رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أكتوبر ١٩٤٨


كازو إيشيجورو ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
10/7/2017 12:42:07 PM

إذا تسلقت في يوم مشمس الطريق المنحدر الذي يرتقي لأعلي مبتدئاً بالجسر الخشبي الصغير، ذاك الجسر الذي مازال يشار إليه في هذه الأنحاء بـ »جسر التردد»‬، فلن تضطر إلي المشي بعيداً قبل أن يتراءي لك سطح منزلي من بين قمتين من قمم أشجار الجنكة. وحتي لو  لم يحتل المنزل مثل هذا الموقع المطل علي التل، كان سيظل بارزاً من بين كل المنازل المجاورة، ومن ثم فقد تتساءل إن صعدت الطريق عن ماهية الثري الذي يمتلكه.
بيد أني لست وما كنت أبداً رجلاً واسع الثراء. وربما يمكن تفسير أبهة المظهر الخارجي للمنزل لو أنبأتك أن الذي بناه هو سلفي الذي لم يكن سوي أكيرا سوجيمورا. بالطبع قد تكون غريباً عن هذه المدينة وفي هذه الحالة لن تألف اسم أكيرا سوجيمورا. لكن اذكره لأي شخص عاش هنا قبل الحرب وسوف تعلم أن سوجيمورا كان بلا مراء من بين أكثر رجال المدينة احتراماً ونفوذاً لمدة تقارب ثلاثين عاماً.
لو أخبرتك بهذا، فلعلك حقاً تتساءل عند وصولك لسطح التل ووقوفك عليه متطلعاً إلي المدخل الجميل المصنوع من خشب الأرز، والمساحة الواسعة المحاطة بسور الحديقة، والسطع بقراميده الفاخرة ورافدته المنقوشة بأناقة التي تبرز قبالة المنظر، كيف تأتي لي الحصول علي مثل هذا العقار مع كوني حسبما أزعم رجلا متوسط الدخل. في الحق إني ابتعت المنزل بثمن بخس لايكاد يستحق الذكر- بل بسعر قد لايساوي نصف القيمة الفعلية للعقار في تلك الآونة. وقد تيسر ذلك بسبب إجراء غاية في الغرابة - يمكن أن يصفه البعض بالحماقة - أثارته عائلة سوجيمورا أثناء البيع.
مضي الآن علي هذه الحادثة نحو خمس عشرة سنة. في تلك الأيام عندما ظهر التحسن علي أحوالي بمرور الشهور، جعلت زوجتي تلح علي للعثور علي منزل جديد. وببصيرتها المعتادة، ناقشت أهمية امتلاكنا لمنزل يتماشي مع مقامنا- ليس من قبيل الزهو ولكن من أجل احتمالات زواج بناتنا. أدركت  صواب رأيها، ولكن بما أن سيتسوكو، كبري أطفالنا، كانت ماتزال في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها، لم أشرع في الأمر علي عجل وبرغم ذلك، ولمدة حوالي سنة، كلما سمعت عن منزل مناسب للبيع، أتذكر أن أستعلم عنه. وكان أحد تلاميذي أول من نبهني إلي أن منزل سوجيمورا معروض للبيع عقب سنة من وفاته. وبدت فكرة شرائي لمثل هذا المنزل منافية للعقل ورددت الاقتراح إلي الاحترام المبالغ فيه الذي طالما خلعه علي تلاميذي. لكني مع ذلك استفسرت عن المنزل وحظيت برد غير متوقع.
زارتني بعد ظهر أحد الأيام سيدتان متعجرفتان ذاتا شعر أشيب واتضح أنهما بنتا أكيرا سوجيمورا. ولما عبرت عن دهشتي لمثل هذا الاهتمام الشخصي بي من قبل عائلة بهذا السمو، أنبأتني الأخت الكبري بلهجة باردة أنهما لم تحضرا بدافع الكياسة فقط. ففي خلال الشهور السابقة تلقت العائلة عدداً كبيراً من الاستعلامات حول منزل والدهما الراحل، غير أن العائلة قررت في النهاية رفضها جميعاً عدا أربعة طلبات. وقد تحري أفراد العائلة الدقة في انتخاب المتقدمين الأربعة، إذ تم اختيارهم علي أساس محض من كرم الخلق وحسن الإنجاز.
