رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

هاروكي موراكامي.. سباق لأجل البشرية


10/7/2017 11:38:41 AM

تطلب الأمر عاما وبضعة أشهر؛ ليتراجع الكاتب الصحفي سام جورديسون - صاحب سلسلة “مدن الحماقة” مع شريكه جان كيران عن موقفه السلبي من الكاتب الياباني هاروكي موراكامي، وكانت رواية واحدة كفيلة بأن تغير وجهته، وتجعله يشير ضمنيا إلي أحقيته في الفوز بنوبل، وأن يسجل ذلك في مقال بجريدة “الجارديان” البريطانية بعنوان “كيف أصبحت متحيزا لهاروكي موراكامي” عام 2015.

بعدما أشار إلي بحثه في قلب رواية موراكامي “كافكا علي الشاطئ” اعترف بما سقط فيه “أخطأت مع موراكامي، ولم أقدره كما يستحق، ولم أفهمه وفشلت في أن أكون عادلا معه في بادئ الأمر، حتي ذهبت في متاهة “كافكا علي الشاطئ” وأنا أتوقع أن أجد شيئا مخفيا في مركزها، ومن ثم زاد انزعاجي عندما لم يكن شيئا حقيقيا هناك، بل مسارًا متعرجًا إلي مخرج مختلف، ولأن نيتي كانت البحث عن شيء لم يكن هناك؛ فلم أقدر بشكل صحيح جمال البناء وذكاء المسارات.
أنا أعلم الآن ما أدركته بعد أسبوع من قراءتي الأولي، ثم بعد سلسلة رائعة من المشاركة في مجموعات القراءة، وأن في كتابته كل مثيرات الاهتمام بمختلف أنواعها وصولا للاستمتاع، ورغم هذا فإن هناك الكثير لم أحصل عليه من القراءة الأولي حول ديانة الشينتو والآنا وتخيل ما يحدث في رؤوس الآخرين، وكذا عن مواجهة الموت، وغيرها مما تغيرت معه عدد من معايير تقييم الجوانب الفنية للكتابة التي كنت اعتقد، فعندما كتبت مقالتي الأولي؛ تذمرت من الإفراط في التفسير والتلميحات غير المريحة لمنح الرواية معاني أكثر اتساعا، ولكني أدركت أن تفسيرات موراكامي لها أبعاد بالفعل أكثر اتساعا من الحدود الطبيعية للرواية وهو ما يضيف أيضا شيئا من المتعة لها، فخلالها كان أفضل شرح لعقدة أوديب وانعكاساتها، لكن هذه التفاصيل الصعبة لا تصل بالقارئ لحلول نهائية أو إجابات واضحة، فقط مجرد ومضات مضيئة.
اعترف بأن كل هذه السمات مثيرة للاهتمام، ولكن التعرف عن موراكامي بمحاولة فهم “كافكا علي الشاطئ” كمقدمة أمر خاطئ تماما، ولم يفدني حتي الرجوع وقراءة رواية “الغابة النرويجية”، ورغم أن فكر موراكامي فيها أكثر وضوحا، ولكنها مجرد فتح أبواب عالمه بعشوائية، وصداها قشري للغاية، فأعماله لا يجب أن تقرأ بمعزل عن الأخري، ورغم أني لم انته من تفكيك بنائه وفهم تراكيبه كاملة، ولكني أشعر بتعاطف كبير تجاهه، وأراه يعدو لمسافات طويلة كأبطال رواياته من أجل البشرية، أي من أجل غيره وليس لنفسه، وهذا التوجه وحده يستحق عليه المكافأة، وأن نصفق له كمتفرجين حتي يكمل سباقه.”
وفي عام 2014، كتب الناقد الإنجليزي “ستيفن لي” في مجلة “إنترتينمنت ويكلي” الأمريكية تحت عنوان “لم يفز هاروكي موراكامي بجائزة نوبل، ولكن هذه الكتب تثبت أنه يستحقها”، واستعرض في مقدمته أن المرشح الأول للجائزة لسنوات الذي أجمع عليه الجمهور والنقاد، بل ومكاتب المراهنات رفضت لجنة نوبل منحه إياها، وأبت حتي بعدما حقق أكبر نجاحاته بروايته الثالثة عشرة “تسكورو تازاكي عديم اللون وسنوات ترحاله” ثم مجموعته القصصية المميزة “رجال بدون نساء”، وأنه انفرد بكونه الكاتب الذي نجحت كل أعماله في بلاده وحول العالم خلال 35 عاما متواصلة، ثم قدم أربع روايات ووجدها وحدها دون بقية إنتاجه يمكن أن تمنحه أرفع الجوائز وأكبر مكافأة وطالب الجمهور بقراءتها وأن يحكموا بأنفسهم :
