رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

منسيو نوبل


هاروكي موراكامى

هاروكي موراكامى

جمال المراغي
10/7/2017 12:35:36 PM

منذ أكثر من مائة عام وبعد سنوات قليلة من بداية منح هذه الجوائز الأدبية، بدأ خبراء الأدب
في وضع قائمة موازية لنظيرتها الخاصة بالفائزين، تضم أسماء من لفظتهم لجنة نوبل، وأبت أن تمنحهم إياه، أطلقوا عليها »منسيو نوبل»‬ وأسماها البعض »‬منبوذو نوبل» ووصفوها بأنها قائمة عظماء الأدب الحقيقيين، وضمت بين مبدعيها الروسي ليو توليستوي، الأرجنتيني خورخي بورخيس، الروسي أنطوان تشيخوف، الياباني يوكيو ميشيما، الأيرلندي جيمس جويس، الروسي فلاديمير نابوكوف، البولندي الأصل آرثر ميلر، الألماني فرانز كافكا، الفلسطيني محمود درويش والمصري طه حسين، تلك أمثلة بسيطة من سلسلة طويلة من المرجح أن ينضم إليها الثالوث الياباني والكيني والسوري.

موراكامي وواثيونجو وأدونيس.. آسيوي وأفريقي وعربي
تحقق الصعب وربما الأقرب للمستحيل بأن يجمع الجمهور والنقاد والمتخصصون علي شأن ومكانة كاتب ومبدع، وأنه يستحق أرفع الجوائز العالمية وعلي رأسها نوبل، وانضم الروائيان الكيني نجوجي واثيونجو والياباني هاروكي موراكامي إلي السوري أدونيس، ومنذ عام 2010 أصبح هذا الثلاثي معا المرشحين الرئيسيين للفوز، وكانت كل الأجواء مهيأة لذلك، ولكن لجنة نوبل لم تقنع بذلك، أو بالأحري لديها معايير غير أدبية، بل وغير نوبلية تخضع لها.
في السنوات الأخيرة، وقبل شهر أو أقل من الكشف عن الفائز بنوبل، تتسابق الصحف والمجلات الشهيرة في أنحاء العالم المختلفة ومنها علي سبيل المثال لا الحصر »‬الجارديان»، »‬نيويوك تايمز»، »‬جارازيا»، »‬الشرق الأوسط»، »‬تشاينا ديللي»، »‬وول ستريت جورنال»، »‬ذا وييك»، »‬هندوستان تايمز»،»‬لو بايز»، »‬لوموند»، و»‬سعودية جازيت» لتستطلع آراء النقاد وخبراء الأدب من روائيين وشعراء وغيرهم، والمتخصصين في المجال من أساتذة وأكاديميين والذين أجمعوا علي ترشيحهم لذلك الثالوث في مقدمة اختياراتهم، ويشاركهم بقوة الجمهور الذي يسجل آراءه في استفتاءات هذه الصحف أو حتي لدي مكاتب المراهنات خلال الأيام الأولي من بداية السباق التي ربما تستمر للنهاية إذا لم يكن هناك تدبير لتسريب اسم الفائز قبل أيام من الإعلان عنه.
ورغم الإحباطات المتزايدة والمتراكمة عاما بعد الآخر لدي هذه الأطراف كافة، لكنها وأمام ما تعتبره تعنتاً من قبل لجنة نوبل، تصر علي صحة اختياراتها ووجهة نظرها تجاهها، فحتي كتابة هذه السطور أعاد عدد من النقاد والمتخصصين اختيارهم للثلاثي المنبوذ بصرف النظر عما ستقرره لجنة نوبل في صحف ومجلات »‬الاندبندنت»، »‬ذا وييك»، »‬التلجراف»، والأيام الأولي من انطلاق المراهنات في بعض المكاتب الشهيرة منها »‬لادبروكس» الذي جاء في صدارته واثيونجو ثم موراكامي ثاني وأدونيس رابعا، و»‬نيسرودز” التي يأتي موراكامي أولا بها يليه واثيونجو ثانيا و أدونيس رابعا أيضا.