واصلت الأخت الكبري: »‬إنه لغاية في الأهمية بالنسبة لنا أن ينتقل المنزل الذي بناه أبونا لشخص يوافق عليه ويعتبره جديراً به. وترغمنا الظروف بطبيعة الحال علي مراعاة الجانب المادي، علي أن هذا الجانب ثانوي تماماً. وقد حددنا بناء علي هذا سعراً..».
عند هذه اللحظة أعطتني الأخت الصغري، التي لم تتكلم كلمة واحدة، ظرفاً، وراقبتاني بوجهين متجهمين وأنا أفتحه. كان بداخله ورقة واحدة خالية من الكتابة فيما عدا رقم كتب بأناقة باستخدام فرشاة حبر. كنت علي وشك التعبير عن دهشتي للثمن الضئيل إلا أني رأيت وقتها من خلال الوجهين أمامي أن أية مناقشة أخري للماديات ستعد بغيضة. قالت  الأخت الكبري ببساطة: »‬لن يكون في مصلحة أي منكم أن يحاول المزايدة علي غيره. فنحن لانرغب في أن نحصل علي أي شيء سوي الثمن المحدد. إذ نهدف من الآن فصاعداً إلي إدارة مزاد يتسم بالوجاهة.».
وشرحت أنهما قد حضرتا شخصياً لسؤالي رسمياً بالنيابة عن عائلة سوجيمورا أن أخضع نفسي- مع المتقدمين الثلاثة الآخرين طبعاً - لتحر أدق عن خلفيتي وأوراق اعتمادي. وهكذا سوف يتم اختيار مشتر مناسب.
كان إجراء غريباً  ولكني لم أره بغيضاً، لقد كان في النهاية أشبه بالانهماك في مفاوضات للزواج. شعرت حقيقة بشيء من الإطراء لاعتباري مرشحاً جديراً من قبل هذه العائلة العتيقة المحافظة، وعندما وافقت علي التحري وعبرت عن امتناني لهما، خاطبتني الأخت  الصغري للمرة الأولي قائلة: »‬كان أبونا رجلاً مثقفاً يا سيد أونو. وكان يكن عظيم الاحترام للفنانين. وكان بحق علي دراية بعملك.».
في الأيام التالية أجريت استفساراتي الخاصة واكتشفت صحة كلمات الأخت الصغري، فقد كان أكيرا سوجيمورا بالفعل متحمساً للفن حيث دعم المعارض بأمواله في عدة مناسبات. صادفت أيضاً بعض الإشاعات المثيرة للاهتمام: إذ يبدو أن جانباً كبيراً من أفراد عائلة سوجيمورا وقف ضد فكرة بيع المنزل علي أي نحو  ودارت مجادلات مريرة حول المسألة، في النهاية كانت الضغوط المادية تعني حتمية البيع، وكانت إجراءات الصفقة الغريبة بمثابة التسوية التي تم التوصل إليها مع من لم يشاءوا أن يخرج البيت عن العائلة.. ولا يمكن إنكار وجود شيء تعسفي في هذه الترتيبات، لكني من جانبي كنت مستعداً أن أتعاطف مع أحاسيس عائلة لها هذا التاريخ المميز. غير أن زوجتي لم تتقبل فكرة التحري.
اعترضت الزوجة: »‬من يخالون أنفسهم، ينبغي أن نقول لهم إننا لانريد أية علاقة بهم بعد الآن».
