رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

نسيم يتفقد خطي حامد عمار

السيرة الذاتية لحامد عمار »خطي اجتزناها« الذاكرة والمرآة


د.محمود نسيم
11/25/2017 3:23:56 PM

بعد أسبوعين تحل الذكري الثالثة لوفاة شيخ التربويين الدكتور حامد عمار، لذا آثرت "أخبار الأدب" أن تكون من المحتفيين به، من خلال هذا البستان الذي يقدم علي صفحاته د.محمود نسيم قراءة في السيرة الذاتية للمفكر التربوي الكبير كما دونها وسجلها في كتابه "خطي اجتزناها"؛ بين الفقر والمصادفة القدرية، التفوق والفقر، الجماعة المغلقة وانفتاح المجال العام، وطأة الاحتياجات واجتلاء الإدارة، سطوة المواريث وإرادة المعرفة، وغير ذلك من ثنائيات وتجارب مركبة مترددة ومشاعة في السيرة التي استعار لها صاحبها فعل المرآة وصاغها عبر اختزان الذاكرة للمشاهد والكلمات والوقائع والعلامات، فكانت كما أراد لها أن تكون، مرآة عاكسة؛ ليس فقط صورته المتحولة وإنما البناءات الاجتماعية والمعرفية في مصر علي امتداد سنوات وتحولات متصلة وكاشفة.

لديّ، ابتداءً، وأنا أقارب السيرة الذاتية لحامد عمار ثلاث ملاحظات تمهيدية، الأولي متصلة بكتابة السيرة ذاتها وطبيعتها الإشكالية، حيث تتخذ الذات الكاتبة من نفسها موضوعاً للكتابة، متماهية مع عالمها الواقعي، راصدة ومسجلة وقائعه وأحداثه وتواريخه منظوراً لها من زاوية الذات الكاتبة التي هي في الوقت نفسه موضوع السيرة وموضع ارتكازها الحياتي، فتتوحد بذلك الذاتان: الكاتبة والمكتوبة وفق تعاقد ضمني مع القارئ تصبح معه الكتابة تسجيلا لما هو واقعي ورصداً لما هو حقيقي في السيرة والتجربة، وتصير القراءة وفق ذلك فعلا قائما علي التصديق النسبي والقبول الضمني بما يتداعي من الوقائع والتصورات. ولكن صاحب السيرة وراويها معا يكتبها - وهذا هو الإشكالي في السيرة الذاتية - عبر سرد استعادي ينظم الوقائع ويدرجها في سياق من التتابع والحذف والتبديل والتحويل، وكذلك عبر ذاكرة انتقائية قائمة علي الإزاحة والتوليد والتركيب، كل ذلك من منظور ذات انفصلت عن الواقع المحكي وتباعدت عن الأحداث المعيشة والمستعادة الآن، مما يجعل من تلك الكيفيات: »الذاكرة الانتقائية والسرد الاستعادي والمنظور الذاتي والإزاحة اللغوية»‬ عملا تحويليا يحيل الذات الواقعية إلي ذات متخيلة بدرجة ما، أو علي الأقل ذات تسرد سيرتها الحياتية من منظور انتقائي قائم علي الإيهام والتخييل والاستبدال، متلامساً أو متداخلا مع المنسيات في التجربة والمسكوت عنه فيها، التحتي والمضمر، فيما يثبت الواقعي والمُعاش والتاريخي، مسجلا وراصداً، مما تنتج عنه تأويلات متعددة لصورتي الذات: الكاتبة والمكتوبة، فضلا عن الانزياحات المتقطعة بين الحقيقي والمتخيل، بين الزمنين: الراهن والمستعاد، بين الذاكرة ومراياها المتحولة، وفق آلية مركبة قائمة علي الانتقاء والتوليد والتركيب لا الوصف الخارجي والانعكاس المباشر والتسجيل المحايد.
ترتبط الملاحظة الثانية بما أشرت إليه في الأولي من جدل العلاقة بين الذاتين: الكاتبة والمكتوبة، وآليات التبادل المرآوي بين الصورتين: الواقعية والمتخيلة، وأعني الكيفية التي صاغ بها »‬حامد عمار» سيرته الذاتية، فقد أوردها أو حكاها لنا عبر أربع وعشرين حكاية، تتوالي الحكايات ابتداءً من حكايته الأولي عن صباه القديم وحتي اللحظة التي يكتب فيها وقد بلغ عامه الخامس والثمانين مروراً واتصالاً متتابعاً بينهما، واستشرافا ورصداً لتعاقب المراحل الزمنية من الطفولة حتي اليوم، وهكذا ما بين نقطة البداية المختارة ولقطة النهاية المقدرة، أورد »‬حامد عمار» سيرته في شكل الحكايات وأجملها في عدد هو أربع وعشرون، وكأن الحياة علي امتدادها يوم، وكأن الحكاية ساعة مقتطعة من مواقيت دائرة، هذه الكيفية ذاتها قائمة علي التحويل والمنظور الذاتي والانتقاء ونسج الوقائع وتجسيدها في شكل، فنحن نحيا ثم مع الاكتمال النسبي لمشاهد ما عشناه ومع استدارته الزمنية في لحظة انتهاء أو نسيان أو تباعد، نبدأ في الحكي والاستعادة والسرد والتذكر،  بهذا المعني، فحين يختار »‬حامد عمار» صيغة الحكاية وشكلها السردي وإيحاءها الخاص، فإنه يجري تحويلا علي التجربة المجملة لتنحل في حكايات جزئية متتابعة، وتحدث إزاحة من نقطة حكيه الآن وهو في منتصف الثمانين ليسترجع، عبر انتقاء واجتزاء واضحين، سنواته الأولي وتلك التالية عليها مستعيرا الإطار الزمني لليوم وساعاته الأربع والعشرين مُحيلا، كما أوضحت، الحياة إلي حكاية والعمر إلي يوم، من هنا ما أشرت إليه حول الطبيعة الإشكالية لشكل السيرة الذاتية من حيث تحويلها الذات الواقعية إلي ذات متخيلة، والواقعي إلي سرديّ، والحقيقي إلي مجازات، وذلك عبر آليات سردية استعادية وانتقائية وعبر إعادة تشكيل وتكوين من منظور ذاتي، وكذلك من خلال لعبة انعكاس بصري ولغوي تستجلي زمنها النوعي الخاص.
يؤكد ذلك استعارة حامد عمار المرآة وفعلها الانعكاسيَّ وتجميعها لصورة الذات الكلية، حيث أورد في فاتحة السيرة أنه حين فكر في الكتابة واستعادة التجربة كان كمن يقف أمام المرآة مُستجمعا صورته العامة مقرراً كتابة السيرة عبر محورين: محور التحول ومحور المشاعر، وهكذا فإن المرآة تمثل استعارة مكررة وثابتة في كتابة السيرة الذاتية في مجملها، فكل من صاغ سيرته استعار لها، بشكل مباشر أو ضمني، صيغة المرآة وفعلها الانعكاسي الكاشف وإيحاءها بتقابل الصورتين وامتزاجهما، فنحن مع المرآة نمتلك صورة مركزية للذات منعكسة علي صفحتها المجلوة، ونحن كذلك نتهيأ للمرآة في أفضل صورة ممكنة، وهكذا مع الفعل الانعكاسي والصورة المجتلية للذات تتجلي الكتابة ومعها تجربة الحياة المستعادة.
كما أشرت يحدد »‬حامد عمار» متوقفا أمام مرآته مجتليا عليها، شكل الكتابة التي ينتويها في محورين: التحول والمشاعر، وكأنه يدمج وقائعه الحياتية ومساراته كلها فيما دل منها علي التحول، وفيما شاع فيها من المشاعر، وهنا اختيار ثان للشكل والصيغة وكيفيات التحول من التجربة إلي الكتابة، الاختيار الأول هو ما أشرت إليه من صيغة الحكاية وعددها، الاختيار الثاني هو اقتصار الكتابة علي ما كان متعلقا منها بالتحولات وما كان متصلا بها من المشاعر، وهكذا يصبح شكل الكتابة محدداً منذ البداية وعقد اتفاقها الضمني مع القارئ جليا وملزما، الحكاية والتحول والمشاعر، العمر كله يتجلي الآن لنا عبر الذات الكاتبة لا المكتوبة، في حكايات مكتملة ونهائية و مستعادة ، فيما يشير العدد إلي ساعات اليوم، هي أربع وعشرون حكاية، كل حكاية ساعة، ومع وصول الحكايات إلي عددها الأخير، تكتمل التجربة مثلما هي الساعات التي حينما تصل هي الأخري إلي عددها المقدر والمحتوم، ينتهي اليوم.
>>>
بصورة مجملة وكلمات تلخيصية، تستعير السير الذاتية دائما شكل المرآة في فعل إيهامي للقارئ موحية أنها تصوغ ذاتاً واقعية منعكسة عبر فعل بصري ولغوي حيادي وظاهري وخارجي، ومع المرآة بصورها المركزية عن الذات المحكية والكاتبة، تستند السيرة كذلك علي الذاكرة وصورها المختزنة وتاريخها المستعاد، المفكك والمتجمع في بؤرة السرد، بحيث تصبح المرآة ذاكرة للصور المتجمعة فيما تصبح الذاكرة مرآة الذات الساردة، ومع التقابل بينهما: الذاكرة والمرآة، يتجلي السرد الإيهاميّ وحيله الكتابية المتعددة والقائمة علي الانتقاء والتحويل والإزاحة وعبور المنسيات وتخطي النص التحتي، المضمر والخفي، إلا في القليل من السير الكاشفة »‬أوراق العمر للويس عوض مثال لا يتكرر كثيرا».
يرتبط بذلك العنوان الكلي الذي اختاره »‬حامد عمار» ليكون العلامة اللغوية والدلالية الكلية للكتابة، وتلك هي ملاحظتي الثالثة والمجملة، عنوان السيرة كما نعلم هو»‬خطي اجتزناها» وهو ما يشكل وفق المصطلحات النقدية الشائعة الآن ما يسمي عتبة النص الأولي التي علي القارئ الوقوف أمامها ثم اجتيازها مروراً إلي عوالم النص المتخيلة والممكنة، يشير عمار إلي أنه استقي عنوانه من عنوان مماثل جزئيا هو »‬خطي مشيناها» الذي صاغ في إطاره الدكتور رءوف عباس سيرته الذاتية، وكما هو واضح فإن عنوان رءوف عباس يحتذي بيت أبي العلاء المعري الشهير الذي يقول في شطرته الأولي: »‬مشيناها خطي كتبت علينا» في إشارة إلي قدرية مهيمنة، قبلية وضاغطة، تكتب الخطي في لوحها الخفي المحفوظ في سماء مفارقة، وفي شطرة البيت الثانية ينوع المعري ويثبت الدلالة في صيغة ملتبسة  قليلا تزحزح الصورة الأولي المكونة لقدرية تسيير نهائي، فيضيف: »‬ومن كتبت عليه خطي مشاها» في تكرار مراوغ لكتابة الخطي وإحالة إلي الفعل الذاتي حتي ولو كان مُحالاً إلي مجهول مجرد »‬مشاها» وكأن الخطي مسار قدري ولكن المشي فعل إرادة واختيار، وهكذا تنكسر بدرجة ما القدرية المسبقة علي الفعل البشري وإن حددت الخطي وكتبتها وتركت المشي فعلا حراً، إراديا وذاتياً.
بهذا المعني ، يستلهم »‬رءوف عباس» بتحوير معين إحدي صور بيت المعري »‬خطي مشيناها» مُجتزئا لها من سياقها القدريّ وحتمياتها المهيمنة مركزا علي الفعل »‬مشيناها» فيما يحتذي »‬حامد عمار» عنوان سيرة صاحبه الذي كان أول من أشار عليه بالكتابة وتسجيل التجربة، يحتذي العنوان ولكنه يستبدل بفعل »‬مشيناها» فعلا آخر هو »‬اجتزنا» ليصبح عنوان كتابه »‬خطي اجتزناها» ومن  هنا يثور تساؤل أوليّ حول الصيغة اللغوية ذاتها، فهل نحن نجتاز الخطي أم نجتاز بها، وما معني أن نجتاز خطانا نحن، هل هو سباق ذاتي بين الإنسان وخطاه، نتجاوز السؤال الآن مؤقتاً إلي دلالة فعل الاجتياز الذي اختاره عمار بديلا عن فعل المشي الذي آثره »‬رءوف عباس» فيما ثبت الاثنان صورة الخطي، فكلاهما يري الحياة خطي علي طريق تذوي في نهايتها السيرة وتحل الحكاية، وتخفت التجربة وتتجلي الكتابة،  يكتفي »‬رءوف عباس» بالمشي دلالة علي تجربته الراصدة والكاشفة فيما يطمح »‬حامد عمار» إلي الاجتياز، ومن هنا احتفاؤه بالتحول وتباهيه الخفي بنقاط الوصول وافتتانه بالصورة الأخيرة التي صار عليها وقت الكتابة قياساً إلي الصورة التي كان فيها خلال البدايات وأثناء التجربة، وهكذا، ثانية ومجددا، هي ثنائية الذاكرة والمرآة، الذاكرة التي تنتقي مشاهد وتخفي أخري، وتثبت وقائع وتحولها في سياق متتابع مكونة صورة الاجتياز، وكذلك المرآة التي تجمع الصورة المركزية لذات تكونت وتحولت مخلفة أثرها الأخير حيث يصوغها صاحبها الآن في شكل الحكاية ويجملها في إشارة لغوية ، دالة ومختزلة ، هي الخطي، لتتركب ثنائية أخري مضافة هي الاجتياز - فعل الذات المفارق - والخطي - فعلها الواقعي والمادي ـ.
تلك كانت ملاحظات ثلاثا أولي وتمهيدية، كما سبقت الإشارة، آثرت إيرادها لتكون استكشافا مجملا وتوقفا أوليا علي عتبات السيرة، فيما أسعي الآن إلي استجلاء تفصيلي بدرجة معينة لعوالم حامد عمار الذاتية وسيرته العقلية والحياتية معا، وهو ما أجمله في نقاط محددة أبدؤها بما أعتبره إحدي النقاط المركزية التي تشكل وفق توصيفه أولي الخطي وتكون وفق مآلات السيرة دلالة الاجتياز، وأعني ما تواتر في سيرته وتوارد كثيفا ودالاً من مصادفات قدرية بكل ما تنطوي عليه العبارة من تناقضات، فالقدرية إرادة مهيمنة وكلية ومُسيرة تشكل الإطار الكلي والتفصيلي أيضا للمسيرة والمصير، للوجود والموت، كل ذلك  يشي وفق مفهوم القدرية باستلاب الإرادة الحرة واحتجاز الفعل الذاتي، علي العكس من ذلك، تأتي فكرة المصادفة نافية للحتميات المقدرة، وعلي الرغم من أنها في النهاية التقاء سببين، إلا أنها تشي بنوع من الاعتباطية واللعب الحر بالمصائر والوجود، نقيضا للبنية المهيمنة التي تحيل إليها القدريات الحاكمة. في سيرة »‬حامد عمار» يتجسد هذا النوع من المصادفات القدرية بما تنطوي عليه من تناقضات وجودية وما تفضي إليه من تضاد دلاليّ، مُكونة إحدي علامات سيرته المتحولة وصوره المركزية، وهو ما أسعي إلي استجلائه الآن.