ما بعد الحداثة
الياباني هاروكي موراكامي، ولد بمدينة كيوتو عام 1949 لأبوين يُدرسان الأدب الياباني، ولهذا نشأ شغوفا به في البداية، ولكنه ما لبث أن تمرد قليلا وأخذ يبحث عن الأدب بمعناه الشامل، والذي تجاوز فيه حدود المكان ثم الزمان أيضا، وهو ما لم يستوعبه الكتاب والنقاد في بلاده في بداية الأمر ولفترة ليست بالقصيرة، ولكنهم أدركوا فيما بعد أنه لم ينسلخ عن ثقافة بلاده ولكنه مزج بينها وبين نظيرتها الغربية الأكثر تأثيرا في اليابان بعد ثقافة بلاده، سعي إلي ترجمة أعماله بواسطة مترجمين آخرين غيرهم رغم أنه كان يترجم من الإنجليزية مهنيا.
حققت روايات موراكامي نجاحا شعبيا كبيرا في بلاده وفي أكثر من مائة دولة حول العالم، حيث ترجمت لما يزيد علي 50 لغة حية، كما ترك تأثيرا كبيرا في فكر وإحساس قرائه مما دفع شباب النقاد ثم الكبار منهم للتريث وتحليل أعماله، ليكتشفوا بعد عقدين من الزمان أن هاروكي بتتبعه لشغفه في الكتابة ابتدع منهجا خاصا أطلقوا عليه ما بعد الحداثة، وصار خلفه عشرات من الكتاب في بلاده وخارجها، وأصبح هناك مدرسة موراكامي الروائية.
لم يكن من السهل اكتشافه رغم سرعة وقوة تأثيره إلي حد أنه بات من أهم الروائيين في بلاده  وهو لم يكمل عمره 33 عاما، سر هذا التأثير تطلب تتبع أعماله بترتيبها التي تمثل بناء قاعدته الرواية الأولي »‬سماع غناء الرياح» عام 1979، ورغم أنها بدت رخوة وأنه لم ينضج بما يكفي بعد، ولكنه وبعد قراءة عشرة أعمال متعاقبة له يتبين أنه وضع أساساته في رواياته الأولي المتمثلة في التحرر من كل القوالب الأدبية الكلاسيكية سواء اليابانية أو الغربية، ووضع القارئ في حالة استرخاء وأصبح مهيأ للسباحة معه في أي اتجاه، ويختبر كل الأشياء والظروف من حوله بلا خوف أو تردد، وكان شجاعا بما يكفي عندما طلب من الحكومة اليابانية أن تبدأ بالاعتذار لكوريا والصين عن الماضي السييء كبداية لتفاهم تاريخي بينهم، وبدأ أن هذا ما قاموا به في الغرف المغلقة وأتي بثماره إلي حد بعيد، وبدأ منذ عام 2010 يصبح مرشحا أساسيا لجائزة نوبل.
عالمي بلغة الجيكويو
الكيني نجوجي واثيونجو، ابن مدينة ليمورو الجنوبية عام 1933، عايش في صغره الفقر والاحتلال بقسوتهما ومحاولاتهما انتهاك إنسانيتهم وكرامتهم، ولكن هيامه بالعلم وقراءة الروايات والمسرحيات المكتوبة بالإنجليزية أصلية كانت أو مترجمة جعله يأبي أن تتخلي عنه إنسانيته وكرامته أيا كان الثمن، وأدرك أيضا أن تفوقه العلمي يمكنه أن يحقق له المكانة والتأثير اللازم للمساهمة في تخلص بلاده من العبودية، التي يري أنها لم تتحقق حتي الآن رغم انتهاء الاحتلال الجسدي.
ليحقق مبتغاه، وضع واثيونجو خطة ذكية، لم تكن لتنجح لولا ثقته بنفسه، حيث بدأ الكتابة بالإنجليزية من مسرحية »‬الناسك الأسود» التي قدمها بالمسرح الجامعي في كمبالا إلي رواية »‬لا تبك أيها الطفل» التي نجحت مساعيه في نشرها عبر جامعة ليدز في انجلترا أثناء دراسته ثم عمله بها فترة لاكتساب الخبرة، ليعود إلي بلاده ليُدرس بجامعاتها، ولكنه لم يقطع الأوصال مع الخارج ليحقق بذلك الشعبية في الداخل بالالتحام مع الجمهور بمسرحه، والانتشار عالميا برواياته، بفضل قدراته الإبداعية الفائقة التي كان يدركها في نفسه، ورسخ ذلك لديه بإشادة كبار كتاب أفريقيا به في الملتقيات المختلفة أمثال سوينكا، أتشيبي وغيرهما.
