رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

إيشيجورو: ليست وظيفة الكاتب أن يحكي


ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر
10/7/2017 1:13:15 PM

كتب الروائي كازو إيشيجورو الفائز بجائزة نوبل للآداب هذا العام عددًا من الروايات من بينها روايته بقايا اليوم التي صدرت عام 1989 وفازت بجائزة المان بوكر لتصبح علي قائمة الكتب الأعلي مبيعًا علي مستوي العالم. تُرجمت أعماله لثماني وعشرين لغة، وحصل عام 1995 علي وسام الإمبراطورية البريطانية تكريمًا لخدماته التي قدّمها للأدب، ومنحته الحكومة الفرنسية وسام الفنون والآداب عام 1998. يعيش إيشيجورو الآن في لندن مع زوجته وابنته.
روايته الأخيرة، لا تدعني أرحل، حكاية مثيرة عن الصداقة والحبّ تنشأ فيها بطلتها الطفلة كاثي التي تبلغ الآن واحد وثلاثين عامًا داخل مدرسة هيلشام، وهي مدرسة خاصّة بالريف الإنجليزي الخلاب يتخذها الأطفال ملاذًا من العالم الخارجي، علي الاعتقاد أنّهم مميزون وأنّ رفاهيتهم أمر شديد الأهمية لا بالنسبة لهم فقط بل بالنسبة للمجتمع الذي سيصبحون أعضاءً فيه في نهاية المطاف. كانت كاثي قد تركت هذا الماضي الشاعري خلف ظهرها منذ زمن بعيد، لكن حين يعاود صديقان من هيلشام الظهور في حياتها، تكفّ عن مقاومة ضغط الذاكرة.
هكذا، في الوقت الّذي تنتعش فيه صداقتها مع روث، وتتأجج مشاعرها التي لطالما حرّكت سنوات مراهقتها نحو طومي وتبدأ في التحول إلي حبّ، تستعيد كاثي سنواتهم في هيلشام. فتصف مشاهد سعيدة لصبيان وبنات يكبرون معًا، رابطي الجأش، بل مرتاحين لعزلتهم. لكنها تصف مشاهد أخري أيضًا: مشاهد شقاق وسوء فهم تلمِّح إلي سر غامض يقبع خلف واجهة هيلشام الودودة. ومع بزوغ الإدراك المتأخِّر، يُضطر الأصدقاء الثلاثة لمواجهة حقيقة طفولتهم- وحقيقة حيواتهم الآن.
ما هي النقطة التي انطلقت منها لكتابة روايتك لا تدعني أرحل؟
خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، كنتُ أكتب أجزاء من قصة عن مجموعة غريبة من الطلاب في الريف الإنجليزي. لم أكن واثقًا قطّ من هوية هؤلاء الطلاب، كل ما عرفته كان أنّهم عاشوا داخل أكواخ خربة، ومع ذلك كانوا يقومون بالقليل من أعمال الطلاب العادية- النقاش بشأن كتاب ما؛ العمل علي كتابة مقال؛ السقوط في الحب والتخلي عنه- ما من حرم جامعي أو مُدرِّس علي مرمي البصر. كنت أعرف أيضًا أن مصيرًا غريبًا ينتظر هؤلاء الطلاب، لكنني كنت أجهل ما هو. أحتفظ داخل مكتبي بالمنزل بالكثير من تلك القصاصات القصيرة التي يرجع بعضها إلي أوائل التسعينيات. أردت كتابة رواية عن طلابي، لكنني لم أتعدّ هذا، ودائمًا ما كان ينتهي بي الحال بكتابة رواية مُغايرة تمامًا. ثمّ، منذ حوالي أربع سنوات سمعت نقاشًا بالراديو عن ما شهده حقل البيوتكنولوجي من تقدّم. لا اكترث في العادة بالنقاشات العلمية، لكنني أصغيت هذه المرة، وعثرت أخيرًا علي الإطار المحيط بطلابي أبطال الرواية. صار في مستطاعي أن أري طريقة لكتابة قصة بسيطة، لكن شديدة الجوهرية، عن الحزن والظرف الإنساني.