1- المصادفات القدرية

في العنوان الشارح الذي أورده »‬حامد عمار» تذييلا أو هامشا للعنوان المجمل للكتاب، يخط العبارة التالية: »‬من الفقر والمصادفة إلي حرم الجامعة - سيرة ذاتية»، وفق تلك العبارة يصوغ عمار خطوط الانتقال بين حالتين، الأولي: الفقر والمصادفة، والثانية: حرم الجامعة، وبينهما تتجلي السيرة وتمور خطاها، حياة واجتيازاً. قرن عمار، كما نلاحظ ، بين الفقر والمصادفة واعتبرهما حالة كلية تشكل قوس البداية وتؤطر مرحلة الكمون الذاتي وحالة العوز والاحتياج، وكأن الفقر في ذاته لم يكن كافيا لصنع التحولات اللاحقة، ولكنه - مقترنا بالمصادفة - شكل عتبات الخروج، هذا العنوان الشارح ينطوي علي إدراك الكاتب وتركيزه علي الوزن النسبي للمصادفات في تجربته الذاتية ودورها الوظيفي الفاعل والمؤسس لخطوة البداية، الحالة الثانية هي حرم الجامعة التي مثل الانتقال إليها دلالة الاجتياز وأكد ارتكاز الخطي علي أرض أخري. العبارة الأولي - لغويا - تتكون من مفردتين بينهما واو العطف تأكيدا علي الاقتران العضوي بينهما واعتبارهما حالة كلية متصلة »‬الفقر والمصادفة» فيما تأتي العبارة الثانية في صيغة المضاف والمضاف إليه دلالة علي التلازم بين المعني الذي يشير إلي قداسة خفية »‬حرم» والاسم المعرف »‬الجامعة» وبينهما حرف الجر »‬إلي» المؤشر علي الانتقال والحركة الحية بين مرحلتين، ومن هنا يتأكد الوعي بالمصادفة في السيرة والاكتشاف المتتابع لوظيفتها في التكوين العقلي  والحياتي لصاحب السيرة إلي درجة أنه تمني لو كان قد اطلع علي رسالة »‬محمود أمين العالم» عن »‬فلسفة المصادفة» في إشارة لتوقفه الدائم وهو يفحص سجل الأيام والوقائع أمام تلك الحالة المتكررة التي لازمت فواصل الأزمات، وأعني المصادفات التي شكلت بظهورها المفاجئ ودورها التحويلي سياقا من القدرية والعناية الفوقية مما جعلها - أي المصادفات - مفارقة لطبيعتها مكونة حظوظا مرسلة في اتصال خفيّ بما هو قدري وحتمي، لتتشكل من هذا الخليط المركب: المصادفة/القدر، تلك المفارقة المنطوية علي تناقضاتها الخاصة صانعة هذه الحالة الملغزة: قدرية المصادفات. أود هنا أن أفتح قوسا لاستدراك مجمل حول إشارة »‬حامد عمار» للرسالة التي حصل بها »‬محمود أمين العالم» علي درجة الماجستير حوالي العام 1954 من قسم الفلسفة بآداب القاهرة، كان عنوان الرسالة هو »‬نظرية المصادفة في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية» وليس »‬فلسفة المصادفة» كما أسماها »‬حامد عمار».
وقد حاول العالم في هذا البحث نفي الأساس الموضوعي لعلم الطبيعة وتأكيد جذره المثالي الذاتي، وفي سياق استكماله المراجع التي تتناول الاتجاهات الابستمولوجية أو نظرية المعرفة في القرن التاسع عشر، اطلع علي كتاب لينين »‬المادية والمذهب النقدي التجريبي» وكذلك كتاب »‬جدل الطبيعة» لانجلز، وقد أحدث الكتابان عليه أثرا تحويليا، فقام بإعادة كتابة بعض فصول الرسالة علي أساس الرؤية الموضوعية للعلم، ومن هنا قام بإضافة صفة الموضوعية للمصادفة، ليصبح عنوان الرسالة النهائي هو »‬نظرية المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة»، أغلق قوس الاستدراك المجمل عائداً إلي سيرة »‬حامد عمار» متتبعا قدرية المصادفات فيها، حيث ألاحظ ، بشكل عام، تواتر هذه القدرية الحاكمة المبنية علي المصادفة الحرة في أكثر من واقعة آخذة من طبيعة المصادفة حالة المفاجأة، ومن القدرية فكرة التحول، بمعني أن مصادفة الحدوث تأتي عادة عبر واقعة مفاجئة لتحل أزمة أو تفك إشكالاً أو تتخطي حاجزا فيما يتجلي طابعها القدري في إحداث تحولات متوالية تؤكد الحظ والحتمية معا، وهكذا - وتلك إضافة جزئية - فإن قدرية المصادفات تلك لم تتكون لكي تثبت صورة أو تسكن حالة أو تجمد وضعا وإنما تكونت لكي تصوغ حالة نقيضة كليا قائمة علي التجاوز والانتقال.
>>>
علي مدار السيرة كلها، تبدو أمثلة الاستدلال واضحة ومتعددة، المثال أو الاستدلال الأول علي تلك المصادفات القدرية يتبدي مع الخطوات الاستهلالية الأولي ويتجسد مع أولي علامات الانتقال، في أوائل العام السادس من عمر الصبي »‬حامد عمار» حينما انتقل من الكتاب الذي يمثل صيغة التعليم الأهلي المتوارث، الديني في الأساس ، المبني علي الحفظ والترديد والتلقين، انتقل إلي المؤسسة التعليمية الحديثة »‬المدرسة» التي أقامتها الدولة وصاغت تقاليد الدراسة فيها وشكلت نظامها التربوي والمعرفي، في المرحلة الأولي لهذا الانتقال حدث نوع من التمازج بينهما لا القطع أو الانفصال، فقد جمع الصبي بين المدرسة صباحا والكتاب بعد الظهيرة، الصباح مخصص للمدرسة بإطارها المكاني الحديث وحصصها المحددة بوقت معين يعلن ابتداءه أو انتهاءه جرس يرن في الفناء مؤذنا ببدء درس أو دخول مدرس، ثم تفضي رنات جرس جديدة إلي درس آخر ومدرس مختلف. يشير »‬حامد عمار»  إلي أن وجود مدرسة حكومية في القرية »‬سلوا بحري» كان حدثا تاريخيا من نتاج الحركة الوطنية وثورتها المركزية العام 1919، وحصول مصر علي استقلالها الذاتي وفق تصريح 28 فبراير 1922 بتحفظاته الأربعة، وكان من تداعيات هذا الاستقلال، كما يري حامد عمار، صدور أول دستور مصري عام 1923 »‬هكذا في الأصل، وتلك من الهنات العابرة في الكتاب، فكما نعلم فإن أول دستور مصري صدر في 7 فبراير عام 1882». وكان من بين تداعيات الاستقلال الذاتي كذلك، كما يستطرد »‬حامد عمار» موضحا، صدور قانون التعليم الإلزامي، ومن مواده نشر التعليم إلزاميا ومجانيا فيما عرف بالمدارس الإلزامية التي تغيرت تسميتها فيما بعد إلي المدرسة الأولية، وقد أنشئت هذه المدرسة الإلزامية في عام 1925 في »‬سلوا بحري» بالذات باعتبارها الموقع الرئيسي لمجموع القري المحيطة بها والتابعة لها إداريا، غير أن خدمات هذا النوع من التعليم الإلزامي لم تمتد إلي أكثر من »‬سلوا بحري»  ونجع المساعيد القريبة، بل إن أهالي »‬سلوا» لم يقبل عليها منهم إلا القليل حيث كان الفصل، كما يحكي عمار، يتكون من اثني عشر تلميذا، إذ فضل معظم الأهالي استمرار أبنائهم في كُتابي القرية »‬البحري والقبلي».
يضيف عمار إشارة لافتة إلي تأسيس مبدأ الطاعة في النظام التعليمي منذ بداياته وربما إلي الآن، فقد كانت الدروس قائمة علي البنية التراتبية والطاعة وتقبل كل ما يبدر من الأساتذة باعتباره إملاء فوقيا لا يُرد، صادرا عمن يملكون تقدير الأمور الصحيحة ومعرفة المصلحة، وقد أكد هذا النظام وجود »‬نوع أرق وألطف في سياق الطاعة المنزلية» مما عزز كلاهما: النظام التعليمي والتراتب الأسري، هيمنة السلطة وأكد دور المؤسسات في الحياة الفردية، ومن الملاحظ هنا والدال كذلك أن إحدي اللوائح الوزارية التي أصدرتها وزارة المعارف عن هدف التعليم الإلزامي هو تعليم أهل الريف الطاعة والتزامهم  بموقعهم  الاجتماعي ومهمتهم الزراعية، وكأنما كان »‬الطيب صالح» يقصد تلاميذ المدارس الإلزامية وفق لائحة الوزارة، كما يستعير حامد عمار في إشارة موحية لرواية »‬موسم الهجرة إلي الشمال»، حينما قرر - أي الطيب صالح - أنهم يرسلوننا إلي المدارس لكي نقول لهم نعم.
وترد أول اشارة إلي الأب الذي تجلت لديه إرادة التحول متصلة بالسلم التعليمي باعتباره أداة للحراك الاجتماعي وموضعا لاستثمار الطاقة والمال القليل، ترد سيرة الأب هكذا مصحوبة بالإشارة إلي الوعي المتنامي لديه بضرورة التعليم، حيث ألحق ابنه البكر »‬حامد» بالمدرسة الإلزامية الجديدة عام 1926، كما ألحق ابنته الكبري »‬إشراقة» كذلك بها ثم بقية الأبناء والبنات فيما بعد، نرجئ هنا مؤقتا الكتابة عن الأب باعتباره واحداً من الصور المركزية التي تجلت عبرها السيرة كلها، ونعود إلي الإرادة التحويلية التي تجسدت في المصادفات القدرية المتتابعة، أولي المصادفات تبدت في حادثة عابرة ومفاجئة تجمعت فيها حظوظ وحتميات مقدرة، ففي زيارة خاطفة للمدرسة قام بها الأب مُتابعة للصبي واطمئناناً علي أحواله، جال خاطر لحظي في ذهن المدرس »‬جلال أفندي الأمير» فاقترح علي الأب انتقال الصبي إلي المدرسة الابتدائية ليكمل تعليمه بها، وقد برر المدرس خاطره اللحظي أو اقتراحه المفاجئ بأن المدرسة الإلزامية مرحلة منتهية في ذاتها لا تفضي إلي درجة أخري في السلم التعليمي، وأوضح فكرته مضيفا أن المدرسة الابتدائية هي بداية التعليم المدني الحديث الذي بدأه »‬محمد علي» متسلسلاً إلي المرحلة الثانوية فالجامعة، بينما شهادة إتمام المدرسة الإلزامية هي نهاية طريق مغلقة لا تؤدي إلي تعليم منظم لاحق - بهذا التحديد للفارق النوعي بين النظامين: الإلزامي والابتدائي، فإن المدرسة الابتدائية مدرجة في بنية مفتوحة تتيح لمن يتمها إكمال تعليمه في المدارس الثانوية ثم الجامعة فضلا عن أنها تعطي الحاصلين عليها لقب الأفندي، وهكذا فإن هذا النوع من التعليم مختلف كليا عن النوع الإلزامي المنتهي بذاته، فهو درجة في نظام متتابع ومفتوح يفضي إلي الأفق الجامعي الواسع والمتعدد، وحتي مع الاكتفاء بشهادته الابتدائية وعدم التدرج إلي المراحل اللاحقة عليها، فإن الطالب المكتفي بها يحصل علي تقدير اجتماعي واعتبار مهني قائمين علي لقب الأفندي الممنوح للحاصلين عليها، تبرق الفكرة في عقل الأب ويتردد الخاطر خاطفا ومهيمنا ومتصلا بين اقتراح المدرس واقتناع الأب فيما يقف الصبي دون إدراك أو رأي مستمعا للحوار الدائر الذي يشكل مصيره القادم استنادا إلي مصادفة قدرية تكونت عبر زيارة عابرة وخاطر لحظي . لا يتردد الأب في قبول الفكرة والاقتراح، غير أن قلقا مس عقله وحيرة غشيته وتركته متأرجحا خاصة مع انتقال حسه العملي من الاقتناع بالفكرة إلي التفكير في توابعها وحساب تكاليفها، فيشير في حديثه مع المدرس إلي مشكلة الإقامة في البندر وثقل ذلك عليه ووطأته علي المستوي المالي، ولكن المصادفات لا تنقطع حيث يواصل صاحب الفكرة حلّ المشكلة مقترحا إقامة الصبي لدي أسرته مما يغني الأب عن كفالة الصبي ويفض قلقه الذي طاف تاركا في روحه حيرة وأسي.
»‬لا كان في الحلم ولا في العلم» هكذا يصف الأب فيما بعد وهو يسترجع الحكاية مع ابنه حامد اقتراح المدرس بالانتقال إلي المدرسة الابتدائية في إدفو وكفالة الأسرة للصبي إقامة ومعيشة، مقدما بذلك الفكرة الذهبية ومعها حلول نهائية للمشكل المادي الذي كان يمكن أن يكون عائقا للخطوة الأولي وحاجزا.
لم تكن تلك المصادفة القدرية التي صاغت مصير الصبي خاطراً لحظيا دائراً في فراغ، وإنما كانت مبنية علي واقع مادي وأساسي واقعي هو تفوق الصبي في الدراسة وقدرته علي الحفظ والاستيعاب والاجتهاد، وهكذا فإن الخاطر استمد قوته وإيحاءه وربما وجوده من إدراك المدرس لقدرات الصبي العقلية واستعداده الفطري لاكتساب المعرفة، ومن هنا تشكلت ثنائية ظلت تراوح »‬حامد عمار» وتصوغ انتقالاته، وأعني بها ثنائية الفقر والتفوق، الاحتياج والقدرة، الضرورة والإرادة، وهو ما صاغه الكاتب في جملة حائرة حينما أراد أن يجمل هذه المرحلة من سيرته العقلية والحياتية، فتساءل في بصيرة استكشاف قلقة: أكانت حياته فقرا يدعمه التفوق، أم تفوقا يحيطه الفقر؟ فقد لاحظ أنه كان دائما ينتقل من مرحلة دراسية إلي أخري مصحوبا بشهادتين، الأولي شهادة إتمام المرحلة بدرجات مرتفعة تشي بتفوقه الدراسي، والثانية شهادة رسمية موثقة وموقعة بالفقر، لا تكفي شهادة واحدة، فالتفوق الدراسي وحده لا يكفي للترقي التعليمي إلا مصحوبا بمصاريف تنوء بها طاقة الأب واحتماله المادي، وكذلك شهادة الفقر وحدها لا تكفي دون تفوق دراسي، وهكذا كان الصبي يتقدم دائما متدرجا في سلمه التعليمي محاطا بشهادتيه هاتين: التفوق والفقر.