“......”الغابة النرويجية” (1987) رواية موراكامي الخامسة وهي الأكثر أهمية، تتضمن العديد من الأفكار والموضوعات المألوفة طوال حياته المهنية منها الاغتراب المفاجئ، مثلثات الحب أو رباعياته، مشاهد الحب الحالمة، واختفاء النساء المفاجئ أيضا، وأسئلة كثيرة بلا إجابات، حققت هذه الرواية نجاحا هائلا في اليابان، ومعها أصبح واحدا من عدد قليل نسبيا من الكتاب الآسيويين الذين سجلوا حضورًا عالميا علي نطاق واسع.
“تاريخ العصفور الآلي” (1994) روايته الأكثر شهرة، والتي حجزت لها مكانا محفوظا في قوائم أفضل الروايات عبر العصور، تبدأ مع رجل عاطل عن العمل يبحث عن قطه المفقود، وفازت بإشادة ناقد موراكامي الأكثر قسوة؛ كنزابورو اوي الذي فاز بجائزة نوبل عام 1994ـ وفيه يواصل بحثه عبر رحلته الطويلة والمتواصلة حيث يلتقي بشخصيات غريبة، ويشهد أعمال العنف المروعة التي حدثت وفق جداول زمنية متعددة، خط مظلم ومشوش بين الواقع والخيال مجرد الوصول إليه انجاز قلما وربما من النادر أن يتحقق.
“كافكا علي الشاطئ” (2002) وحشية في أجزاء، وخيالية في أخري، وواحدة من أكثر أعماله جمالا وغموضا، إلي جانب أن القطط فيها يمكنها أن تتحدث.
“ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون” (2009) اثبت موراكامي قدرته علي خوض تجربة الكتابة الملحمية، التي تفوق بها علي أجزاء سلسلة هاري بوتر في أنحاء كبيرة حول العالم، وهي روايته الأكثر غرابة التي تتبع فيها اكتشاف هذا العقل البشري للعوالم البديلة والأفكار الكبيرة كالموت والدين والحب.
لقد أدركنا ذلك ولم تفطن له لجنة نوبل.”
بينما صدمت الكاتبة والناقدة ناعومي ويليامز القراء بعنوان مقالها “أنا آمل أن يفوز هاروكي موراكامي بجائزة نوبل وسأشعر بسعادة غامرة إذا لم يحدث ذلك” بمجلة “ليتراري هاب” عام 2016 وفسرت ما قالته في متنها :
“نعم، سأشعر بخيبة أمل إذا لم يفز هاروكي موراكامي، لأنه أكثر الكتاب المحبوبين حول العالم، أهم وأفضل كاتب ياباني وآسيوي منذ أكثر من عشرين عاما، ورواياته غريبة ومقنعة وباردة ولا أروع من ذلك، هذه الأسباب جميعها وغيرها تجعلني أشعر بالارتياح عندما يتجاهلونه مجددا ولا يمنحونه جائزة نوبل.
لدي موراكامي كل مقومات الرواية عند تشيكوف وشاعرية باشو وموسيقي جاناسك، لديه دائما شيء من الابتكار المشوب بالحذر، يظنه البعض كسولا من كثرة التساؤلات التي يطرحها دون أن يجيب عنها، ولكنه في الحقيقة يتعمد ذلك، ليضفي شيئا من الغموض المرهق والممتع للقارئ في آن واحد، كما تفرد بمناقشة موضوعات تبدو مقرفة ومقززة عندما يناقشها الآخرون، ولكنها تبدو بريئة وعفوية بل ومراهقة أحيانا، بل وتمنع القارئ حتي من مجرد التفكير في التوقف عن قراءتها.
رغم عالمية ما يقدمه موراكامي، ولكن من يعرف اليابان قبل أو بعد قراءة أعماله يدرك أنه استطاع أن يجسد تفاصيل هامة في بلاده ترسم ملامحها الاجتماعية، والإنسانية، بمسحات من مناخها السياسي والاقتصادي، والتي لا تضيع أو تصبح أقل وضوحا عند ترجمة إبداعاته لأي لغة، ولا تحتاج لخبرة أو معرفة سابقة لإدراك كل هذا عند تناولها.
عندما يتمتع موراكامي بكل هذا، ولا يفوز، فسأشعر لفترة قصيرة بالأسف، وربما أتابع بحماس نوبل العام القادم والذي يليه وما بعده، وتتكرر الحسرة، ولكني في كل مرة سأشعر بسعادة أكبر لأن نوبل تنال ممن يفوز بها وتقلل من شأنه، وخاصة إن كان محبوبا مثل موراكامي، ففي كل مرة لا يفوز بها بنوبل، يربح تعاطفا أكبر ومحبة أعمق واحتراما أكثر من الجمهور، يا لك من محظوظ يا موراكامي”.