فأوضحت لها: »‬لكن ماذا سيضيرنا من الأمر؟ لاتعيبنا شائنة لانود أن يكتشفوها صحيح إني لست من أصول ثرية، لكن بالقطع يعلم  آل سوجميورا ذلك بالفعل، ومازالوا يعتقدون أننا مرشحون جديرون بالمنزل. فدعيهم يتحرون، فلن يسعهم إلا أن يجدوا ما في صالحنا». وكان من اللازم أن  أضيف: »‬مهما يكن الأمر هم لايفعلون أكثر مما كانوا سيفعلون لو أننا نتفاوض معهم في زواج. سوف نضطر للاعتياد علي مثل هذه الأمور».
إلي جانب أنه هناك بالتأكيد ما يدعو لكثير من الإعجاب بفكرة  »‬المزاد المتسم بالوجاهة» كما أسمته الأخت الكبري. ويتساءل المرء عما يحول دون حسم الأمور في أحوال أكثر من خلال مثل هذه الوسائل. كم هو أكثر نبلاً هذا التنافس، حيث تقدم أخلاق المرء وإنجازاته كشواهد دالة عليه بدلاً من حجم ثروته. لازلت أتذكر الرضا العميق الذي شعرت به عندما علمت أن  آل سوجيمورا اعتبروني عقب تحر مستفيض أجدر من يتملك المنزل الذي يجلونه عظيم الإجلال. والمنزل بالتأكيد يستحق تحمل بعض الإزعاج من أجله، ففضلا عن مهابة مظهره الخارجي المؤثر، تجده من الداخل مصنوعاً من الأخشاب الناعمة الطبيعية المختارة لجمال تجزعاتها، وكل من عاش منا فيه وجده باعثاً علي الاسترخاء والهدوء.
وبرغم ذلك تجلي تحكم آل سوجيمورا في كل الجوانب أثناء  عقد جلسات الصفقة، فما حاول بعض أفراد الأسرة أن يخفوا عداءهم حيالنا، وربما قد شعر أحد المشترين الأقل تفهماً بالإهانة ونبذ الأمر برمته. حتي في السنين التالية كنت أحياناً أصادف بعض أفراد العائلة الذين كانوا يقفون في الشارع ليستجوبوني عن حالة المنزل وعن أية تغيرات قمت بها بدلاً من تبادل المعتاد من مهذب الحديث.
قلما أسمع هذه الأيام عن آل سوجيمورا. مع ذلك زارتني عقب فترة وجيزة من الاستلام الأخت الصغري التي فاتحتني في الموضوع وقت البيع. وقد أحالتها سنون الحرب إلي عجوز نحيفة. وكما هو أشبه بطبائع العائلة لم تجاهد كي تخفي أن همها منصب علي  ما حدث للمنزل أثناء الحرب، وليس سكانه، وقد عزتني عزاء وجيزاً عند سماعها بما حدث لزوجتي »‬ولكنجي» قبل البدء في السؤال عن الضرر الذي أسفر عنه القصف. فتميزت من الحنق عليها مبدأ الأمر، بيد أني بدأت حينذاك ألحظ كيف كانت عيناها تتردد في الحجرةبطريقة لا إرادية، وكيف كانت تتوقف أحياناً فجأة وسط إحدي جملها المدروسة الرسمية، فأدركت أنها تكابد جيشاناً عاطفياً حين وجدت نفسها تؤوب إلي هذا المنزل مجدداً. ثم عندما خمنت أن معظم أفراد عائلتها الذين كانوا موجودين وقت البيع قد عاجلتهم المنية الآن، بدأت أشفق عليها وعرضت أن أريها المكان.