ينتقل الصبي وهو في عامه السابع إلي »‬إدفو» في كفالة أسرة المدرس، وهي الأسرة التي كان مقدراً لها أن تلعب دوراً تحويلياً في الحياة الممتدة لصاحب السيرة، ابتدأ ذلك، كما أشرت سابقا، عبر الخاطر العابر الذي طاف في عقل »‬جلال أفندي» مقترحا استكمال الصبي دراسته في النظام التعليمي المفتوح لا المغلق، ثم امتد بعد ذلك - أي الدور التحويلي للأسرة - ليتخذ صورة جاذبة استمدت سحرها الايحائي من ابن آخر لها ترددت سيرته جاذبة للصبي »‬حامد» وموحية، كان هذا الابن الآخر موفداً في بعثة إلي أوربا ليدرس علم التاريخ والآثار بعد تخرجه في كلية الآداب جامعة فؤاد الأول »‬القاهرة الآن»، ثم عاد من بعثته ليكون أستاذاً لعلم الآثار والمصريات، اجتذبت صورة هذا الابن من بعيد خيال حامد الصبي ودفعته بشكل خفي إلي اختيار قسم التاريخ حينما التحق هو الآخر بكلية الآداب، وهكذا بين خاطر المدرس »‬الابن الأول» وصورة طالب البعثة »‬الابن الثاني» تجسد الدور التحويلي للأسرة وتشكلت مصادفات قدرية انتقلت بالفتي من التعليم الإلزامي المغلق إلي التعليم الابتدائي المفتوح بفعل الخاطر الأول، ثم امتدت به إلي عتبات كلية الآداب وقسم التاريخ بها بفعل صورة ظلت تخايل الصبي لهذا المبعوث القصيّ، خاطر عابر وصور جاذبة وإرادة أب وجهد صبي، مصادفات واجتهاد، قدر وإرادات حرة، خيال طائف وصورة مغوية، كل هذا شكل المسار التحتي لحياة يرصدها صاحبها ويسترجعها الآن سارداً وحاكيا ومشيراً إلي نسيجها الشبكي المضمر والغائص، عميقا وقصيا، تحت فيض خارجي من الوقائع والمشاعر ومتواليات الأيام وتشابكاتها المركبة.
وإذا كان الصبي عمار قد التقي بصاحب المصادفة الأولي »‬جلال الأمير- الابن الأول» فإنه لم يلتق بصاحب الصورة الجاذبة »‬مصطفي الأمير - الابن الثاني» التي شكلت له النموذج الأول للشاب المتخرج في الجامعة والمسافر في بعثة خارجية، وإن كان اللقاء قد حدث بعد ذلك بعد أن عاد الشاب من بعثته متخصصا في التاريخ الأثري لمصر الفرعونية حاصلا علي الدكتوراه من جامعة كمبردج، شاغلا درجة أستاذ في جامعة القاهرة ومعهد آثارها، مترقيا في عمله وعلمه واكتشافاته، حيث كان - كما  يذكر حامد عمار - أول من فك طلاسم اللغة الديموطيقية باعتبارها إحدي اللغات أو اللهجات الهيروغليفية 
متماثلا في ذلك مع شامبليون.
بعد ذلك تتوالي المصادفات التي أضحت صيغة ملازمة لتحولات الصبي في سنواته الأولي المأزومة، في إجازة الصيف يعود الصبي إلي بيت أبيه في »‬سلوا» وفي إحدي جلساتهما معا، يشكو مما يعانيه في »‬إدفو» وثقل المشقة في حياته بها، وتحت وطأة الشكوي يكاد الأب بتأثير طاغ من الأم المشفقة علي صغيرها أن يعدل في مسيرة التعليم الابتدائي مكتفيا وعائداً به إلي التعليم الإلزامي المغلق، في تلك الأزمة الفاصلة تتجلي مصادفة قدرية ثانية حين يزور القرية في ذلك الوقت المرشح لعضوية مجلس الأمة، وهو نائب الدائرة لعدة دورات، يعرض عليه الأب مشكلة تعليم الصبي، فيقدم له النائب عشرة جنيهات، تتلو تلك المصادفة بأسبوع مصادفة أخري خارقة، فيزور القرية مقاول في أعمال البناء والسفن، ومجدداً يشرح له الأب المشكلة المستعصية، فيعرض المقاول انتقال الصبي إلي أسوان واستكمال دراسته فيها واعداً أن يوفر له بيتا ومتكفلا بجميع نفقاته طول مدة الدراسة، وهكذا زالت الصعوبات وحلت المصادفات، وانتقل الصبي إلي مدرسة أسوان الابتدائية مقيماً مع أسرة أحد معاوني المقاول حيث تعهدته، غذاءً وإقامة، دراسة وحياة.
وهكذا مصادفتان متواليتان: الأولي تمثلت في خاطر عابر طاف في عقل المدرس، وهو ما أفضي إلي انتقال الصبي إلي نظام تعليمي مفتوح، الثانية هي رعاية المقاول التي أفضت هي الأخري إلي استكمال التعليم الابتدائي واجتياز سنواته الأربع، مما أتاح المجال واسعاً وممتدا  لحراك اجتماعي ومهني ومادي أوصل »‬حامد عمار» إلي عتبات الجامعة انتقالاً إلي بعثته للدكتوراه، واعتلاءً للمناصب وامتلاكاً للمكانة أستاذاً جامعيا ثم مستشاراً في الأمم المتحدة وشيخاً للمهنة وصاحبا للمقام.
لا تقتصر السيرة علي هاتين المصادفتين وإنما تتابع رصدها مأخوذة ومفتونة بتلك السحابة الإلهية التي تظلل رأس الصبي في هجير صحراء ممتدة وتحمي خطاه من التيه ومصيره من الشتات، وكأن يدا خفية تمتد في لحظات محسوبة ومواضع مقدرة لتعيد نظم النسيج الحياتي إذا ما تعرض لهبات ريح قد تفك خيوطه، أو إذا ما تبدد تحت ضغط احتياج قد يؤدي إلي نثر أجزائه، وهو ما يجعلنا نرسم أو نخطط صورة مجملة للصبي في إطار متحرك تصوغه وقائع خارجية وأحداث طافية علي سطحه فيما تمتد يد خفية تحرك الصورة وتنظم توالد المشاهد وترتب انتظام الخطي في دروب مصنوعة ومقدرة.
> > >
خطوة الانتقال التالية والشائكة تولدت مع إنهاء »‬حامد عمار» المرحلة الابتدائية وظهور النتيجة ليجد الصبي نفسه حائزاً رقما متقدما حيث كان ترتيبه الأول بين طلاب المدرسة ورقم مئة وثمانين علي مستوي القطر من بين حوالي سبعة آلاف ناجحا ، ومع النتيجة تكونت بالطبع صعوبة إضافية وحاجزة عن استكماله خطواته التعليمية وصعوده إلي المدرسة الثانوية التي كانت أقرب واحدة لها يومئذ في سوهاج ، وإذا كانت هناك صعوبة في التعليم الابتدائي الذي كانت تكاليفه ثلاثة جنيهات، فكيف يكون الحال في التعليم الثانوي الذي وصلت مصروفاته إلي عشرين جنيها في القسم الخارجي وأربعين في قسمه الداخلي بما يوازي فدان طين للسنة الواحدة، فما بالك بخمس سنوات كما قال الأب معلقا علي قيمة التعليم الباهظة مقارنا بين ثمن فدان الأرض وتكاليف العام الدراسي الواحد.
تكاد الصعوبة هذه المرة أن تكون استحالة، ويكاد ضيق اليد أن يكون حاجزا فاصلا، والعجز المادي أن يكون مانعا، ولكن شيئا من اليسر ظهر مواتيا حين قررت حكومة ذلك العهد قبول المتفوقين من أبناء مديرية أسوان بربع المصروفات، أي عشرة جنيهات في العام، أي ربع فدان وفق القياس الأبوي ومعاييره المرجعية.
مع تيسير الدولة أعد الأب وثائق الالتحاق بمدرسة الملك فؤاد الأول الثانوية في سوهاج مشتملة علي استمارة طلب الالتحاق وشهادة إتمام التعليم الابتدائي، فضلا - وهذا هو الأساسي هنا - عن التماس بطلب منح المجانية الكاملة في القسم الداخلي مقرونا بـ »‬شهادة الفقر» موقعة من عمدة »‬سلوا بحري» واثنين من المشايخ بها ومعتمدة بخاتم المديرية، ومع الطلبات والشهادات المختومة والموقعة ترسل المصادفات أولي رسائلها متمثلة في أحد أبناء القرية يعمل فراشا في المدرسة المبتغاة، وقد كان ، حمل الفراش الأوراق وقدمها، وقبل أسبوع من بدء الدراسة أرسل بشارته الموعودة بورود اسم الصبي في كشوف المقبولين الجدد.
قدم الموظف المسئول للأب قائمة بالاحتياجات اللازمة للالتحاق بالقسم الداخلي، وهي القائمة التي يحرص »‬حامد عمار» علي إيرادها كاملة مستعيداً الأشياء المطلوبة من ذاكرة حافظة تحتوي علي تلك الطلبات الجزئية العابرة فيما يتجاوز عن وصف أحاسيسه في تلك اللحظة الفارقة، وهكذا يورد »‬حامد عمار» الأشياء المطلوبة ويوردها بشكل تفصيلي:  2 ملاءة للسرير، 2 كيس مخدة، 2 فوطة وجه، كيس غسيل، وغير ذلك. وكأن تلك الأشياء التي طلبها الموظف قد التصقت بذاكرة الصبي مفصلة ومرتبة، وانزوت في جزء منها مشعة وباقية، وعندما استدعاها إلي أوراقه تجلت ظاهرة وحية، وكأن لحظة المثول أمام الموظف ماداً يده بكشف المطلوبات إلي أبيه المستغرق في هم توفير الاحتياجات اللازمة، وكأن هذه اللحظة القصية قد انبعثت كاملة كما هي في تلك اللحظة التي يكتب فيها صاحب السيرة، لا فاصل زمني بين اللحظتين، ولا مسافة أيام بينهما.
غير أن شواغل الأب كانت مختلفة، تجاوز لائحة المطلوبات المادية متسائلا عن طلب المجانية المشفوع بالثنائية المتلازمة التي أشرت إليها »‬التفوق والفقر»، المسجلة رسميا في شهادتين، تشي الأولي بالدرجات المرتفعة والترتيب المتقدم فيما تثبت الثانية وضع الصبي المادي وتدرجه في الكفاف وحد الضرورات الأولي، ثنائية رغم تناقضها بين ثراء العقل وفقر اليد، إلا أنها متلازمة في خط حياة الصبي ونسيج الحظوظ والمصائر في عمره المتحول والممتد، وكأنهما شهادة واحدة في ورقتين، تدل علي التلازم الخفي بين طاقة العقل وامتداده وبؤس الفاقة وثقل وطأتها .
تجاوز الأب ـ كما أشرت ـ قائمة الاحتياجات المطلوبة، وحين تساءل عن طلب المجانية، كانت مفاجأة الموظف الذي أشار إلي لزوم دفع القسط الأول كاملا وقيمته اثنا عشر جنيها حتي يتم اعتماد شروط المجانية وبحث انطباقها علي حال الصبي، وهو ما سوف يستغرق وقتا، أصاب الذهول الأب الذي تصور أن قبول الصبي يعني ضمنيا موافقة الإدارة علي طلب المجانية وإعفاءه بالتالي من الأقساط والمصروفات، وثانية ومجددا، تحل المصادفات القدرية متمثلة هذه المرة لا في أسرة مقتدرة تكفل الصبي وترعاه في »‬إدفو» ولا في مقاول ثري يتعهد بإقامته كاملة في أسوان، وإنما في فراش المدرسة الذي كان يقينا أقل من الأب في الإمكانيات والدخل وأدني منه مالا  ومكانة، تقدم فراش المدرسة الذي كان قد حمل أوراق الصبي إليها ودفع القسط الأول دون انتظار ربما لرد أو توقع لسداد، أزيلت الصعوبات كلها دفعة واحدة، وانتظم الصبي طالبا في القسم الداخلي لثانوية سوهاج بدرجتيها: البكالوريا والثقافة، واقفا علي العتبة الأخيرة قبل الدخول في بهاء الحرم الموعود:الكلية والجامعة، وكأن لعبة المصادفات تلك لا تشترط القدرة أو الثروة أو المكانة، فقد امتدت من خاطر المدرس وصورة أخيه  المغوية بما يدل عليه الخاطر والصورة معا من جذب المكانة »‬المدرس والمبعوث» إلي هبات الثروة وعطايا الاستطاعة متمثلة في النائب والمقاول، ومن هذا كله إلي يد الفراش وزاده القليل وحيزه الاجتماعي الضيق والمحدود، غير أن الجميع: المدرس والمبعوث والنائب والمقاول والفراش، شكلوا المصادفات القدرية التي مست أيام الصبي في مراحله المأزومة وفواصلة الانتقالية، وتجسدوا في المشهد عبر أدوار تحويلية أساسية كما لو كانوا يدا خفية تنسج حبات العقد وتنظمها في خيط قدري.
إشاراتي السابقة لمصادفات التحول تلك كانت استدلالا مجملا علي ما رأيت في تجربة السيرة وعنوانها الفرعي، المفسر والشارح، من احتفاء متواتر برصد وقائعها الدالة، واعتناء تفصيلي بذكر تقاطعها المتكرر مع الحياة اليومية بصورها المتعددة كما صاغها »‬حامد عمار» متلقيا للمصادفات ومتدرجا في مسارات التحول وشاهدا علي سيرة ذات تتكون مصفوفة في لوحة مقادير محفوظة.
غير أن اللعبة مازالت قائمة، وآلة صنع النسيج الحياتي للصبي ما زالت متواصلة وفاعلة وقائمة، وهو ما يعدده »‬حامد عمار» مجملا ومتواليا تحت عنوان فرعي هو »‬عجائب المصادفات» في اقتران دال  بين المصادفات بما هي كسر لحظي للعلاقات السببية أو التقاء سببين اعتباطيين، وبين العجائب، أي الخارق والغرائبي.
> > >
كان عمار بحصوله علي الشهادة الابتدائية قد صار الأفندي الوحيد في القرية مما أهله ليلقي خطابا ترحيبيا بمدير المدرية الذي كانت زيارته للقرية المنسية »‬سلوا» حدثا مهيبا يستدعي خطيبا مشاركا متصدرا لاحتفال الجماعة بواجهة السلطة ورمز وجودها المهيمن، وقع الاختيار علي الأفندي الوحيد الذي تهيأ للخطاب مرتديا جلابية ريفية وعمامة متوسلا بأعلي صوت ممكن مرسلا طبقاته ونغماته مصحوبة بكلمات متراصة ومحفوظة، وهكذا تحت تأثير الخطاب الاحتفالي يقرر مجلس المديرية بإيعاز من المدير منح الصبي جنيها كل شهر، ثم زيدت المنحة إلي جنيهين بالتماس قدمه الأب، ومن هنا حصل الصبي علي مصروف شهري وقلت أعباء أبيه الذي تخلص بهذه الهبة الرسمية من محنة استكمال الشهر.