تدور الرواية بانجلترا أواخر القرن العشرين. رغم ذلك تضم ديستوبيا أساسية ذات بعد يغلب عليه الخيال العلمي تتوقع في العادة أن تصادفه بقصص مستقبلية( مثل عالم جديد شجاع)، هل صادفت إغواء في أي لحظة لنقل الأحداث للمستقبل؟
لم يغوني نقل الأحداث إلي المستقبل قطّ. هذه مسألة شخصية بعض الشيء؛ إذْ لا تثيرني المشاهد المستقبلية. إلي جانب عدم امتلاكي الطاقة للتفكير بشأن شكل السيارات أو المتاجر وخلافه في حضارة مستقبلية. كما أنّني لم أرغب في كتابة شيء يُساء تقديره بوصفه نبوءة. بل أردت كتابة قصة يجد فيها كل قاريء صديً لحياته أو حياتها.
عمومًا، لطالما كنتُ أري أحداث الرواية في سبعينيات أو ثمانينيات انجلترا- انجلترا شبابي، حسبما افترض. انجلترا مُغايرة تمامًا لانجلترا كبار الخدم وسيارات الرولزرويس، لنقل، انجلترا بقايا اليوم. صوّرت انجلترا خلال يوم غائم؛ حقول خالية من المحاصيل؛ شروق واهن؛ شوارع باهتة؛ مزارع مهجورة؛ وطرق خالية. بعيدًا عن طفولة كاثي، التي ربما كان بها القليل من الدفء والحيوية، أردت رسم انجلترا ذات جمال قاس يجمّد الأطراف يُخالط بعض المناطق الريفية البعيدة وبعض المدن الساحلية نصف المنسية.
بلي، يُمكنك القول إنّ ثمة بُعد ديستوبي أو خيال علمي، لكنني أفكر فيه بوصفه تاريخًا بديلًا بالأحري، يُمكن ضمه لمسائل مثل ماذا لو كان هتلر قد ربح الحرب؟ أو ماذا لو لم يكن كينيدي قد تعرّض للاغتيال؟ تطرح الرواية رؤية لبريطانيا ربّما كانت لتتواجد في أواخر القرن العشرين لو كان الأمور قد جرت بشكل مُغاير علميًّا في أمر أو اثنين.
ليست كاثي، الراوية في هذا الكتاب، راوية متحفّظة شأن رواتك السابقين(كرواة بقايا اليوم، وحين كنّا يتامي) وهي تبدو جديرة بثقة القاريء. هل يمثِّل ذلك تحوّل متعمّد من جانبك؟
أحد المخاطر التي ينبغي عليك التصدي لها كروائي هي تكرار أشياء اتقنتها في الماضي، لا لشيء إلا لأنّ تكرارها أمر مطمئن بالنسبة لك. لقد حظيت بالمدح في الماضي بسبب رواتي غير الجديرين بالثقة؛ الميالين لخداع ذواتهم؛ ممن لديهم القدرة علي ضبط مشاعرهم. يُمكنك القول إنّ ذلك كان علامة مميزة لأعمالي في مرحلة ما، لكن صار لزامًا عليّ أن أحرص ألا أُربك رواتي بهويتي ككاتب. الأمر في غاية السهولة، في كل مسارات الحياة، أن تقع في شرك أشياء جلبت لك يومًا المديح والتقدير.
لا يعني هذا القول إنّني لن أمهل رواتي المتحفظين غير الجديرين بالثقة فرصة أخري لو كان هذا ما تستدعيه الكتابة. فكما تري، في الماضي، كان رواتي غير جديرين بالثقة، لا لأنّهم كانوا حمقي، لكن لأنّهم كانوا بطبيعتهم ميالين لخداع ذواتهم. وهم حين يتأملون ما مضي من حيواتهم الفاشلة، يجدون صعوبة في رؤية الأمور كما هي بشكل صريح. هذا النمط من خداع الذات شائع بيننا، وقد أردت فعلًا أن استكشف هذه الثيمة في كتبي الأولي. لكن »لا تدعني ارحل»‬  ليست مهتمة بذلك النوع من خداع الذات، لذلك أرادت أن يكون الراوي مُختلفًا. قد يعني وجود راو غير جدير بالثقة هنا عقبة في الطريق.
