرض كامل في بيروت أسماه »ملهمات نزار»‬  قدم فيه 45 عملاً في قاعه سان جورج بالعاصمة بيروت وقد كتب له نزار في هذا المعرض : »‬أخي الفنان الرائع أحمد شيحا .. لوحاتك هي شعر مكتوب بفرشاة وموسيقي سائلة علي قماش, ولوحتك التي صورت فيها قصيدتي »‬رسالة من تحت الماء» تتعانق فيها أفكارك وأفكاري في مزيج أزرق لا أروع ولا أنقي. أرجو أن تبقي ذائباً في الشعر ويبقي الشعر ذائباً فيك . والله معك والشعر معك»
 وكذلك كانت علاقته أكثر قرباً بالملحن محمد الموجي وقد قال الكاتب منير عامر عن علاقة شيحا بالموجي
 »‬إن أصالة الموجي كانت تبحث لروحه دائما عن انتماء يلخص الحلم والواقع فهو السائر دوما بين خياله وبين الواقع الذي نحياه وكان أحمد شيحا هو التوأم لروح وواقع محمد الموجي» .
وتأتي رؤية شيحا الفنية من خلال عشقه لمصر وحبه للتاريخ ولهذا فأنت حينما تشاهد أعماله تشعر أنك أمام جداريات تم استقطاعها من أحد الكهوف أو من أحد المقابر المصرية القديمة ولهذا فأعماله هي الأخري يتم صناعتها أو إبداعها عبر الزمن وعبر طبقات من الأسطح المتعددة وبرغم أنها أعمال تصويرية لا يتعدي سمكها سنتيمترين إلا أنك تشعر أنك أمام مسطح بعمق قشرة الأرض ولهذا يصف الناقد المصري محمد حمزة أعماله بأنها تصوير نحتي. ومن ملامح أعمال الفنان أحمد شيحا أنه يترك عمله ينمو علي السطح, فهو يقوم بتخصيب سطح اللوحة وإعداده إعداداً جيدا فهو يبذل في إعداد سطح لوحاته مجهودا لا يقل عما يبذله في رسم لوحاته ثم يترك باقي مراحل نمو عمله الفني لتداعياته وإحساسه الذي طالما استشعرناه في أعماله الفنية. وفي هذا الصدد يقول الناقد السوري عفيفي بهنسي »‬لوحاته تكوينات من ضمير الحياة الإنسانية مؤطرة بحروف وكلمات تجريدية تفتح صدرها لاستيعاب الموقف الإبداعي الذي يكون الصورة والرمز واللون تلقائياً دونما تخطيط فالفنان دائما في حاله الوجد الفني والنشوة الجميلة والتسامي الروحي ليكون عملا فنياً يختلط صميمياً مع مبدعه»
 وليس هناك شك في أن الفن الفرعوني هو أحد أهم مصادر إلهام الفنان أحمد شيحا ويؤكد ذلك الفنان والناقد حسين بيكار قائلاً :
»‬البطل الحقيقي في جميع الأعمال هو ذلك العبق الأخاذ الذي يُحدث نوعاً من النشوة والشجن معاً ولا نستطيع إنكار موطن هذا العبق ولا هويته مهما حاولنا فالمناخ فرعوني رغم محاولة إخفاء ذلك عمدا أو سهوا »‬
وقد أقام الفنان معارض عديدة في الوطن العربي وأوروبا وأمريكا وقد أقام رحلة فنية إلي أمريكا عرض خلالها أعماله في ستة مدن أمريكية وقد عرض عليه البقاء والعيش هناك إلا أنه فضل العودة والبقاء في وطنه الذي يعشقه.
وليس من قبيل الصدفة أن يتم تكريم الفنان أحمد شيحا هذا العام بحصوله علي جائزة الدولة التقديرية فهو يستحقها دون شك منذ زمن بعيد, إلا أن حصوله عليها في هذا التوقيت له دلالة خاصة في نفسه لاسيما بعد أن استعادت مصر هويتها من جديد وكونها علي أعتاب مستقبل مشرق ونهضة حضارية زاهرة.