المصادفة الأخري تواترت محدثة أو تكاد قطعا في السيرة كلها، فقد حلت الأزمة المالية الخانقة في الثلاثينيات وتفاقمت وانعكست علي الاقتصاد والأسواق والخدمات مما ترتب عليه إلغاء المجانية في مراحل التعليم كلها مهما كانت أوضاع الطلاب واستثناءاتهم السابقة، انقطع الأمان المادي المتمثل في المجانية وهبة المديرية مما ألجأ الأب إلي بيع اضطراري لبعض القراريط، وحينما اشتدت الأزمة وبدت نذر الانقطاع الدراسي ماثلة وضاغطة، يأتي شفاء الملك فؤاد من أزمة صحية، صعبة وخانقة »‬غرغرينة في الرقبة» ومع فرحة الشفاء يأتي القرار الملكي بإعفاء العشرة الأوائل في كل مرحلة تعليمية، وتعود المجانية، لينتظم الصبي مجددا في فصول الدراسة وجداولها.
شفاء الملك فؤاد  وقرار عودة المجانية للعشرة الأوائل فقط كان له أثر مماثل لدي الكثيرين من طلاب تلك الفترة، ومنهم كان محمود أمين العالم  وعبدالعظيم أنيس، كما ورد في شهادتيهما المنشورتين في كتاب »‬التكوين» دار الهلال ـ العدد 566 فبراير .1998
المصادفة التالية والمتجددة في لوح الأيام وتيارها الزمني المتعاقب، كونتها زيارة الأمير الشاب فاروق »‬ولي العهد الذي يحمل لقب أمير الصعيد تماثلا مع ولي عهد بريطانيا الذي يحمل لقب أمير ويلز». ومثلما وقع الاختيار سابقا علي الصبي ليلقي خطابا احتفاليا بمدير مديرية أسوان حينما زار القرية مما ترتب  عليه  منح مصروف شهري ثابت للخطيب المرحب، حدث أمر مماثل حيث وقع الاختيار عليه ضمن مجموعة مختارة من طلاب المدارس الثانوية للتدريب علي إلقاء مقطوعة زجلية وإنشادها في حضرة الأمير، بعد الاحتفال تلقي كل طالب من الفريق المنشد بمن فيهم الفتي حامد عشرة جنيهات كاملة ترتب عليها دفء الجيب وفرحة الأمان.
بعد نجاحه في امتحان البكالوريا واجتيازه بتفوق مشهود حيث جاء ترتيبه السادس علي القطر كله مصحوبا بظهور اسمه في الجرائد ضمن العشرة الأوائل »‬كان نظام التعليم الثانوي حتي هذا العام 1937 يتكون من مرحلتين: الكفاءة  والبكالوريا، ثم تحول بعد ذلك مباشرة إلي نظام التوجيهية».
بعد نجاحه المتميزهذا ، انشغل »‬حامد عمار» في التفكير حول أي من الكليات يختار وفي أي من الأقسام يسجل اسمه، فيما استمرت هموم الأب كالعادة دائرة حول المصروفات ومكان السكن ونفقات السفر إلي جانب ما يسمي بالمصروفات النثرية من ملابس وكتب، فضلا عن كيفية الحصول علي المجانية وما يلزم عن ذلك ويتبعه من اتصال بأهل الذكر وأصحاب السلطة من أعضاء مجلس النواب والشيوخ أو من القيادات العسكرية خاصة من كان منها منتميا للصعيد وأسوان تحديدا، بدأ الأب مأخوذا بالصعوبات المتوقعة يحدد مصادر التمويل من بيع الأغنام والماعز وأفراخ الحمام وما تبقي من ذهب الأم، كما أخذ يفكر فيمن يستطيع الاقتراض منه من أعيان القرية وموظفيها الكبار، وهكذا استطاع تدبير عشرين جنيها كانت هي القسط الأول الذي يتحتم سداده لكلية  الآداب التي اختارها  »‬حامد عمار»  للانخفاض النسبي في مصروفاتها قياسا إلي كلية الحقوق.
بعد أول زيارة للكلية في جامعة فؤاد الأول، ولقاء المسجل والسؤال عن القبول والمجانية، يجلس الاثنان: الأب المهموم  بالأعباء والمثقل بوطأة تدبير الاحتياجات، والابن المأخوذ بالانتقال السحري وإشارات الغد الموعود، يجلس الاثنان في مقهي »‬وادي النيل» بباب اللوق، حيث يتعرف الأب علي رجل جالس في مقعد مجاور، ويكتشف أنه واحد من كبار تجار أسوان، وأنه جاء هو الآخر ليبحث لابنه الطالب في كلية التجارة عن مسكن مأمون ورفقة مضمونة، ينطوي الأبوان في الهم المشترك، وفي لحظة سحرية هي هِبة مقادير راعية ، يعرض التاجر أن يتشارك الابنان في المسكن متطوعا بتحمل كافة نفقات السكن والمعيشة طيلة أعوام الدراسة، وهكذا انحلت مشكلة السكن والاقامة والنفقات في لحظات مما استوجب قيام الأب بتقبيل رأس التاجر ممتنا له، ولعله امتنان إضافي وخفي لتلك المصادفات التي تحل فجأة وفق موعد وحساب وقدر لتفك عقدة أزمة أو تخفف ضغط احتياج أو ترتب لمرحلة تالية.
وهكذا انتهت المرحلة الثانوية بشهادتيها: البكالوريا والكفاءة، بدروسها ونتائجها وتحصيلها الدراسي وبذورها التكوينية في عقل الفتي ومشاعره، كذلك بمصادفاتها التي ابتدأت بفراش المدرسة وتطوعه بحمل الأوراق ونقلها إلي المدرسة بسوهاج ثم دفع القسط الأول، وانتهت بولي العهد فاروق أمير الصعيد ومنحة العشرة جنيهات، مرورا بمدير المديرية وهبته الشهرية ومفاجأة شفاء الملك فؤاد واستمرار المجانية بعد انقطاع كاد أن يفضي إلي انغلاق المسار، أثر المصادفات هنا لا يترتب علي مكانة صاحبها ولا علي تراتبه الاجتماعي، فهي حلقات متصلة يصوغ حلقة منها فراش مدرسة ويؤدي دوره فيها مدير ويحل في دورة منها ملك أو أمير، الأثر التحويلي واحد والدور الوظيفي متصل والمفارقة قائمة وما هو غرائبي وعجائبي فيها دائم ومتعدد.
أكتفي بهذا الاستدلال التفصيلي بدرجة ما لوقائع تلك المصادفات القدرية رغم استمرارها بعد ذلك عبر شواهد دالة في مسيرة »‬حامد عمار» وسيرته العلمية والعملية معا، مع فارق أساسي، وهو أن المصادفات التي رافقت تجربته الحياتية بعد ذلك وحلت بعد أن وصل صاحبها إلي الأمان الاجتماعي واستقر علي العتبات المضيئة لعوالم أخري امتدت واتصلت عبر العواصم والمدن الكبيرة وأقسام الكليات ومواقع الهيئات الدولية، وغير ذلك، كانت ـ أي المصادفات اللاحقة ـ  وكأنها صدي للأولي وهامش أخير لها. بمعني  آخر: كانت المصادفات التي آثرت إيرادها وإثباتها كما وردت في السيرة مكونة للتجربة ومحولة للمسار وصانعة للمصير، فيما أتت مصادفات التجارب اللاحقة عادية ومكررة، تحل تسييراً لخطوة أو تخفيفا من شعور أو محنة ،وقد آثرت إيراد أمثلة للمصادفات الأولي مكتفيا بها ومستدلا علي طبيعتها التكوينية ودورها التحويلي، وأخيرا ولعله أولا طابعها القدري من حيث ظهورها المفاجئ بين فواصل المراحل وتقاطعات الأزمنة تاركة أثرا فارقا ومُغيرا، وكأن يدا خفية تطلق ريشة متطايرة في الرياح ثم تحكمها بمقادير محفوظة ومواقيت دائرة ومقدرة.

2 ـ الصور المركزية : الجسد، المكان، الأب

تتداخل مع ما أشرت إليه في الفقرات السابقة من تجلي مصادفات مرتبطة بقدرية حاكمة عبر مشاهد حياتية ومسارات زمنية فارقة، تتداخل مع ذلك صور مركزية تبدو في الكتابة وكأنها انعكاس علي سطح مرآة ممتدة علي مدار سنوات السيرة كلها، أو كأنها علامات بصرية ولغوية تنضوي فيها الوقائع اليومية وتنطوي الفصول المتتابعة، نعلم أن صاحب السيرة آثر استعارة المرأة لتكون هي - وظيفةً ودلالة وشكلا -  محور الاستعادة السردية بصيغتيها: التحول والمشاعر، كما أراد كاتبها أو تمني. عكست تلك المرآة المستعارة حركة ذاكرة انتقائية وفواصل من التحولات صاغتها حتميات مضافة أناخت بثقلها القدري علي وقائع حرة لا رابط ينظمها في الحدوث ولا سياق يحكمها في التوقيت.
عكست مرآة الذات الساردة كل هذا مركزة علي الدلالة الكلية ومدرجة فعل المصادفة القدرية في المفردة اللغوية: العجائب، بكل ما تشير إليه من وصف لما هو مفارق وتأكيد علي ما هو سحري وإيحائي وغامض.
مع صورها المركزية المتبدية بتتابع تفصيلي علي مدار السيرة، تسترد الذات الراوية فعل مرآتها الانعكاسي الراصد لصور الذات والأب والمكان المتعدد : الكتاب والقرية والمدرسة والعيادة والمدرج والمدينة، وغير ذلك. بتعبيرات أخري، فإذا كانت المرآة التي خطها الكاتب وأقامها أمام  عالمه المستعاد وأدارها لتلتقط صورا مختبئة لوجود منسي، وتسترجع كلمات وحوارات قيلت ثم تبددت في هواء ثقيل طوي قائليها في محيطه المتحرك، وتكتشف خطوة أقدام وانفعالات وجوه كانت هناك يوما في ماض هو الآن كهف منسيات وظلال منعكسة، إذا كانت هذه المرآة قد توقفت أمام مصادفات الانتقال راصدة علامات التحول مصحوبة بفيض مشاعر مجمل ومضغوط مركزة علي الدلالات الكلية لفعل التحولات ومصادفاته، فإنها ـ أي المرآة ـ تدير فعلها الانعكاسي مع صور السيرة المركزية برصد تفصيلي واستغراق في وصف أجزاء الصورة ورصد مكوناتها المرئية والحركية، بجمل تلخيصية أخيرة، فإذا كانت سيرة »‬حامد عمار»  قد رصدت مصادفات التحول بطابعها العجائبي والقدري معا مركزة علي الدلالات الكلية لها، فإنها ـ وهو تواصل التقاط الأيام وتثبيتها علي سطح مرآة وذاكرة ـ قد غيرت طريقة السرد وأدواته قليلا لتعتني أعمق وأبعد بالصور المركزية المشكلة لها، بحيث جاءت صورها تفصيلية ومتعددة ومستقصية للجزئيات واللحظات الصغيرة فيما كانت وهي ترصد مسجلة مصادفاتها القدرية معنية أكثر بالمغزي الكلي والدلالة المجملة.
تمتلئ السيرة ـ كما أوضحت ـ بصور تفصيلية متعددة، ومثل ذاكرة صاحبها الانتقائية ومرآتة القائمة علي التحويل والالتقاط والإجمال، أمارس أنا الآخر فعلا مماثلا وأنتقي ما أراه ممثلا لصوره المركزية ملتقطا لها ومصنفا وفق ترتيب مغاير لورودها في السيرة، بكل ما يدل عليه ذلك ويتبعه  من تحويل وتبديل وتركيب وقراءة لعلها من شروط الكتابة النقدية، مثلما كانت تلك التقنيات ــ أي الانتقاء والإجمال  والحذف ـ مشكلة لصياغات السيرة وحيلها الكتابية.
أولي الصور المركزية في سيرة »‬حامد عمار» هي صورة الجسد، وأود أن أوضح، ابتداء أن وصف صورة الجسد بالأولي لا يشير إلي الترتيب فقط وإنما يعني كونها صورة تأسيسية لإدراكات الذات لنفسها باعتبارها ـ أولا ـ جسدا مُستلبا، وموضعا لفعل الآخرين المعادي والمتعاطف، الضار والحاني، القاسي والآمن معا، ثم - ثانيا ـ جسدا منتقلا من الاستلاب إلي الامتلاك، من الضرورة إلي الاغتناء، من الاحتجاز إلي الاجتياز.
يختزن الجسد في السيرة ذاكرته الخاصة، وهي ذاكرة معتنية بذكر الجراح والآلام والجفاف، وعبرها يعيد الجسد تكوين ذاته وكأنه يولد مُجددا أو كأنه يشهد ولادات متعاقبة ومتداخلة مع مراحل التحول المهني والاجتماعي، لكل مرحلة جسدها، ولكل شكل جسدي صيغته الانتقالية .
> > >
ترد أول إشارة لتلك الحالة الجسدية التي يتبدي عليها صاحب السيرة عبر استرجاعه بشكل تفصيلي - كما أشرت وأحب أن أكرر ـ آلام أيامه الأولي، وكأن الجسد يتشكل مصحوبا بجراحه حيث جاءت أول إشارة له محددة ومفصلة للأمراض والأوجاع، للمخاطر والإصابات.
»‬ولدت نحيفا» هكذا يباغتنا »‬حامد عمار» منذ صفحته الأولي، هذه ليست جملة خاطفة أو وصفا عابرا، وإنما هي الجملة المفتاح لكل ما سوف يأتي بعد ذلك عن الصورة الجسدية الملازمة لوعي صاحبها الذاتي وإحساسه المثقل الذي شكل ما يشبه العقدة، عقدة النحافة، المترددة تباعا وطويلا في مناخات السيرة وأصدائها.
يحفل الكتاب باستطرادات دالة حول ما كانت تسببه القامة النحيلة من عنت نفسي أفضت إلي زيارات متكررة للأطباء خاصة بعد عودته من البعثة عام 1952،  زاد من العقدة ما استقر في ذهن عمار من قيم اجتماعية تقليدية حول مهابة الجسد الضخم وتأثيره المهيمن خاصة في مهنة التدريس.
لم يتوقف هذا الهاجس حتي عندما اشتغل مع هيئة الأمم المتحدة في لبنان، ذهب إلي طبيب البعثة شارحا ما يحس به من مشكلة نفسية مع نحول الجسد الذي يكاد أن يكون تجويفا متحركا يشف عما وراء سطحه الجلدي، هكذا كان يحس عمار مع هذا الخلط المركب بين ما هو جسدي وما هو اجتماعي »‬النحافة ـ المكانة» وبين ما هو عضوي وما هو مهني »‬الجسد الضامر ـ المهابة». طلب الطبيب استرجاع ظروف الطفولة المبكرة، وحينما استفاض عمار في ذكر تفاصيل إقامته الأولي في ريف سلوا بحري، أخبره الطبيب بما كان خافيا عنه وبما هو مطلوب منه الآن، ما كان خافيا هو إصابته قديما بإسهال كثير متكرر مما نتج عنه جفاف أوصله مرحلة الخطر، توازن الجسد بعدها فلا يزيد أو ينقص منه شئ، وتلك هي صيغته النهائية، هذا ما كان خافيا، أما ما صار مطلوبا من صاحب الجسد الجاف، فهو شكر الله علي أنه لا يزال حيا.
