رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أدونيس.. صوفية إسلامية وأساطير غربية


10/7/2017 12:10:04 PM

عبر الكاتب والدبلوماسي البريطاني “جيرارد راسل” عن رأيه في المكان المخصص لذلك بجريدة “الجارديان” عام 2010، وكتب ما يشعر بل ويؤمن به، بعنوان مباشر “لماذا يجب أن يفوز أدونيس بجائزة نوبل؟”.
وضع راسل عبارة افتتاحية فيها قدر من الحكمة وآخر من السخرية، وهو يدرك أنه لا صدي عند لجنة نوبل لكلماته “فوز هذا الشاعر السوري سيكون له دلالته في تاريخ الفائزين بنوبل، فسيثبت أن الموهبة الأدبية ليست محمية أوروبية”.

ثم أفاض “لا جديد؛ فالشاعر السوري أدونيس من بين أقرب المرشحين لجائزة نوبل في الأدب التي سيكشف عنها قريبا، ليكون ثاني كاتب عربي يفوز بالجائزة، في الوقت الذي ذهبت فيه هذه الجائزة لجنسيات أخري بوفرة، وتبدو أنها تضع الأوروبيين في صدارة أولوياتها، فالسويدیون؛ علی سبیل المثال، حصدوا منها ست مرات أکثر من العرب، ولا يوجد منطق يقنعنا بأن الأوروبيين يحتكرون المواهب الأدبية دون غيرهم.
ولأنه شاعر، فللأمر أبعاد أخري، فأي شخص قضي فترة في الشرق الأوسط مثلي سيعرف أن حب الشعر لا يزال موجودا علي مستوي جميع طبقات المجتمع تقريبا، فقد رأيت هنا في بوسطن هذا الأسبوع؛ فيلما به مشهد في ملعب بمدرسة فلسطينية، حيث فتيات في سن العاشرة يرتدون زيا مدرسيا أصفر رائعا، ويصطفون بشكل أنيق ويتلون قصيدة “ما يجعل الحياة تستحق العيش” لمحمود درويش، ثم يرددون بحماس شديد ما يحفظون من شعر إسخيلوس”، مشهدا من الصعب تخيله بريطانيا أو فرنسيًا أو سويديًا؛ تلميذات يرددن نفس الشيء في تزامن نغمي مذهل، فأي مكان يقدر الشعر ويدرك تأثيره النفسي والفكري بهذه الكيفية؟
تفجر هذا النهج وتوهج بحضور محمود درويش وقصائده في المشهد الشرق أوسطي، والذي ترك أثرا كبيرا في وجدان الشعراء العرب عقب وفاته عام 2008.
إن تكريم الشعر العربي في شخص أحد أهم شعرائها المعاصرين أدونيس له أهمية جلية، وهو استجابة أكثر بلاغة ورؤية فكرية لأولئك الذين يقللون من قيمة الثقافة الإسلامية بخبث شديد، والتي تعانق جذورها العربية، ومن ثم يدلل علي أن لجنة نوبل لديها رؤية أكثر عمقا وثراء، وأن ما يسمي بالتوعية بالإسلام ومبادئه وسماته الإنسانية والمجتمعية ليس حوارا بين رجال الدين والساسة فقط، ولكن للشعوب ذاتها أن تتداخل في هذا التحاور بشكل ربما يكون مثمرًا أكثر وخاصة إذا مثلهم فيه كتابهم وشعراؤهم.
هذا لا يعني أن منحه الجائزة سيكون مجرد بادرة رمزية لتوفيق الأوضاع، فأدونيس يستحق الفوز بها؛ كونه كما تحدث عنه إدوارد سعيد “أنه الشاعر العربي الأكثر جرأة واستفزازا هذه الأيام، كان شعره أقرب أصدقائي عندما كنت مراهقا في مدينة نابلس بالضفة الغربية وخلال الانتفاضة الفلسطينية، فقد أخذتني قراءته إلي عالم آخر مغاير، وهو عالم أكثر تعقيدا وغير مؤكد،غير مألوف، رصد خلاله أن العالم العربي لم يمر بفترات استقرار طويلة في تاريخه، وأنه يحتاج إلي إصلاح ربما يشرع البعض فيه ولكنه لا يكتمل، ويحتاج لكثير من العمل والجهد المخلص”.
نأتي للجزء الأصعب في نقل الشعر بين الثقافات والشعوب، فالشعر لا يمكن ترجمته، وما يحدث خلاف ذلك عبث، أقول هذا لأنه رغم أني أعرف اللغة العربية، ولكني لن أدعي أن الاستماع لقراءات أدونيس وتسجيلات شعره يطربني مثلما يحدث مع من يجيدون هذه اللغة إجادة تامة، ولكن يمكني إدراك الثورية التي في شعره وقدر الإلهام فيه.
ما يمكن أن أقوله أيضا إن أدونيس شاعر حرفي بحق، قليلون من هم كذلك ربما تسعة أو أقل لكل لغة في كل مائة عام، وأقول كذلك إنه وضع ثقافات الشرق الأوسط وأوروبا في نسيج واحد متجانس رغم التمزقات التي بين بعضها البعض، بل وتجده يحاول بشعره فهم هذه التمزقات ووضع تصور لإمكانية إصلاحها عبر الحب والمعاني الجميلة.
حتي اسم أدونيس الذي اختاره لنفسه يبين مدي ارتباطه الوثيق والعميق بحضارة وتاريخ وطنه الأم عبر العصور، فأدونيس هو اسم أحد الآلهة عند الفنيقيين السوريين القدماء ويعني الربيع والخصوبة، والذي انتشرت عبادته في اليونان، ولهذا فكثيرون يظنون أن هذا الاسم يوناني، وهو ما يدلل علي أن الانقسام والفصام بين العرب والأوروبيين أمر جديد وعابر، وأن الأصل في العلاقات بين الشعوب هو الترابط والتماسك في نسيج بشري واحد.
تحقق قصائده دون سواها ذلك؛ كونها غارقة بعمق شديد في التراث الصوفي العربي الإسلامي الثري روحيا وفكريا من ناحية والأساطير الأوروبية الغنية بالصور الجمالية الساحرة، يضاف إليها بدرجة أقل في قصائده وإن بدا بوضوح في حواراته ومقابلاته قدر إيمانه العميق بالقومية العربية، وأن وحدة العرب أولا في خلية قوية ستكون مركز النسيج وتستطيع أن تجذب وتربط كل خلية حية في العالم والبقية تموت.
قيل قديما إن الشعراء ينطقون بلسان الآلهة مما سما بهم وبأشعارهم، وانتقل هذا التراث بدوره وتداخل مع نظيره المسيحي ثم الإسلامي، وأخذت تتردد مقولة »الشعراء ينطقون بكلمات من الله»‬ لتضيف شيئا من القدسية علي أشعارهم ويعظموا من قيمتها، ولكن أدونيس أغضب أقرانه من الشعراء وبشجاعة وجرأة واحترام للذات؛ شكك في ذلك، وأشار إلي أن قدراً غير قليل من الشعر به الكثير من المجون، وبالتالي فإن الله لن يبارك عملا من أعمال الشيطان، هذا الفكرة السديدة وحدها والتي ستغير مسارات الشعر يوما ما تجعله يستحق جائزة نوبل».