بلي المنزل بنصيبه من دمار الحرب. فقد بني أكيرا سوجيمورا جناحاً شرقياً للمنزل يتضمن ثلاث حجرات واسعة يصلها بالجزء الرئيس من المنزل ممر طويل يقطع جانباً واحداً من الحديقة. كان هذا الممر مفرط الطول حتي أوحي البعض أن سوجميورا بناه - مع الجناح الشرقي- لوالديه اللذين كان يريدهما بمنأي عنه. علي كل كان الممر واحداً من أبرز عوامل الجذب في المنزل، فعند الأصيل يتعامد طوله بالكامل مع أضواء أوراق النباتات وظلالها بالخارج، حتي ليشعر المرء أنه يمشي في حديقة علي هيئة نفق. وقد أثر أغلب الدمار الذي خلفه القصف علي هذا الجزء من المنزل، وإذ كنا نعاينه من الحديقة، أبصرت الآنسة سوجيمورا وقد أوشكت علي البكاء. في هذه اللحظة تخلصت من كل إحساسي السابق بالضيق من العجوز وطمأنتها بقدر استطاعتي أن الضرر سوف يتم إصلاحه في أول فرصة، وسوف يعود المنزل مرة أخري إلي سابق عهده كما بناه والدها.
لم أدر عندما قطعت هذا الوعد أن التجهيزات ستظل ضئيلة للغاية، فلمدة طويلة عقب الاستعلام كان من الممكن أن ينتظر المرء أسابيع إلي أن يحصل علي قطعة معينة من الخشب أو إمداد من المسامير. والعمل الذي استطعت أن أقوم به تحت مثل هذه الظروف كان لابد أن يتم في الجزء الرئيس من المنزل - الذي لم ينج كلية من الدمار- أما العمل في ممر الحديقة والجناح الشرقي فقد كان بطيئاً. ولم آل جهداً كي أمنع أي تدهور خطير يحل به، إلا أننا مازلنا لا نستطيع أن نفتح هذا الجزء من المنزل مرة أخري. إلي جانب أن وجود شخصين هنا دون سواهما هما أنا ونوريكو جعلنا لانتعجل توسيع مساحة معيشتنا.
إذا أخذتك اليوم إلي خلفية المنزل وأرحت جانباً  الحاجز الثقيل لأسمح لك أن تحدق في بقايا ممر حديقة سوجيمورا، ربما تولد لديك مع ذلك الانطباع عما كان عليه من روعة فيما خلا. لكنك بلا شك ستلحظ كذلك خيوط العنكبوت والعفن اللذين ما استطعت منعهما، والفجوات الواسعة التي تتخلل السطح والتي لايحجبها عن السماء سوي ألواح من المشمع. أحيانا في الصباح الباكر ازيح هذا الحاجز لأجد ضوء الشمس يتدفق من خلال المشمع في صورة أشعة باهتة الألوان، كاشفا عن سحب من التراب المعلقة في الهواء وكأن السطح قد انهار في نفس هذه
اللحظة.
وباستثناء الممر والجناح الشرقي أصاب الشرفة أكبر الضرر، وكان أفراد أسرتي ولاسيما ابنتي مغرمين دوما بتقضية الوقت في الجلوس هناك، يثرثرون ويشاهدون الحديقة، لذاعندما  زارتنا سيتسوكو- ابنتي المتزوجة - لأول مرة عقب الاستسلام، لم أعجب لرؤية حزنها العميق علي حالة الشرفة. كنت وقتها قد أصلحت أسوأ ما في الدمار، إلا أن أحد أطرافها كان لايزال متموجاً ومتهدماً حيث دفع تأثير الانفجار الألواح من أسفل. وقد عاني أيضاً سطح الشرفة، ففي الأيام المطيرة مازلنا نضطر إلي أن نصف الآواني علي ألواح الأرضية لتلتقط الماء المتساقط.