وهكذا، منذ لحظة ولادته المنسية جسما نحيلا في قماطه القطني،  وهو ما أجل فطامه لما بعد عامين، واستدعي تداول المرضعات عليه: الأم والجارة، وحتي إصابته بالجفاف، صار جسد »‬حامد عمار» علي ما هو عليه مسببا عقدة ظلت تراوحه ممتزجة بالصورة التقليدية الموروثة عن الجسد الممتليء واقتران الكتلة الجسدية المكتظة بالمكانة والمهابة، وحينما افتقد صاحب السيرة الجسد الذي كان يريد ويتمني، ظلت عقدة افتقاد الأثر المترتب علي ذلك من وجود مهيمن ومهاب، ظلت تلك العقدة قائمة زمنا وإن خفت كثيرا بعد ذلك حتي فرضت نفسها علي كتابة السيرة، فإذا بها حية بل وطاغية.
مع نحافة الجسد، يعدد عمار مخاطر الطفولة وإصاباتها خاصة ما قبل السنة السادسة، وهي فترة ينبغي إنهاؤها سريعا، هكذا يكتب عمار، وكأن التعاقب الزمني يمكن أن يكون إراديا، ومرور الأيام مسرعة كانت أو بطيئة يمكن أن يتتابع وفق الإرادة والاختيار، أو وفق مشيئة مبررة بضرورة أن يبدأ الطفل في الاندماج التدريجي في عالم الكبار والتدريب علي بعض مسئوليات العيش.
مع وصف تفصيلي، يعدد »‬حامد عمار» المخاطر التي تعرض لها جسديا والإصابات التي لحقته في أربعة مواقف، وكأنه مع هذا الاسترجاع التفصيلي يعيد تكوين الجراح واستحضار الصبي الذي كان في منتصف العشرينيات من القرن الماضي حيا وسائرا في طرقات »‬سلوا» المتربة في حيز مكاني ضيق يتراوح بين الكتاب والبيت والترعة ومنازل الأقارب والجيران، الموقف الأول حينما استدرج رجل ما عمار الصبي بعيدا عن حلقات اللعب الطفولي وانتزع قرطا مشبوكا بأذنه وفر مسرعا، نزفت الأذن وارتاع الصبي مرتجفا ومسرعا إلي أمه التي أدركت الخطر، فغسلت الأذن وضمدت الجرح النازف وهدأت خوف الصبي وانفعاله المرتعش، تبقت آثار نزع القرط قائمة في أذن »‬حامد عمار» الذي صار رجلا ثم كهلا يكتب سيرته الآن محتفظا بوجع انتزاع القرط وغدر الغريب مشيرا إلي آثاره الباقية، وهكذا، فإن القرط الذي ثبتته الأم في أذن صغيرها اتقاء للحسد المتوقع ودفعا للموت المتكرر في لعبة استبدالات وهمية تهدف إلي خداع العنف المتمثل لديها في الموت والحسد، وكأن القرط-  وهو علامة الأنوثة-  عندما يوضع في أذن الصبي سوف يحوله في عين الحاسد إلي فتاة مما يبطل الفعل- الشر والحسد-  ويعطل آثاره- المرض والضعف وربما الموت-  وهذا مكون تراثي متواتر قائم علي التراتب النوعي والقوامة الدينية وأولوية الذكورة، ومن هنا فإن الفتاة ليست موضعا للحسد ولا مجالا لإصابة العين والنظر، فقط هو الولد المعرض لالتقاط العيون الحاسدة وشرورها المحتملة، ومن هنا كذلك لعبة الاستبدالات القائمة علي خداع العنف بكل ما فيها من سحر إيحائي وتوهم، حيث يتحول الذكر إلي أنثي عبر إحدي علاماتها: القرط ، ولكن أثرا عكسيا للعبة الخداع تلك هو ما يحدث مكونا جرحا جسديا، ونتيجة نقيضة هي ما تترتب علي الاستبدال الوهمي متمثلة في آثار باقية إلي الآن.
يرتبط بتلك الموروثات السحيقة جزئيا ما نلاحظه من وصف »‬حامد عمار» المتكرر للفقر خاصة في مرحلتي الطفولة والصبا،هو يكتب دائما جملة »‬الفقر الدكر» واصفا احتجاز حياته الأولي في الضرورات والكفاف والاحتياج الثقيل والضاغط ، ولكنه وصف يشي باندراج عمار في التصنيف الجماعي الشائع للنوعين المتضادين: الذكر والأنثي، وصورتيهما المتناقضتين بين القوة والامتلاء والامتلاك، وبين الضعف والحنو والخضوع، هي جملة عابرة قطعا ربما قصد منها المزاح وربما قصد التوضيح وربما قصد استعارة موروث شعبي، ولكنها-  أي العبارة المستعادة والمتكررة-  تكشف عن عقله المندرج في تصورات الجماعة ومخزونها المعرفي القائم علي الفصل بين النوعين، وإدماج كل نوع في صورة نمطية، ثابتة وشائعة، مما يبرر التساؤل  -وأكرر أنها عبارة خاطفة لاتحتمل تأويلات مضافة- عمَّا إذا كان عقل المفكر التربوي الكبير عقلا نقديا بشكل جذري أم عقلا نقديا بالمعني التقني والمهني والإجرائي، أورد الملاحظة الآن وأتركها معلقة لاستكمال لاحق.
أعود إلي إصابات الجسد وجراحه التي شكلت صورته في وعي صاحب السيرة، وكما أشرت، فقد كان انتزاع القرط ونزف الأذن هي الإصابة الجسدية الأولي، تلتها إصابة ثانية نتجت عن معركة مع خروف، فبعد حادثة انتزاع القرط ألبسته أمه قلادة من الخيط تتوسطها »‬حفيضة» من الفضة منقوش عليها جزء من الآية الواقية »‬ومن شر حاسد إذا حسد» لكي تحفظه مجددا من الحسود المفترض، وذلك لأن انتزاع الأداة الواقية »‬القرط» لايعني انتهاء الوظيفة ولازوال الخطر، بل يؤكدهما، فالحسد شراك منصوبة في العيون المتجولة والناظرة، مما يحتم استبدال القلادة والآية المنسوجة فيها بالقرط المنزوع، غير أن ما حدث مع القرط استمر مع القلادة، واعتداء اللص الغريب علي الصبي في حلقة اللعب تواصل مع اعتداء الخروف عليه في الزريبة، فقد دخلها الصبي ليقدم العلف للماعز والغنم وهو يلعب بالقلادة رافعا إياها إلي فمه، فما كان من الخروف إلا أن اهتاج مباغتا الصبي دافعا بالطرف الفضي للقلادة إلي شفته محدثا جرحا غائرا لاتزال آثاره مثل بقايا الإصابة الأولي ماثلة، يحاول عمار وقد أضحي رجلا كبيرا أن يداريها بشارب كثيف يغطي انشقاق الفم، وعلي هذا تسببت أداة اتقاء الحسد في جراح الجسد، انتزاع القرط أحدث شرخا في الأذن ودفع القلادة كون شقا في الفم، والفاعل لص أو خروف، وهكذا: شرخ الأذن وشق الفم، اللص والخروف، القرط والقلادة، ودفع الشر الوهمي »‬الحسد» يصبح استجلابا لألم فعلي وجرح جسدي، ومجال اللعب »‬حلقة الأطفال- الزريبة» تصبح موضعا لظهور عدائي »‬اللص- الخروف » وفي كل ذلك، ينجرح الصبي وتظل عين الحسود آمنة ومطمئنة، هكذا يشير »‬حامد عمار» في سخرية خفية وهو يستعرض جراحه الأولي .
يستمر عمار مستعرضا في تفاصيل جزئية تاريخ جراحه الجسدية التي أجملها في أربع حالات، أوردت اثنتين منهما، فيما تأتي الحالتان الأخريان متماثلتين من حيث اعتنائه بل واحتفائه بوصف الألم ورصد موضع الجرح »‬ الأذن- الشفة- الجانب الأيسر من الرأس-  أعلي الذراع الأيمن» الحالتان الباقيتان ناتجتان عن سقوطه عن ظهر حمار برطع منزعجا من صفير قطار فألقي الصبي علي شريط السكة، حيث وقعت رأسه علي حافة حجر مما أحدث جرحا عميقا في الرأس استدعي وضع كمية من البن في تجويف الجرح وحتم النوم لأيام متصلة علي الجنب أو الوجه تفاديا لموقع الألم، الحالة الرابعة نجمت عن انزلاق إناء مغلي علي ذراعه واحتراق الجلد وعلاجه بزلال البيض، ومثل كل الحالات، فإن آثار السقوط عن ظهر الحمار وانسكاب الماء المغلي لاتزال باقية وماثلة في أعضائه الجسدية وظاهرة يسعي دائما إلي إخفائها وإن ظل محتفظا بتفصيلاتها ساردا لها بشكل تفصيلي، كما أوضحت، في سيرته الذاتية.
استنادا إلي ذلك، فإن النحافة التي سببت عقدة تلح ثم تذوي، وخرم الأذن وشق الفم واحتراق الذراع وشج الرأس، أصبحت كلها من علامات الجسد المختفية التي يداريها إما بشارب كثيف يغطي شق الشفة العليا، أو بالابتعاد عن العيون الفاحصة التي يمكن أن تلاحظ وتستكشف وتتساءل، وهكذا رصد عمار صورته الجسدية واسترجع نسيج جراحه المتشابك في الروح والذاكرة، مختزلا جسده في الإصابات المتعددة والجراح، وكأنه مفرغ سوي من الألم، مقتصر علي الضرورات اليومية والتكرار الآلي للاحتياجات الأولي، وحتي عندما ترد ذكري حدث بهيج وفق وصفه، فإنها تأتي مشوبة هي الأخري بالألم الخفي، متراوحة بين القسوة والانتشاء، علي نحو ما نلاحظ في تصويره لمشهد »‬الطهارة» أو الختان الذي يستدعيه صاحب السيرة مفعما بالروائح والأصوات والصور، كأنه احتفال جسدي أو طقس عبور.
يستقصي »‬حامد عمار» متذكرا بل ومتماهيا مشهد الختان واحتفاله الصاخب بالغناء ودق الدفوف والزغاريد، وطقوسه الاجتماعية التي تبدأ بمرور الصبي »‬العريس» في اليوم السابق علي إجراء العملية مصطحبا مجموعة من الشباب والأطفال زائرا وطائفا علي منازل الأقارب والجيران والأعيان داعيا إلي تشريف الحفل في الليلة التالية بعد صلاة العشاء.
في ليلة الختان، كما يرصد عمار متذكرا، تتم الأفراح في موقعين أحدهما للنساء في داخل البيت، والثاني للرجال في أي فضاء خارج المنزل أو في المضيفة التي كانت تسمي »‬الخيمة»  ، ومع هذه المظاهر الصاخبة تمتد صواني الطعام وأرغفة القمح الذي لا يأكله معظم أهل القرية إلا في المناسبات، أما »‬الذبيحة» من لحم الخروف فإنها لا توضع علي الصواني وإنما يتم اختيار أحد الكبار لتقطيعها وتوزيعها علي الجالسين وفق المكانة ودرجات النفوذ، وبعد الوليمة يقوم الحاضرون بقراءة الفاتحة والدعاء بنجاح الختان، بعد ذلك يجلس الطفل حامد »‬العريس» أمام الحلاق، وأمامه حصير واسع من سعف النخيل حيث يقوم حلاق القرية الذي ورث المهنة بحلق شعر الطفل ببطء، وخلال الحلاقة يتقاطر الأقارب والأصدقاء بتقديم ما يسمي بالنقوط نقدا أو عينا من القمح أو الذرة أو الشعير فيما يتابع الحلاق قص الشعر مع الإعلان عن كل نقوط وصاحبه ودرجة قرابته للطفل. تستهدف تلك المشاركات المتبادلة، كما يشير حامد عمار، تغطية جزء من النفقات في حالات الختان أو الزواج أو الحج، ولهذا تسجل الأسماء والنقوط في دفتر خاص علي أساس أنها دين يقتضي رده في مناسبات مماثلة.
بالنسبة لحامد عمار طفلا وعريسا، فقد كان سعيدا بلبس القفطان الأبيض والجبة الخضراء والطربوش المزركش والحذاء الأحمر، ومع الانبهار وفقدان التركيز وسط الصخب والحشد الاحتفالي، كان الختان مصحوبا بجراحه يتم مازجا بين الجسد الفردي وطقوس الجماعة.
 يرتبط بتجليات صورة الجسد في السيرة ما يمكن أن نلاحظه من تجسدات مماثلة لصورة المكان، تلك التي تتخذ أشكالا وصياغات متعددة مكونة واحدة من العلامات المركزية في السيرة، وخاصة تلك التي تتبدي عليها صورة المكان الأول، وأعني قرية »‬سلوا» التي شهدت وشكلت النشأة والتكوين والمسارات اللاحقة.
بشكل مجمل، تشير صورة القرية في السيرة إلي مناخات عزلة واحتجاز، فهي مجتمع مغلق يتناسل ذاتيا من مواريث قائمة علي الأمية والمعرفة الدينية البسيطة والمستمدة من حفظ آيات قرآنية وبعض أحكام فقهية ممتزجة بالخرافات المتوارثة، فيما تقتصر مزايا الحاصلين علي قدر أولي من التعليم علي حسن الخط وتجويد الحروف وسبك العبارات المستخدمة في كتابة الشكاوي والمطالب للأفراد والجماعات، فضلا عن قراءة كتيبات تحتوي علي بعض أحكام الشريعة وأقوال الرسول، ومن هنا تتمثل معرفة القرية في أحاديث المشافهة التي تدور في المجالس المسائية أو في المناسبات، وكلها دائرة حول شئون الزراعة ومشكلات الري ومسائل الضريبة الزراعية ومطالب الصراف.
يستحضر »‬حامد عمار» مكانه الأول وموطنه الحميم باستقصاء تفصيلي للمساحة والموقع والحيز الجغرافي ونمط المعيشة والإنتاج والمعرفة، ويركز أكثر علي علاقة الأرض بالنيل، فالمساحة الزراعية المحدودة للقرية تعطيها حياة الكفاف وتربطها بمورد النيل الذي يغدو منبع الري ليس فقط للأرض الضيقة وإنما كذلك للبشر، وهكذا  تتعدد صور النيل لدي عمار وعالمه الطفولي القديم : ابتداء من علاقته بالزراعة ودورة الري الموسمي والفيضان انتقالا إلي علاقته بالخصوبة الجسدية حيث يقصده العرسان ليلة الزفاف أو كلما تأخرت بشائر الحمل، كما يكتسب النيل وظيفة أخري هي الخروج من أسر المنزل واحتباس المكان، وذلك حينما تسير الفتيات إليه حاملات الجرار بزوايا مختلفة، وفي الطريق إليه التي تسمي »‬الموردة» نسبة إلي مورد الماء، يتبادلن الأخبار والنمائم والحكايات، ومن هنا تتعدد وظائف النهر وصوره في السيرة متصلة بالوظيفة النفعية المتمثلة في ري الأرض والزراعة ثم وظيفة الاتصال واللقاء وتبادل الكلام وكسر سطوة المكان الضيق، فضلا عن وظيفته السحرية المرتبطة بالخصوبة الجسدية.