هل كانت الكتابة من وجهة نظر أنثي تجربة مختلفة، كذلك الكتابة بلغة دارجة حديثة بدلًا من اللغة الرسمية كما في رواياتك السابقة؟
لم تقلقني كثيرًا مسألة الاستعانة براوية أنثي؛ فأولي رواياتي منظر شاحب للتلال روتها امرأة أيضًا. في شبابي كنت اعتمد علي رواة كبار في السن يعيشون وسط ثقافات شديدة الاختلاف عن ثقافتي. هناك قفزة خيالية عليك القيام بها كي تسكن شخصية قصصية علي أي حال، حينها يصبح نوع الشخصية مُجرد عنصر من عناصر كثيرة عليك التفكير بها- وربّما لا يكون العنصر الّذي يفرض التحدي الأكبر.
أمّا بالنسبة للأسلوب الأكثر عامية، حسنًا، كانت امرأة تروي قصة بانجلترا المعاصرة، لذلك كان عليّ أن أجعلها تتكلّم بشكل مناسب. هذه أمور فنية كما يقوم الممثلون بأداء اللكنات. لم يكن التحدي هو إنجاز صوت أكثر عامية، أو أكثر اصطلاحية، بل العثور علي صوت يمثّل طبيعة الشخصية بشكل ملائم. العثور علي صوت يتيح للقاريء التفاعل مع الشخصية لا من خلال ما يفعله أو ما تفعله في أحداث القصة فحسب، بل من خلال الطريقة التي تفكر أو تتكلّم بها.
هذه الرواية، شأن أغلب رواياتك الأخري، تُري من خلال مصفاة الذاكرة. لماذا تُعد الذاكرة موضوعًا مكررًا في أعمالك؟
لطالما أعجبني نسيج الذاكرة. يعجبني أن يكون المشهد البازغ من ذاكرة الراوي ضبابيًّا بعض الشيء، تتراص فيه كل أنواع المشاعر، ومفتوحًا علي المناورة. وظيفة الكاتب ليست أن يحكي للقاريء أنّ كيتًا وكيتًا قد جري، بل إثارة أسئلة من قبيل: لماذا تذكرت هذا الحادث في هذا التوقيت تحديدًا؟ وما هي مشاعرها حياله؟ وحين تقول إنّها لا تذكر بالضبط ما جري، لكنها تروي لنا التفاصيل علي أي حال، حسنًا، لأي حد نثق فيها؟ وهكذا. أحبّ كل هذه الأشياء الحاذقة التي يُمكنك عملها حين تروي قصة من خلال ذكريات شخص ما.
لكن ينبغي القول إنّني اعتقد أنّ الدور الذي لعبته الذاكرة في »‬لا تدعني ارحل» مُغاير تمامًا عمّا تصادفه في رواياتي الأولي. فمثلًا، في رواية بقايا اليوم، كانت الذاكرة شيئًا لابد من التفتيش فيه بحرص شديد عن التحولات الحاسمة الخاطئة، عن مصادر الندم والأسف.

لكن في هذا الكتاب، ذكريات كاثي خيّرة أكثر، وهي تشكِّل مصدرًا للسلون بشكل أساسي. مع انقضاء عمرها، وخلو عالمها شيئًا فشيئًا من الأشياء التي تعتبرها عزيزة عليها، فإنّ ما تتشبّث به هي ذكرياتها عنهم.
المكان الّذي يشهد أحداث القسم الأول من هذه الرواية هو مدرسة داخلية وقد امسكت ببراعة مسألة ضغط الأقران والوعي الذاتي بكون المرء طفلًا في مكان كهذا. هل استعنت بماضيك الشخصي في كتابة هذا الجزء؟ وهل توافرت لك مصادر مباشرة أخري، كابنتك مثلًا؟
لم التحق بأي مدرسة داخلية، كما أنّ ابنتي لم تلتحق هي الأخري بمدرسة من هذا النوع إلي الآن! لكن بالطبع استعنت بما لديّ من ذكريات عن شعور الطفل والمراهق. ورغم أنّني لم أدرس ابنتي ولا أصدقائها، إلا أنّني أجد أنّه لا مناص من أن تدلي تجربة كون المرء أبًا بدلوها أثناء الكتابة عن الأبناء.