ثم كان الشق الأهم من الخطة وبعد روايتين ناجحتين بلورا اسمه في الخارج، وبات له جمهور يبحث عن أعماله والأهم ناشر لن يستغني عنه، قرر الكيني بشجاعة أن يكتب بلغته الأم الجيكويو، إحدي اللغات المحلية في بلاده التي يتحدث بها نحو 7 ملايين شخص فقط رافعا شعار أن الكتابة باللغات المحلية هي خطوة ضرورية للتحرر من الاستعمار الثقافي، بداية من روايته الثالثة »‬بتلات من الدم»، ورغم ذلك واصل بروزه العالمي، وبهذه اللغة وضع كتبا فلسفية هامة ترجمت بعشرات اللغات ومنها »‬تصفية استعمار العقل»، وفي مجمل كتاباته كان همه النضال من أجل التغلب علي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا والقضايا المستجدة بها، وأخذ يتداول اسمه بين المرشحين لنوبل منذ عام 1993.
جسر بين الثقافات
السوري أدونيس، واسمه الحقيقي »‬علي أحمد سعيد إسبر»، نبت عام 1930 بريف اللاذقية، لم يرتاد المدارس ولكن أباه فقهه في القرآن كما جعله ينغمس في الشعر حتي أذنيه، وقاوم أبيه تعنت عمدة البلدة، وجعل ابنه ذو الأربعة عشر عاما يلقي قصيدة من نظم الصغير أمام الرئيس السوري وقتها، والذي أذهلته قدراته، فلبي له طلبه بالدراسة في إحدي المدارس، واختاروا له الليسيه في طرطوس التي تفوق فيها، وتمسك بالشعر الذي أصبح صاحب فضل فما شهدته حياته من تحول.
جعله تفوقه الدراسي ينهي دراسته وحتي تخرجه في جامعة دمشق خلال عشر سنوات فقط، وتخصص في الفلسفة، وبعدها بدأ سلسلة من الهروب من سوريا إلي لبنان ثم فيما بعد إلي فرنسا، وهو الأمر الذي أخذ عليه، ولكن كان هدفه حماية حياته الشعرية وحريتها الفكرية أيا كان الثمن، خاصة أن ما حاول أن يحققه في الشعر كان عرضة للنقد ومقاومة فكره بالقوة التي بلغت حد الاعتداء أو القتل، وتميز شعره بالابتكار اللفظي والجديد من الأفكار دون التغول علي اللغة العربية، وهو ما جعله يحظي باهتمام المستشرقين، واعتبروه الشاعر الذي أحيا اللغة العربية في الخارج، وباعث الشعر العربي في القرن العشرين.
وفي الوقت الذي ترجم فيها شعره إلي الإنجليزية والفرنسية وعشرات اللغات الأخري، اهتم أدونيس بترجمة أهم القصائد من مختلف أنحاء العالم إلي العربية، ولهذا اعتبروه بمثابة جسر حي بين الثقافات والحضارات، كما وضع عددا من الكتب النقدية الهامة التي ترجمت أيضا للعديد من اللغات ومن أهمها »‬الشعر العربي الحديث»، »‬أسرار وجذور الشعر»، وبدأ ترشيح أدونيس للفوز بجائزة نوبل منذ عام 1988.
معايير تخالف الوصية
قدم موراكامي وواثيونجو وأدونيس أدبا في الاتجاه المثالي في الكتابة بالمعني الحرفي الذي حدده ألفريد نوبل في وصيته، وسخروه من أجل أن تستفيد منه البشرية أو جزء منها، ولكن اللجنة المنوط بها منح الجائزة لم تلتزم بما يخصها من الوصية وتنفيذها كما يجب، وأن تمنحها لمن يستحقها دون التفرقة علي أساس عرقي أو ديني، والتاريخ الطويل يشهد علي ذلك.
بقراءة تاريخ نوبل وجوائزها الأدبية يتضح أن هناك معيارين أحدهما عرقي بأن يكون أوروبي الجنسية أو الجذور ثم أمريكيا بفعل الخضوع للضغوط السياسية والاقتصادية فمن بين 118 فائزا هناك 89 أوروبياو11 أمريكيا، والمعيار الثاني دينيا بأن يكون يهوديا ثم مسيحيا باعتبار نسبة انتشار الديانتين، حيث نال اليهود 22% من الجوائز ونسبتهم عالميا 0.2% من مجموع السكان في العالم، وذهب للمسيحيين 56% رغم أن نسبتهم السكانية 32%، ولكن هناك استثناءات لهذين المعيارين لن تنطبق علي الثلاثي المنبوذ.