ومع تلك الإشارة المجملة والموحية لصور النهر المتعددة والصانعة لدورة الحياة ومواريث الجماعة ودائرة الولادة والموت والزراعة والخصوبة، يتوقف صاحب السيرة عند بيت العائلة بخيره المحدود ورزقه الضيق وتسانده الأسري والاجتماعي، ويواصل منهجه التوثيقي والتسجيلي للتفاصيل والوقائع والعلامات، وكأنه يستحضر الحياة ذاتها ويعيد وجوده فيها عبر استقصاء تفصيلي ، كما أوضحت، ولكنه يستقصيها الآن عبر الكتابة والذاكرة والمرآة لاعبر التواجد الحياتي اليومي كما كان في الفترات القصية التي كان فيها صبيا دائرا بين طرقات القرية المتربة والجدران المنسية للبيت الريفي وألواح الكتاب.
لا يهمل »‬حامد عمار» شيئا في وصفه للبيت ولايترك زاوية أو جدارا أو سقفا أو ركنا أو غرفة إلا ويذكر أشكالها ويستقصي المادة التي تتكون منها ويستحضر روائحها وأصواتها وامتدادها المكاني وانعكاسها المتجدد في الفضاء المحيط. وهكذا فإن البيت، كما يصف، مبني بالحجر وجدرانه مبلطة بخليط من القش والطين، مكون من غرفتين مسقوفتين بجريد النخيل وبه ساحة مكشوفة للنوم في الصيف ومن مصاطب في المدخل لاستقبال الضيوف، فضلا عن »‬شونة» للتبن غذاء البقرة والجمل والحمار، يليها قاعة الفرن والكانون، ويتخلل كل ذلك هنا أو هناك صوامع الغلال وتكوينات طينية توضع عليها دواليب وبرج لتربية الحمام، ثم تنتهي تلك الأقسام بغرفة واسعة للبط والدجاج تستخدم دورة مياه للنساء، لأن دورات مياه الرجال في الخلاء، وتوجد في القسم الخلفي للبيت غرفة للجدة وأخري للعمات إن كن أرامل، وغرفتان مستقلتان تقطنهما البنت حين تتزوج لتقضي فيهما فترة حتي تنجب ثم تنتقل بعدها إلي بيت أهل زوجها ، وبهذا تلتقي في البيت ثلاثة أجيال مما يعرف باسم الأسرة الممتدة، حيث يتفاعل فيه الكبار والصغار مع المواشي والأغنام، ويتحرك فيه سكانه بحذر تحوطا من الاصطدام العفوي بالدجاج والكتاكيت لحظة انطلاقها الحر، والبط والأوز في تمايله للفسحة في أرجاء المنزل.
كان هذا هو عالم الفتي حامد الصغير، يرقب ما اختزن علي السقف من البوص والحطب حيث كان عليه أن ينزل بعضه ليستخدم مع ما اختلط به من القش وقودا للكانون في الخبيز، وكان الفتي يشعر بحركة البهجة في المواشي حين يقدم لها علفها وهي جائعة، وبالطيور حين تصيح وتزقزق وهي تتسارع نحو التقاط ما ينثره لها من حبوب وما يقدم من ماء.  يتعجب عمار وهو يكتب تلك الوقائع بعد أكثر من سبعين عاما علي حدوثها الفعلي، يتعجب كيف أمكن للطين والقش وجذوع النخيل وجريده أن يقيم مساكن متماسكة لاتنهار،  ويتعجب لما اكتسبه هو من مهارة جسدية واتزان حركي جعلاه يستطيع مع المران تسلق الحيطان غير المبلطة والسقوف، ويشير كذلك إلي إدراكه المبكر لم سُمّي الخبز أو الرغيف باسمه »‬العيش» وكيف أن لقمة العيش كانت مرادفة لكل مقومات الحياة.
> > >
يقطع عمار في لقطة مباغتة وصفه التفصيلي لأشياء المكان ومحتويات المنزل ومواده وأشكاله، ليسجل أثر المكان عليه ويرصد مشاعره الذاتية في واحدة من المرات القليلة التي لاتتكرر كثيراً، والتي يتخلي فيها عن عين الراصد وذاكرة المدون وينتقل إلي استكشاف عالمه الداخلي، الخفي والمستتر.
في الليل الصيفي يتمدد الفتي الصغير مع باقي أفراد الأسرة علي الأسِرَّة المصنوعة من خشب النخل وجريده والمفروشة بالحصير، ولكنه يغادر نومه الجاثم متطلعاً إلي السماء والنجوم متأملاً في تكوين الدب القطبي، كانت تجول في خواطره خلال هذه الحالة من الاسترخاء اللحظي مخاوف المرور أمام الخرائب ليلاً، كذلك تضطرب مشاعره القلقة قبل النوم حين يتذكر الغول الذي يسكن الجبال الشرقية، والذي يفد إلي القرية بعد العشاء ليوقظ الأطفال ويغريهم بالذهاب معه بعبارته الساحرة الموقعة »‬بليح بليح، أمك قدامكم» وهو مايعني إغراء الطفل بأن أمامه عالماً من البلح حيث تكون أمه في انتظاره، وهكذا في تلك الاسترخاءة قبل النوم التي تمتد لهنيهات وامتدادات خاطفة، تتجلي للطفل نجوم الدب القطبي، والعفاريت الطائفة في الخرائب، وغول الجبل المتواري وإغواؤه بالبلح والأم والجمل المنغمة، مزيج من المشاعر والمخاوف، وخليط من عوالم الطبيعة والخرافة والحواس والصور الطفلولية، كل هذا يتكون لدقائق في خيال الصبي خلال استرخاءة ما قبل النوم علي سرير الجريد.
كما هو جليٌّ، عبر الإشارات السابقة، تجسدت صورة القرية في ذاكرة عمار وسيرته الذاتية باعتبارها مكاناً مهيمناً وأولياً، يتحدد نمط حياته المعيشية فيما يمكن أن يعرف بالاكتفاء الذاتي واقتصاد الكفاف، ويتشكل جغرافيا من مساحة زراعية ضيقة ومحدودة، محصورة بين مورد النيل والجبال المحيطة مع مايترتب علي ذلك الإرث الجنوبي من خيالات وخرافات، ومن مشاعر ورغبات، ومن طموحات إرادة واحتجاز وجود.
 تقاطعت مع تلك المناخات الجاثمة من التكرار والرتابة والسكون وتناسل الحكايات والغيبيات، وتخالطت معها لحظةٌ مفاجئة وتشكلت مايسميه صاحب السيرة بالصدمة الثقافية، وذلك حين جاء في يوم تاريخي صراف القرية بذلك الساحر الصوتي »‬الجرامافون». تجمع حشد بشري متنوع من الأطفال والرجال والعجائز ليسمعوا غناء شجياً منبعثاً من تلك الآلة الصماء. لم يكن أحد من القرية يعرف أيَّا من أسماء المغنين أو يدرك النغمات الموسيقية المنسابة، حيث كانت الأغاني المرتجلة علي نقر الطبول ودق الدفوف والكفوف هي كل ما لديهم من  الموسيقي، وكل مايمتلكون من الغناء.
أحدثت الآلة المغنية لدي عمار وهو لم يتجاوز الخامسة بعد، أحدثت ما اعتبره صدمة ثقافية أكدها ماتردد بين أهل القرية وما أكدته أمه حينما أشارت إلي الخواجات الذين لايغلبهم سوي الموت، اختزن الطفل الصدمة حتي تقاطرت علي الأوراق وهو يحكيها الآن ممتزجة مع صدمات أخري يعددها معتبراً أن صدمته الأولي بموسيقي الآلة كانت صدمة متكررة في تاريخنا الثقافي، شبيهة بصدمة الجبرتي عند زيارته المجمع العلمي الذي أنشأته الحملة الفرنسية، ومماثلة لدويِّ قنابل الغزاة في القاهرة والتدريب المنظم للعساكر في ساحة الأزهر وسط صيحات المصريين وندائهم لخفيِّ الألطاف ودعائهم للنجاة مما نخاف.
يكاد عمار أن يستدعي نداء ودعاء مماثلين وهو يتذكر آلة الغناء تلك، وإن  كان يضيف جملة ختامية تضع الحادثة في سياقها الزمني مما يخرجه جزئياً من افتتانه القديم، لتصبح الدهشة أمام الآلة، وكذلك انبهار الجبرتي أمام المختبرات العلمية والعجز الذاهل أمام التنظيم العسكري للحملة، حلقات من الصدمات التي كانت إيذاناً ببدايات الوعي الحديث ومقدمات ضرورية لتشكيل العقل النقدي.
بعد إشارته تلك لصدمة الحداثة المتمثلة في الغناء الساري من الآلة الصماء، يورد »‬حامد عمار» لقطة مجملة ومكثفة لنظام السخرة والعمل القسري بلا أجر، وذلك عندما اصطحبه أبوه إلي دوار العمدة، وهناك شاهد صخباً حاداً يتخلل ذكر أسماء وشطب أخري وسط عبوس واضطراب، كان هذا اجتماعاً لاختيار بعض أفراد من القرية وفق ما كان  يعرف باسم نظام  »‬الفردة»  الذي علي أساسه يتم تحديد المختارين من مختلف قبائل القرية للعمل القسري شهوراً ممتدة بلا أجر أو مقابل في صيانة شواطئ الترع والمزارع وتعلية الجسور حين تهب مياه الفيضان طافية بمنسوبها العالي في موسم الصيف.
ولتنفيذ هذا النظام كما يذكر عمار ويسجل، فإن تنبيها يصل من المديرية إلي مقر العمدة لكي يرسله إلي مواقع معينة محدداً العدد المقدر والمطلوب من القرية، وكان علي العمدة ومشايخ الحصص من خلال الحوار الصاخب مع رؤساء القبائل من ملاك الأطيان تعيين العدد المقدر من كل قبيلة وفق حجمها العددي وممتلكاتها الزراعية، كان هذا الإجراء ظاهرياً وصورياً، إذ كانت الأهواء وسطوة النفوذ وهيمنة المكانة هي القوانين الحاكمة، ومن هنا كان معظم طاقم العمل القسري »‬الفردة» من فقراء القرية أو من ذوي الملكيات الصغيرة أو من العمال الزراعيين، الذين لم يكن هناك اختيار لديهم سوي الامتثال والخضوع، فمصير الرافض أو المتمرد كان السجن والغرامة، تركت هذه الصورة للقهر والتراتب الطبقي وسطوة السلطة أثرها المترامي والممتد علي الصبي، حيث ظل منذ طفولته وحتي تعليمه الثانوي معايشاً لها ومستشعراً أحاسيس غامضة نحو قسوتها ومايتخللها من عنف واستلاب.
امتزجت الصدمتان معا وشكلتا خيوط التكوين الأولي، صدمة انبعاث الصوت بالغناء من آلة وليس من حنجرة بشرية، وصدمة السخرة والعمل القسري والقهر بما أشاعه ذلك من تصورات ومشاعر مرتبطة بسطوة السلطة ونفوذ الثروة واستعلاء المكانة وهيمنة المقادير بمعناها الاجتماعي لا الغيبي . ونلاحظ أن هذين الخطين صاغا الملامح الأساسية لتجربة »‬حامد عمار»  وفضائه الزمني والفكري، الخيط الأول شكل انجذابه للغرب وافتتانه بالتقدم المنهجي والتقني والمؤسسي لقارة الشمال الممتدة علي الضفاف الأخري من المتوسط ، ولم يكن هذا خطًا عابراً  أو نزوعاً وقتياً أو استهواء منجذباً نحو مناطق الثراء العلمي والاجتماعي والمادي، فمنذ أيام وجوده في أوروبا مبعوثاً لنيل الدكتوراه وحتي غيابه الجسدي مروراً بمراحل تطوره المهني والفكري وانتظامه العملي في عدد من المؤسسات الدولية، ظل الغرب قيمة مهيمنة تشكل الإطار المعرفي والمرجعي، رغم أنه كثيراً ما انضوي في سياق نقد المركزية الغربية محاولاً التوصل إلي نموذج تربوي بديل مستقصياً ومستلهماً تصورات »‬باولو فريري» واستشرافه لآفاق أخري ونموذج نقيض، الخيط الثاني شكل هو الآخر نزوعه الدائم والمتجدد نحو تأسيس علم تربوي تكاملي قائم علي التحرر والتعدد لا الأحادية والقوالب المغلقة، فقد كان مشهد الاجتماع الصاخب للعمدة مع أصحاب المكانات والنفوذ لاختيار الشباب الذاهب قسراً إلي السخرة، كان هذا المشهد كاشفاً بشكل أولي قطعا عن التفاوتات الكامنة حتي داخل الطبقات المهمشة والمقهورة ذاتها، وكان انكسار المختارين وانسحاق أسرهم واستلاب الأرواح المنطفأة، كان كل ذلك كاشفاً عن سطوة السلطة وإرادتها الفوقية التي تبدت وكأنها مشيئة قدرية هابطة من سماء غيبية وليست نتاجاً حتمياً لتراتبات اجتماعية واستعلاءات طبقية.
رسخ هذا المشهد أو كون بشكل جزئي شيئين، الأول هو اجتهاد عمار ورغبته الخفية في التخلص الذاتي من الضرورة والاحتياج، الثاني هو ارتباطه الدائم والتزامه المهني والعملي بحقوق الطبقات الفقيرة والمهمشة من خلال تأسيس نظام تعليمي لايتقافز علي شروط وجود أو متطلبات حق، ولايقتصر علي من يملك أو يستطيع، فروما ليست لمن يدفع، أو هكذا حاول دائماً وتشبث بعناد مستمد من تجربته الحياتية ذاتها وليس فقط من إدراكه المعرفي والمهني .