غير أني استطعت أن أحرز بعض التقدم علي مدار السنة السابقة، وبحلول زيارة سيتسوكو التالية الشهر الماضي، كانت الشرفة قد رممت بالكامل تقريباً. أخذت نوريكو أجازة من العمل من أجل زيارة أختها، وهكذا ومع استمرار  الجو الصحو قضت ابنتاي الاثنتان الكثير من وقتهما بالخارج مثلما كانتا تفعلان في الأيام الخوالي. غالباً ما انضممت إليهما، وبين الفينة والأخري كان الحال يشبه تقريباً ما كان يجري في سنوات سابقة، ذلك عندما تجتمع العائلة هناك في الأيام المشمسة ليتبادلوا الأحاديث المسترخية، الفارغة في الغالب. وفي وقت ما من الشهر الماضي- ربما كان الصباح الأول بعد وصول سيتسوكو- كنا جالسين هناك في الشرفة بعد الإفطار عندما قالت نوريكو:
»‬أنا مرتاحة أنا حضرت أخيرا يا سيتسوكو. سوف ترفعين عن كاهلي قليلاً مسئولية أبي».
»‬كفي يانوريكو»... عدلت أختها الكبري من جلستها علي الوسادة بطريقة تنم عن عدم
راحتها.
»‬أبي بحاجة إلي الكثير من الرعاية أما وقد تقاعد الآن» استرسلت نوريكو في الحديث بابتسامة خبيثة. »‬لابد أن تشغلي وقته وإلا سيبدأ في التحول في المنزل»..
»‬حقاً.. »ابتسمت سيتسوكو بعصبية، ثم لاحت منها التفاتة إلي الحديقة متنهدة:
»‬يبدو أن شجرة القيقب قد تعافت بالكامل. إنها تبدو رائعة الجمال». »‬يبدو أن سيتسوكو ليست لديها أية فكرة عن طباعك هذه الأيام يا أبي. إنها تتذكرك فقط عندما كنت طاغيا آمرا لنا طوال الوقت. أنت الآن أكثر رقة، أليس كذلك؟»
أطلقت ضحكة لأبين لسيتسوكو أن كل هذا الكلام مجرد دعابة، غير أن الضيق كان مازال باديا علي وجه ابنتي الكبري. التفتت نوريكو لأختها وأضافت قائلة: »‬لكنه بالفعل يحتاج إلي الكثير من الرعاية لأنه يتجول في المنزل طيلة اليوم».
»‬كلام فارغ كالعادة» قلت بدوري مقاطعا. »‬إذا كنت أقضي اليوم بأكمله في التجول، كيف تأتي لي إنجاز كل هذه الإصلاحات؟»
»‬حقا» قالت سيتسوكو متجهة ببصرها نحوي وهي باسمة الثغر. : إن المنزل يبدو رائعا الآن. لابد أن أبي قد عمل  جاهداً علي  اصلاحه»
»‬لقد احضر رجالا لمعاونته في جميع الأجزاء الصعبة يبدو أنك لا تصدقيني ياسيتسوكو لقد تغير أبي تغيرا كبيراً الآن ما عادت بنا حاجة إلي الخوف منه. فقد أصبح أكثر رقة وأكثر حبا للحياة المنزلية.
»‬ويحك يا نوريكو....»
»‬بل إنه يطبخ من آن لآخر. لا يمكنك تصديق ذلك، أليس كذلك؟ أبي أصبح طباخا ماهرا هذه الأيام؟»
قالت سيتسوكو بهدوء: »‬أعتقد أننا ناقشنا هذا الأمر بما فيه الكفاية يا نوريكو، أليس كذلك يا أبي. إنك تحرز الكثير من التقدم».
ابتسمت ابتسامة أخري وهززت رأسي تعبا. أذكر أنه عند هذه اللحظة حانت من نوريكو التفاتة نحو الحديقة وأغمضت عينيها لتتقي ضوء الشمس قائلة: »‬حسنا، لا يستطيع أن يعتمد علي في أن أرجع وأطبخ حين أتزوج.سيكون عندي ما يكفي لعمله بدون الاعتناء بأبي أيضا»
حين تفوهت نوريكو بهذه الكلمات، رمتني أختها الكبري التي كانت حتي ذلك الوقت تتحفظ في اخفاء تحديقها بنظرة سريعة متسائلة. مرة ثانية تحولت عيناها عني في الحال لأنها كانت مضطرة لرد ابتسامة نوريكو. إلا أن سلوك سيتسوكو داخله اضطراب جديد أكثر عمقا، وبدت ممتنة عندما أعطاها ابنها الصغير فرصة لتغيير الموضوع، وهو يمر بنا بسرعة في اتجاه الشرفة، إذ نادت عليه: »‬إشيرو، اهدأ أرجوك!».