بالنظر إلي الثالوث، فإن موراكامي آسيوي، ولم ينلها من قارته سوي 5، صينيان منفيان عن بلديهما ومعارضان بما يخدم السياسات الغربية رغم نفيهما المستمر تدخل السياسة في جوائز نوبل ويابانيان، أحدهما مختل لا يعبر عن ثقافة بلاده عام 1968، الثاني فرنسي الهوي عام 1994، وسبقهم الهندي طاغور وكان خطأ سقطت فيه نوبل في زمن الاحتلال ولن يتكرر.
أما واثيونجو فأفريقي، ولم يفز بها سوي أربعة أفارقة فقط، وهو علي قلته رقم خادع، فمنهم اثنان من جنوب أفريقيا جذورهما أوروبية، ونيجيري أظهروه بأنه نتاج الاحتكاك مع الغرب المتقدم ورغم أن في هذا تقليلا من شأن سوينكا، المصري نجيب محفوظ، وكان هدفهم إظهار أن أهم كتاب مصر ملحد بالتركيز علي رواية »‬أولاد حارتنا» والتأكيد علي تفسيرات كتاب الغرب الخاطئة لها، وعدم التفاتهم حتي لتوضيحات مؤلفها نفسه، ولكن فوزه بها ضاعف من الاهتمام باللغة العربية وأعاد أدبها للساحة العالمية وفي هذا خطأ سقطت فيه لجنة نوبل لعدم دقة حساباتها ولم تكرره مرة أخري، حيث مر ما يقرب من ثلاثين عاما، ولم تذهب نوبل لعربي، وهو ما ينسحب علي أدونيس بدوره.
جدران يصعب تجاوزها
ومما يقلل من حظوظ أي منهما، بل ويجعلها منعدمة تقريبا، أن كل منهما تمسك بلغة بلاده وأخلص لقوميتها وهو ما لن يقبله الغرب أو يتغاضي عنه إلا في حالات قصوي كالنيل من أحد أعدائها كما في حالة فوز أوي المعارض لبلاده الصين، لأليكسييفيتش باعتبارها معارضة لروسيا وهو أمر غير دقيق حاول الإعلام الغربي التسويق له بينما موراكامي لن يتخلي عن ثقافته اليابانية، وبظهوره حلت أعماله محل الكتابات الإنجليزية التي سيطرت لعدة عقود باليابان وهو أمر غير إيجابي للغرب ويجعله غير مرغوب، إلي جانب أنه هاجم جوائز نوبل وسخر من اختياراتها وخاصة جائزتي السلام والأدب، ومن غير المرجح أن يتسامحوا معه في ذلك.
لا يختلف موقف واثيونجو، بل يبدو أشد وأخطر، فهو يحاول فرض إحدي لغات الأقليات حول العالم وهو إن تحقق سيكون علي حساب إحدي اللغات الغربية السائدة وخاصة الإنجليزية أو الفرنسية، إلي جانب مناهضته المستمرة علنيا للاستعمار الجديد، وهو ما يدفع لجنة نوبل أكثر لنبذه حتي تنأي بنفسها عن هذا الصراع أو بالأحري هذا ما يظنه أعضاؤها، فهي بموقفها وضعت نفسها أمام الفوهة وتظن أنها بمأمن!
وصولا إلي المأزق الحقيقي عند أدونيس ولغته العربية، فإذا كانت لغة واثيونجو التي يتحدث بها بضع ملايين تخيفهم، فماذا عن لغة يتحدث بها 300 مليون؟ وهذا العدد قابل للزيادة مستقبلا، لغة تنافس الفرنسية بقوة وتؤثر سلبا علي الإنجليزية في كل الأحوال، خاصة أنه وفي ظل صعوبة ترجمة الشعر وعدم قدرة مؤلفها علي إعادة كتابته بلغات أخري مما يجيدها، سيدفع عشاق الشعر تجاه تعلم اللغة العربية ليس من أجل إبداعات أدونيس فقط ولكن غيره من الشعر العربي، كما يعد موقفه السلبي من »‬انتفاضة سوريا» بحسب وصف الناقدة ماري كويلي في الجارديان وهي الحركة التي يقف خلفها الغرب منذ سنوات من أكثر الأسباب التي جعلته غير مرحب به للانضمام لقائمة نوبل.
ويبقي السؤال الذي سنترك إجابته للقارئ الكريم، من الخاسر الحقيقي من هذا النبذ والتخلي، موراكامي وواثيونجو وأدونيس أم جوائز نوبل وتاريخها؟.