> > >
يتابع »‬حامد عمار» تكوين صورة المكان التأسيسي الأول المتمثل في قريته »‬سلوا بحري» فبعد إشارتيه المجملتين لآلة الغناء ومشهد السخرة، يسترجع صورته الذاتية وقد خطا علي عتبات السادسة من عمره مهيأ لدخول الكتَّاب لكي يعرف القراءة ويحفظ الكتاب، ولكنه وفق منهجه الذي اختاره وأشار إليه في استهلال السيرة حول المرآة الراصدة والعاكسة للمشاعر والتحولات، وفق منهجه المرآوي هذا يسترجع البناء المعرفي للجماعة المتجانسة في القرية، والمتفاوتة رغم ذلك في الحظوظ الشحيحة والرزق المحدود، يركز عمار علي ما اعتبره مصادر المعرفة ومضامينها في القرية، ويرصد ابتداء انغلاقها علي مواريث ثابتة تتناسخ ذاتياً مكونة أنماطاً من الاعتقادات والتصورات عن الذات والعالم والله، اعتقادات مؤطرة بالأمية ومبنية عليها، ومن المفارقات اللافتة أنه يراها  -أي الأمية-  مظهراً من مظاهر التماثل الاجتماعي بين سكان القرية، مثل الملابس التي كانت موحدة في مظهرها الخارجي ومتجانسة هي الأخري، بتعبير آخر، فإن  الجماعة القروية القصية والمهمشة وقد تراكم الغبار الزمني عليها قد تماثلت من حيث التكوين المعرفي في الأمية، وتوحدت من حيث الشكل الخارجي في الثياب، ولكنه في السياق المتتابع والمتحول للسيرة، يرصد آليات منع الأمية لتعدد الصيغ الحياتية وتطورها، واحتجازها للمستقبل وترسيخها لعقل جماعي شفاهيّ وماضوي.
يذكر عمار أن عدد العارفين بالقراءة والكتابة العاجزة لم يكن يتجاوز الخمسين شخصاً ممن تعلموا في الكتاب القديم إلي جانب شخص واحد التحق بالأزهر لبضع سنوات، ومن هنا تتمثل المعرفة القروية -كما أشرت في فقرات سابقة-  في أحاديث المشافهة التي تدور في المجالس المسائية حول مشكلات الري والضريبة والحيازات الزراعية، وكذلك حول بعض المسائل الفقهية الخاصة بالميراث أو كرامات الأولياء، وكذلك حول نزاعات القبائل علي المناصب والشياخات، فضلا عن أخبار العائدين إلي القرية وما جلبوه من مباهج المدينة، يستخلص صاحب السيرة من ذلك كله صورة للقرية في عزلتها ومناخها الثقافي القائم علي ضيق اليد واحتجاز العقل داخل خبرات ومعارف متوارثة عن الفلاحة والأساطير والأنساب القبلية، المفاجئ أن هذه الصورة المغلقة للجماعة لم يمنعها من التباهي والفخر بسلالتها المنتسبة الي قبائل الجعافرة، والممتدة إلي الإمام جعفر الصادق، والواصلة إلي الحسين، كانت أمه تقول متفاخرة »‬إحنا دقيق العلامة والناس ردنا» ، ودقيق العلامة  -كما يوضح حامد عمار- هو دقيق القمح بعد غربلته بالغربال الحرير ضيق الفتحات حيث يتخلص من القشور العالقة به من النخالة، هكذا تتفاخر الجماعة بذاتها المغلقة عبر انتسابها المتوارث وربما المتوهم للإمامين:  الفقيه والشهيد، وليس عبر وجودها الآتي وفعلها الحياتي الراهن.
كان الانتقال إلي الكتاب شبيها بطقوس العبور في المجتمعات العشائرية القديمة، فقد كان هذا الانتقال إيذانا بالتحول من الطفولة إلي الصبا، ومن المرحلة المنسية إلي عالم الشهادة ، ومن الاندماج الآلي في الأسرة إلي التميز الفرديِّ القائم علي معرفة الكتابة والآيات القرآنية، استلزم هذا الانتقال طقوساً وعلامات ابتدأت من تفصيل الملابس الداخلية والجلباب الجديد، كان ارتداء الملابس الداخلية علامة علي النمو الاجتماعي والتحول من الطفل إلي الصبي ، وكان الكتاب ذاته إشارة انتقال إلي دنيا مغايرة لم يعد الصبي فيها جسداً طفولياً حراً، بل أضحي خاضعاً لدورة التعلم المتوارث قابلًا لاكتساب المعرفة المنقولة، حتي علي مستوي البناء الزمني، لم يعد اليوم كتلة زمنية مرسلة وسائلة منضوية في تعاقب الليل والنهار ودورة الطبيعة، بل صار مقسماً لمراحل وفترات ومواقيت، رغم أنها  -أي المواقيت-  لا تحكمها عقارب الساعة التي لم تكن متاحة وقتذاك، وإنما كانت مرتبطة بمواعيد الصلوات والظلال، فقد كان امتداد الظل أو انحساره إلي جانب آذان الصلاة هو المؤشر لتحديد وقت العمل، وفي حالة الاستئذان لقضاء الحاجة في الخلاء، كانت المدة المسموح بها تقاس بالوقت الذي يجف فيه بصاق العريف أو ينحسر فيه الظل ويمتد، ورغم أن مواقيت الانتظام في الكتاب كانت محكومة بحركة الظل أو مواعيد الصلاة، إلا أنها تظل نوعاً من تنظيم اليوم وصياغته وفق مراحل زمنية متصلة بآليات الكتاب ونظامه المتوارث، كذلك كان المقابل المادي للتعلم واكتساب معرفة الحروف وأبجدية الهجاء وحفظ النص المقدس، كان هذا المقابل أو الأجر مرتبطاً هو الآخر بنمط إنتاج القرية الزراعي القائم علي التبادل السلعي وليس القيمة المالية، ومن هنا كانت مصروفات الكتاب رغيف ذرة أو شعير يقدم للشيخ كل يوم أو يومين حسب حالة أسرة المتعلم، وكان هذا المقابل يترقي قليلاً ليصبح رغيفاً من القمح أو براد شاي عند حفظ آيات القرآن، وهكذا كانت المواقيت وكان الأجر العيني  وكذلك بناء الكتاب ذاته، كان كل ذلك صورة للاكتفاء الذاتي، المواقيت اكتفاءً بالطبيعة، والمصروفات اكتفاءً بما يفيض أو يتوافر من محصول الأرض، والبناء اكتفاءً بالمواد الموجودة في البيئة والخارجة عضويا من المكان ، فألواح الكتاب خشبية تُمسح الكتابة عليها بالماء وتُعاد بتغطية سطحها بطبقة خفيفة من الطفلة التي تُستخلص من أحجار الجبل، ويكتب عليها بقلم البوص المأخوذ من ساق نبات الذرة وبحبر مصنوع من هباب الصاج الذي تخبز عليه الفطائر مضافاً إليه البذور المطحونة من فروع الشجر.
كان التعليم مقتصراً، كما هو  شائع ومعروف، علي حفظ القرآن وتعلم الحروف والكلمات، وقد تمكن الصبي حامد عبر ثمانية عشر شهراً قضاها في الكتاب أو »‬الخلوة» كما كان يُسمي، تمكن من حفظ جزء من القرآن ومن اكتساب مهارات محدودة في القراءة والكتابة، لكن الأساس لم يكن ذلك وإنما كان بدء انتظامه المنهجي في تلقي المعرفة وضبط اليوم وفق مراحل التعلم، وهو ما ظل ملازما لخطه الحياتي بعد ذلك وإن تعددت الأمكنة من الكتاب إلي المدرسة، ثم الحرم الجامعي فالبعثة وغيرها، وإن تمايزت كذلك الصور من ارتدائه السروال الطويل تحت الجلباب والطاقية المطرزة إلي الملابس العصرية، ومن القرآن والأبجدية إلي العلوم الحديثة والمناهج المنضبطة والدرجات العلمية، بشكل مجمل، كان الانتظام اليومي في الذهاب إلي الكتاب والامتثال إلي نظامه وإجراءاته مكوناً أساسياً في بنائه العلمي الذي تكاثف وامتد فيما بعد، كان هناك إطار زمني حاكم وتدريب يومي منظم للعقل والذاكرة، منذ مشرق الشمس وحتي صلاة الظهر كانت فترة وجوده الصباحي في الكتاب، ينصرف بعدها عائداً بعد وقت قصير حاملاً معه رغيفاً هو كل مصروفاته الدراسية، ثم يستأنف ولوحه موضوع أمامه فيما وجهه إلي الحائط، ليأخذ في ترديد ماهو مكتوب عليه بصوت عال، كان يحفظ ما في اللوح  أمام العريف، وبعدها يمسح لوح الأمس ليسجل لوح اليوم، وهكذا عملية متصلة من الكتابة والحفظ والمسح والتسميع، تلك كانت مشاهد دالة استحضرها »‬حامد عمار» كي يكون صورة كلية ومركزية للقرية التي كونت الطفولة والصبا وشكلت المعرفة التأسيسية التي تنامت بعد ذلك متصلة بمصادر أخري ومجالات متعددة، كانت هذه هي أرضه الأولي التي تراسلت عليها حركة بشر وزمن، وكونت خطاه علي عتبات وجود متعدد، وشكلت البدايات، وفق مايكتب ويعبر ، بشراً وأرضاً وعملاً وسكناً ولعباً ولباساً وغذاء وثقافة، ومن هنا تكونت واحدة من صور السيرة المركزية، وقد صاغ صاحبها مشاهدها وعالمها في الحكايتين الثانية والثالثة مثلما صاغ صورة الجسد في الحكاية الأولي من السيرة التي انتظمت، كما أوضحت ، في أربع وعشرين  حكاية، في إشارة رابطة بين عدد الحكايات وعدد ساعات اليوم، الحكاية ساعة، والعمر ذاته يوم طويل.
تعددت الأماكن بعد ذلك صانعة ليس فقط مواضع الخطوات واللقاءات والحركة الجسدية وإنما إطارات للتحولات الخفية والمشاعر المختبئة، ولكن ظلت قرية »‬سلوا» بمنازلها الطينية وكتابها المترب وطرقاتها الضيقة وأيامها الجافة وزراعاتها التي تفي فقط بضرورات اليوم واحتياجات البقاء، ظلت القرية هي المكان الجاذب ومثوي الوجود، تمايزت المنازل التي سكنها صاحب السيرة ولكن ظل بيت الأسرة الطيني هو الذي تحتويه الذاكرة وتستقصي تفاصيله وأجزاءه وغرفه وساحاته وروائحه، وكانت مراحله الدراسية انتقالا متدرجا من المدارس بمستوياتها المتعددة ثم الجامعات في العاصمة أو الغرب، ولكن ظل كتاب القرية بشيخه وعريفه وحركة ظلاله المحددة للمواقيت، وألواح البوص والحبر المصنوع من هباب الصاج ودروس الصباح وتسميع ما بعد الظهر واستناد الألواح إلي الجدران، ظلت هذه المشاهد جاثمة وفاعلة وحية ومختزنة يخيم عليها السكون اللحظي والنسيان الظاهري، ولكنها ما إن يستدعيها صاحبها حتي تتفجر سارية علي الأوراق مستعيدة رائحة الغرفة والسواد الطيني للجدران والتراسل اللغوي لآيات القرآن وأرغفة الخبز المقدمة لشيخ ضرير لقاء وجود يومي منتظم وتدريب علي الحفظ والتسميع والترديد.
لهذا كله لم يكن مفاجئا أو غريبا أن تكون قرية »‬سلوا» هي موضع رسالته للدكتوراه التي حصل عليها من جامعة لندن عام 1952 تحت عنوان »‬التنشئة الاجتماعية في قرية مصرية» وكانت هي القرية التي تابعت ابنته فيما بعد دراستها مستكملة جهد أبيها ومستلهمة خطه الفكري وإطاره المنهجي حيث رصدت ما طرأ علي القرية من تغيرات بعد ثلاثين عاما وسجلت مظاهر التحول فيها حتي عام 1982 في رسالتها للدكتوراه من جامعة »‬فلوريدا» مما تشير إليه صياغة عنوان دراستها »‬النمو في قرية مصرية»، وبهذا لم تكن قرية »‬سلوا» صورة مركزية في الكتابة فقط وإنما في تجربة الحياة ذاتها، شكلت زمن الصبي ومشاعره الأولي ونسيجه الحياتي، وحين كان عليه أن يختار موضوعا لرسالة الدكتوراة في سياق حياة مختلفة جذريا  وفي عاصمة الشمال القصية »‬لندن» وجد القرية حاضرة ومهيمنة تعطيه مادة المعرفة وإطار البحث مثلما أعطته سابقا مادة الحياة وإرادة التحول، وظل أسر القرية ماثلا وممتدا إلي ابنته التي لم تعش بها يوما ولم تمثل لها ما كانت تعني لأبيها من مكان النشأة ولحظة الميلاد، ولكنها ظلت جاذبة لاستكمال التجربة ورصد التحولات في البحث العلمي لا في الحياة لدي الابنة، وفي الاثنين لدي كاتب السيرة وصاحبها. وهكذا تجاوزت قرية »‬سلوا بحري» كونها مكانا لتجلي الميلاد وخطوط التكوين الأولي إلي كونها الوجود نفسه، كعبة ذاتية وداخلية يطوف حولها الشيخ علي مدار أيامه المتصلة والممتدة حتي عامه الخامس والثمانين، يلامس أحجارها السوداء وجدرانها المنسية وظلالها الشبحية في نوع من العود الأبدي والصلاة الممتدة.
> > >
تتداخل الصورتان اللتان أشرت إليهما، وأعني صورة الجسد وصورة المكان، مع صورة مركزية ثالثة هي صورة الأب التي أحاول الآن استجلاء ملامحها الأساسية بإجمال أبدؤه بتوضيح ضروري هو أن صورة الأب تتخلل الصورتين: الجسد/ المكان، وتلقي ظلها الشفيف عليهما مكونة ما يتواري فيهما من تحولات مختبأة وأنساق مضمرة.
ترد أول إشارة إلي الأب في الإهداء الذي يستهل به »‬حامد عمار» كتابة السيرة، بادئا بالروح الطاهرة لكل من الأم »‬نزهة» والأب »‬مصطفي» مركزا علي التضحية والإيثار لديهما، وكأنه يعطي مبررا للإهداء أو تفسيرا للاختيار، فالأم ترد في إشارة الإهداء مضحية بنفيس المصوغات والأب يأتي ذكره عبر اضطراره لبيع أخصب القراريط ، ويضيف عمار في جملة تالية إشارة إلي أثر التضحية والاضطرار مستخدما عبارات محتفية بالسجع الشكلي والبلاغة الواهية »‬ لكي أمسك بالقلم، يعلمني ما لم أكن أعلم من حروف حافزات للهمم نحو كل الخيرات والقمم».
الإهداء هنا مرتبط بالأثر الذي أحدثته التضحية وبالوظيفة المترتبة علي اضطرار الأب لبيع الأرض، وظلت هذه الفكرة الجوهرية الرابطة بين التضحية والأثر والواردة بشكل مجمل في الإهداء، ظلت هي الخط الأساسي التي تجسدت عليه صورة الأب علي مدار السيرة كلها.