أما وقد قلت ذلك، فينبغي التشديد علي أنّه ما من مشهد بعينه في ذلك القسم الخاص بالمدرسة اعتمد، ولو جزئيًّا، علي حدث حقيقي جري لي أو لأي شخص أعرفه. فحين أكتب عن الشباب، أقوم بالشيء ذاته الذي أقوم به حين أكتب عن الكهول، أو أي شخصية أخري تختلف عني في التجربة والثقافة. وهي أن أبذل قصاري جهدي في التفكير والإحساس مثلهم، ثم أري إلي أين يحملني ذلك. وأنا لا أجد هؤلاء الأطفال يتقدمون لي بأي مطالب خاصة كروائي. ليسوا إلا شخصيات، شأنهم شأن غيرهم.
لابد أن أضيف أنّ المدرسة مكان مغر لأنّه من ناحية تجلي مادي واضح للطريقة التي يتم بها عزل الأطفال عن عالم البالغين، كما أنّه يزودهم رويدًا رويدًا بمعلومات عن العالم القابع في انتظارهم، غالبًا بجرعات كبيرة من الخداع، سواء عن قصد أو لا. بكلمات أخري، تشكّل المدرسة استعارة جيدة عن الأطفال بشكل عام.
كتبت نصوصًا سينمائية أحيانًا، بما في ذلك نصّ الفيلم السينمائي الكونتيسة البيضاء لجيمس إيفوري. كما مررت بتجربة رؤية تحويل روايتك بقايا اليوم إلي فيلم شهير. ما هي بالنسبة لك العلاقة بين السينما والرواية؟ وهل العمل في كلا المجالين مثمر بالنسبة للكاتب أم لا؟
أجد الكتابة للسينما وكتابة الروايات أمر شديد الاختلاف. يرجع هذا في جزء منه إلي أنّ كتابة الرواية هي مهنتي، وظيفتي الدائمة، في حين لست إلا هاو متحمّس حين يتعلّق الأمر بالكتابة للسينما. أحد الاختلافات الرئيسة هي أنّ القصة في السينما تجري روايتها بشكل أساسي من خلال الصورة والموسيقي، والكلمات مُجرّد ملحق. لكن في الرواية، الكلمات هي كل ما تملك. لكن كلا الشكلين بينهما أشياء مشتركة، وأعتقد أنّه في مقدورك تعلّم الكثير عن كل منهما من خلال الآخر.
وكما تقول، فقد كتبت سيناريو »‬الكونتيسة البيضاء» واشتركت في كتابة فيلم صدر العام الماضي هو »‬الموسيقي الأكثر حزنًا في العالم». أحد الأشياء الجذّابة بالكتابة للسينما بالنسبة لي أنّها جزء من سيرورة تعاونية أوسع. ثمة شيء غير صحي يتعلّق بالاستمرار في كتابة الروايات طوال حياتك؛ فالروائي لا يتعاون مع الآخرين كما يفعل الموسيقيون أو المسرحيون، وبعد فترة قد يصبح نقص المؤثرات الجديدة أمرًا خطيرًا. بالنسبة لي، يُعد العمل في فيلم مع مُخرج وممثلين وكتّاب آخرين، طريقة جيدة للحفاظ علي استمرارية المؤثرات القادمة من الخارج.
كثيرًا ما اسئل إذا ما كنت قلقًا من أن تجعل كتابة النصوص السينمائية رواياتي تبدو كأنّها نصوصًا سينمائية هي الأخري. لكنني أجد العكس هو الصحيح. فحين أنظر ورائي، إلي روايتي الأولي، منظر شاحب للتلال، أجد أنّها تُشبه كثيرًا نصًّا سينمائيًّا بالنسبة لي. فهي تتقدم مشهدًا تلو الآخر عبر حوارات مختصرة، والقليل من الوصف. لكن بعد أن فرغت من تلك الرواية مباشرة، كتبت نصين سينمائيين لقناة التلفزيون البريطاني الرابعة، ما أجعلني أدرك بشكل تام الفرق بين كتابة الفيلم وكتابة الرواية. أصبحت راضيًا عن فكرة أنّني قد أكتب رواية كان من الممكن أن تكون مجرد فيلم.