لاشك أن إشيرو كان مبهورا بمساحة منزلنا الواسعة بعد أن ألف شقة والديه الحديثة. علي أي حال ظهر أنه لايشاركنا في افتتاننا بالجلوس في الشرفة، مفضلا الجري بسرعة كبيرة جيئة وذهابا بطول الشرفة، منزلقا أحيانا علي الألواح المصقولة وقد أوشك أكثر من مرة علي قلب صينية الشاي، لكن لم تفلح للآن دعوات أمه أن يقعد. وكذلك عندما دعته سيتسوكو أن يقعد معنا مكث عابسا في نهاية الشرفة.
ناديت عليه تعال يا إشيرو أشعر بالملل من الكلام مع النساء طوال الوقت تعالي واقعد بجانبي وسنتكلم في مواضيع الرجال، أحضره هذا الكلام فوضع وسادته  بجانبي ثم جلس بتهذيب،  يداه علي فخذيه وأكتافه مرفوعة جيداً للخلف أو حي قال في حدة »‬عندي سؤال»، »‬نعم يا إشيرو ماهو؟»
»‬أريد أن أعرف عن الوحش»
»‬الوحش؟»
»‬هل هو مخلوق من قبل التاريخ؟»
»‬من قبل التاريخ؟ أنت تعرف بالفعل مثل هذه التعبيرات؟ لابد أنك صبيذكي».
في هذه اللحظة بدأ تهذيب إشيرو يتراجع فقد تخلي عن وضعه المتكلف واستلقي علي ظهره وطفق يلوح بقدميه في الهواء.
»‬إشيرو!» همست سيتسوكو متعجلة. »‬يالها من تصرفات سيئة أمام جدك. اعتدل!»
ما كان من إشيرو إلا إن ترك قدميه تنخفضان بلا حراك علي ألواح الأرضية. عندئذ ضم ذراعيه علي صدره وأغلق عينيه.
»‬أوجي» قال بصوت ناعس، »‬هل الوحش مخلوق من قبل التاريخ»؟
»‬أي وحش هذا يا إشيرو؟»
»‬أرجوك لا تواخذه» قالت سيتسوكو باتبسامة عصبية تعلو وجهها »‬كان هناك ملصق يعلن عن فيلم خارج . محطة القطار عندما وصلنا بالأمس لقد أزعج سائق التاكسي بالعديد  من الأسئلة، خسارة إني لم أر  الملصق بنفسي»
»‬أوجي! هل الوحش مخلوق من قبل التاريخ أم لا  أريد إجابة!»
»‬إشيرو!» رمته أمه بنظرة مخيفة
»‬لست متأكدا يا إشيرو، أعتقد أنه علينا أن نري الفيلم لنعرف الرد».
»‬متي سنري الفيلم إذا؟»
»‬أأ. من الأفضل أن تناقش ذلك مع والدتك من يدري، فربما يكون أكثر رعبا للأطفال الصغار مما ينبغي».
ما قصدت أن تكون الملحوظة مستفزة ولكن كان تأثيرها مروعا علي حفيدي. فقد تراجع جالسا ورمقني صائحا: »‬كيف تجرؤ! ماذا تقول!»
»‬إشيرو!» صرخت سيتسوكو بفزع. إلا ان اشيرو ظل ينظر إلي بنظرات جد مرعبة، واضطرت أمه أن تبرح وسادتها لتأتي إلينا. »‬إشيرو!» همست له وهي تهز ذراعه. »‬لا تحملق في جدك هكذا».