تتكون صورة الأب، كما أوضحت تفصيلا قبل ذلك، عبر ارتباطه الخفي بما أسميته المصادفات القدرية التي شكلت التحولات الفاصلة وكونت المصائر البديلة عبر لقاء بين طرفيّ ثنائية متضادين، وأعني المصادفة والقدرية معا، كان الأب موجوداً دائما وفاعلاً في تلك السياقات المتحولة فيما كان الصبي ذاته متلقيا سلبيا لها، رغم أن آثارها انعكست علي مصيره المتحول لا علي وضع الأب الساكن، وهكذا تتواتر صورة الأب بشكل مجمل في سياق تحولات الحياة ونسج المصائر مع إشارات خاطفة للحالات النفسية التي كانت تتبدي عليه نتيجة وطأة الاحتياج وضيق اليد وعجز الإمكانيات ، هي صورة مجملة يوردها »‬حامد عمار» ولكن دون استقصاء وتفصيلات علي عكس ما فعل في نسجه لصورتي المكان والجسد، وأعني بذلك أن صورة الأب تواترت في السيرة مرتبطة بشكل أساسي بالدور التحويلي والوظيفة والأثر، ومتصلة بتلك التقاطعات أو المواقف التي مثلت انتقالا بين حالتين أو عبوراً بين أزمتين، انتقالا تحدثه مصادفة ويكونه قدر، غير ذلك تأتي صورة الأب خاطفة ومجملة عبر إشارات جزئية لمشاعر أو انفعالات أو كلمات .
ومن هنا يبدو الأب في مواقف التحولات متصدرا وفاعلا بل ومُكونا ، وفيما عدا ذلك تتزحزح الصورة قليلا إلي الخلفية وتبقي بها إلي أن تتشكل أزمة ويتكون موقف فاصل، حينذاك يعود الأب أو يستحضره صاحب السيرة ليصوغ نقطة التحول أو جسر الانتقال.
وكما أشرت، فإن السيرة انبنت علي محورين هما المشاعر والتحولات، ويبدو لي أن صورة الأب قد ارتبطت أكثر وأعمق بمحور التحولات، حيث كان الأب حاضرا بشكل كثيف في فواصل الانتقال ونائيا بدرجة ما إذا ما رصدت الكتابة الانفعالات المختبأة والانطباعات الذاتية أومسَّت مشاعر الصبي والشخصيات الأخري المتواترة علي مدار السيرة، وقد استقصيت في فقرات سابقة بعض تجسدات صورة الأب في مراحل التحولات ، ولكني أضيف هنا أن صورة الأب قد توارت بعد مرحلتي الطفولة والصبا، وكأنه صدي قصي يتماوج في خلفية المشاهد والأحداث فاقداً دوره التحويلي الذي كان له، محتفظا بصورته الأثيرة لكن دون وجود فعلي ودون تدخلات فاعلة ، ويمكن التوصل في استخلاص مجمل إلي أن الأب تجسد - وجوديا - في صورة صانع أقدار خفي، ثم - وظيفيا - في صورة صاحب العناية المريدة والمختارة ، هو وجود وظيفي تراوح بين عاملين: الأول هو الاستجابة لضرورات الانتقال، والثاني هو الإرادة الصانعة لفواصل التحولات، وهكذا ما بين الاستجابة المبصرة والعفوية معا بما يشوبها عادة من مشاعر محتجزة وانفعالات مكتومة، وبين الإرادة التي تبدو فوقية ومهيمنة صانعة للصبي قدره الذاتي ومسارات أيامه القادمة ، ما بين القوسين: الاستجابة والإرادة، يتجلي الأب وكأنه يبصر من خلال ستار زمني مآلات الحياة ومواضع اجتياز الخطي، هذا إذا كان لنا أن نستعير عنوان السيرة للدلالة علي صورة الأب ، وربما لهذا اعتنت السيرة في نسجها لتلك الصورة بالوظيفة لا الطبيعة، بالدور التحويلي لا المشاعر الكاشفة، وبالأهداف العامة التي خطها الأب لحياة الصبي لا بالانفعالات الذاتية التي كانت يقينا تضوي روحه وتقلق أيامه وتشقي وجوده .
ظهر الأب علي خشبة مسرح الصبي وشكل افتتاحية العرض وأدي جملة الافتتاح اللغوية والحركية ثم تواري ليبقي مع مخرج المصادفات القدرية التي صاغت التحولات اللاحقة، يتدخل مسترسلا في حكاية، أو يغير سياق واقعة، أو ينظم خيوط مصير، وحينما توهج العرض وسيطر الصبي علي منطقة الأداء، تلاشت صورة الأب فيما تبقي من فصول السيرة، ثم التمعت بارقة في إشارة إهداء.

 3- التكوين: السياق والتحولات

علي مدار أعداد متصلة في تسعينيات القرن الماضي، استحدثت مجلة الهلال بابا أسمته »‬التكوين» واستكتبت في إطاره عدداً متميزا من الأدباء والمفكرين والفنانين، كان سؤال المجلة مرتبطا بشكل أساسي بالإطار التأسيسي للعقل والمعرفة، ومتصلا بمصادر التكوين وروافده وسياقاته، ومع تتابع الأعداد تشكلت ما يمكن اعتباره رحلة عقلية متداخلة مع الزمن الاجتماعي والثقافي ومتشابكة مع نسيج الحياة وطموح الإرادة وتحولات المصائر، رحلة لأن الكتابة في مجملها احتفت بالانتقالات الخفية والخطوات المتأرجحة علي حواف وجود قلق، وتقاطرت - أي الكتابة - في ارتشاف عذب لينابيع الوجود والمعرفة مكونة جدارية للعقل المتسائل والمتحاور، وللذات التي امتلكت الاختيار وإن تصادمت مع النتائج المترتبة عليه، وصنعت قدرها الذاتي وإن توقفت قلقة  أمام تحولات عالم في مرحلة خطرة.
في فبراير 1998 أصدرت الدار العتيقة عدداً خاصاً من كتاب  الهلال نشرت فيه تلك الشهادات مجمعة تحت الاسم ذاته : التكوين، مما أتاح نسج صورة كلية لتجارب التأسيس الأولي ومراحل التكوين التدريجي وعلامات السيرة العقلية لتلك المجموعة المتفردة من الكتاب، ولست أريد الآن الاستطراد 
التفصيلي في قراءة تلك الكتابات، فربما يكون ذلك موضعا لكتابة أخري لاحقة، ولكن فقط أورد إشارة مجملة حول التقارب الزمني لحياة الكتاب الذين تواترت شهاداتهم في الكتاب، فمعظمهم كان من مواليد عشرينيات القرن الماضي مع تفاوتات طفيفة في السنين، ومن هنا فإن الأربعينيات وما تلاها بقليل كانت هي التجلي الزمني الأساسي للبناء المعرفي لهم، وكانت هي مسرح الشمس الذي تلاقت عليه الخطي وامتدت خيوط المصائر وتناسجت تجارب التكوين، وهو ما صاغ في مجمله خريطة تقريبية لهذا الزمن الفاصل، ممتزجة بالنسيج الحياني المتشابك، وباللحظات البسيطة في كثافتها الحسية وإيحائها المتواتر وظلالها المترامية، مع تلك الإشارة المجملة، أود إضافة أخري حول فكرة التكوين ذاتها، وأشير هنا إلي أن بعض الكتاب استوقفته الفكرة، فراح يستقصي اقتراح المجلة حول الكتابة عن زمن التكوين وروافده، ومع استقصاء الاقتراح، راح يستكشف السؤال ويستجلي مداه الزمني متوقفا قليلا أمام اختزال التكوين في مرحلة واختصاره في تجربة، وكأنه خيط أحاديّ امتد منغلقا علي ذاته، وبناءات عقلية تشكلت دفعة واحدة متصلة بشكل نهائي، لا صيرورة ممتدة في حياة متحولة.
في سياق تلك الكتابات المتوقفة أمام فكرة التكوين ذاتها، ميز »‬شكري عياد» في استهلاله الأولي لشهادته الكاشفة بين الكتابة عن التكوين وأسلوب السيرة الذاتية، متخذا من »‬الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و»‬التعريف» لابن خلدون نموذجين استرشاديين، ويعني بذلك الكتابة التي لا تحاول استمالة القاريء، الكتابة التي تعرض الوقائع بحياد يصعب احتذاؤه الآن كما يقول ويعبر، لأنها قائمة علي إ خضاع الذاكرة لنظام صارم من التتابعات والانتقاءات المحكمة. ومن هنا يري »‬شكري عياد» أن الكتابة عن التكوين تعني بشكل ما عقلا يفكر في ذاته، أو هي تفكير يستجلي آليات التفكير وشروطها التكوينية، وهو يميز، استناداً علي ذلك، بين إرادتين: إرادة الوجود وإرادة الحياة، فالأولي هي التي تصنع الإنسان فيما ترتبط الثانية بالتتابع الزمني الآلي لوقائع الحياة ومشاهدها، ومن هنا فقد تكون إرادة الحياة مناقضة ومضادة لإرادة الوجود التي تعني، بهذا المعني، إدراك الإنسان لذاته واستكشافه العقلي لشروط مصيره وتحولاته، فيما قد تعني إرادة الحياة، كما أشرت، مجرد التكرار اليومي والتتابع الزمني، وهكذا يكتب عن الوجود لا الحياة باعتبار الوجود تجليا للعقل واستكشافاً للذات العارفة وتراوحا علي الحافة، وهو ما جعله فيما أتصور يختط تسمية »‬العيش علي الحافة» لتكون عنوانا لسيرته الذاتية.
كذلك يتوقف »‬طارق البشري» في قلق شفيف أمام حديث التكوين بما يشي به من خيلاء ذاتي وجذب إلي منطقة الذكريات، وهو يريد أن ينفض غبار الحالتين: الخيلاء والذكري، لا يريد التفكير في عالمه الذاتي لأن ذلك يعني إطالة النظر المستغرق في المرآة عبر استجلاء وهميّ لحياة امتدت علي مدار سنوات وتصورات ومشاعر.
وعلي ذلك يسعي »‬طارق البشري» إلي تجنب انعكاس المرآة بصور الذكريات ومشاهد الزمن القصي، ويفضل فناء الذات، بالتعبير الصوفي، في موضوع خارجي أو عمل حتي ولو كان يدوياً، كذلك لا يريد الانجذاب إلي استهواء الذكريات لأنها إرث الماضي وتجلٍّ لتواريخ متناثرة في ذاكرة مثقلة، نقيضا لذلك، هو يطلب الزمن القادم متعلقا بالآتي ومشدوداً لنداءات خفية تبثها وعود مستقبل لا مواريث قصية، ولكنه في النهاية يسلم باقتراح المجلة وفكرتها عن التكوين باعتباره مساراً زمنيا منفصلا تشكلت فيه خيوط أولي وتأسست بناءات معرفية لما سوف ينمو ويتطور ممتداً وفاعلاً .
يحدد »‬طارق البشري» بمنهجية عقل منظم ثلاث نقلات يتصور أنها كانت بداية التكوين» من لفائف الطفولة المطوية في مشاعر ما قبل التمييز إلي بداية التفاعل مع البيئة المحيطة إلي بداية قراءة الواقع الاجتماعي العام» هكذا جاءت كلماته ذاتها محددة مسارات الكتابة ومستشرفة خيوط التكوين الأولي، ولكن سياق الشهادة جاء مغايرا بدرجة معينة لتلك النقلات الثلاث، فرغم أنه ظل علي تماس مع ما هو وجداني في ذاكرة الطفولة، ومع مناخات الأسرة والمنزل، ومع تفتح الإدراك علي قضايا المجتمع وبنيته المؤسسية، رغم ذلك طاف البشري في استهواء طاغٍ وراء ذكرياته المتفاوحة بالأصوات والمشاهد واللحظات المنسية، متجليا أمام مراياه بأسي شفيف وروح مطوية علي مشاعرها المختبئة، هكذا دون استغراق ذاتي أو خيلاء.
من زاوية مغايرة، يباغتنا »‬ألفريد فرج» كليا، معتبرا أن معرفة الكاتب بكيفيات تكوينه محض إدعاء، فيستهل الشهادة بعبارة دالة بما يعني أن الفنان لا يتكون في المعمل بأخلاط من المواد الكيميائية المختلفة، وإنما يتكون بتأثره غير الملحوظ بظروف حياته ذاتها .
وبهذا يشير ألفريد إلي جدلية خفية من تأثرات وانعكاسات وتراكمات تبثها تيارات شعورية وفكرية غير ملحوظة ، وكذلك إلي توالد حياة قائمة علي مؤثرات تصنعها المصادفات، ولكن الملكات الذاتية لدي الكاتب تلعب دورا أساسياً في تحويل هذه المؤثرات إلي خبرة فنية وقدرة إبداعية وذلك عبر آليتين: القدرة علي الملاحظة، والقدرة علي التعبير.
الملاحظة تتكون وتنمو متوالدة عبر حب الحياة والطبيعة والأيام، وبهذا تتأسس التجربة علي الملاحظة والاستطلاع والشغف، فيما تأتي قدرة التعبير وليدة مناخ أدبي وفكري فاعل ونتاج استكشاف ذاتي للبنية الجمالية في فنون المسرح والتشكيل والموسيقي، وهكذا ينقض »‬ألفريد فرج» إمكانية معرفة الكاتب بتكوينه الذاتي، ويري مشتطا قليلا أن تلك المعرفة المتوهمة ادعاء، متوصلا إلي أن التكوين ليس فعلا إراديا ولا قصديا وليس صيغة مدركة، وإنما هو نتاج ممارسات عفوية ويومية مبنية علي المصادفات والتأثيرات الخفية، ومتنامية عبر ملكتيّ : الملاحظة والتعبير، الملاحظة تؤسس التجربة والمرئيات والمخزون الحياتي، بينما تقوم ملكة التعبير علي التشكيل الجمالي وصياغة المعمار الفني والبنية الدلالية.
وهكذا توقف الكتاب الثلاثة : شكري عياد وطارق البشري وألفريد فرج أمام فكرة التكوين ذاتها وشروطها الحياتية والفكرية في استشراف متباين لعلاقتها بإرادة الوجود والانتقالات الفاصلة والذاكرة المجتلية علي سطوح مرايا متكسرة، والمصادفات المختبئة والتأثيرات التحتية وملكات التعبير المتنامية، ونلاحظ هنا أن توقف الكتاب الثلاثة أمام مفهوم التكوين جاء مجملا وعاما، ولكن الكاتب الذي استقصي المفهوم وتداخل نقديا مع طابعه الزمني وإشكاله المعرفي كان »‬محمود أمين العالم» الذي ابتدأ شهادته بسؤال جذريّ: »‬ هل هناك سنوات محددة للتكوين، سنوات لها بداية ونهاية، أم أن التكوين بداية متجددة ومستأنفة لا تتوقف أبدا، هل هناك حد يبلغ عنده تكوين الإنسان مداه فلا يتعداه»، وفي تلمس أولي لتلك الأسئلة القلقة يتذكر »‬محمود العالم» أنه منذ أكثر من عقود أربعة ترجم موضوعاً في مجلة علم النفس التكاملي يقرر فيه كاتبه أن السنوات الخمس الأولي هي سنوات التكوين النهائي، وأن كل ما يتلوها بعد ذلك من سنوات هو امتداد لجذر تثبت وتفريع عن أصل اكتمل، ويراجع العالم الفكرة المحورية في ترجمته تلك متسائلا: هل هذا صحيح اليوم؟ وتأتي إجابته قاطعة بالنفي، ويستدل علي ذلك بأن ما يشعر به بعد كل هذه السنوات مختتما عامه الأول بعد السبعين هو أنه مازال يتكون، مازال يحتاج إلي مزيد من التجربة والمعرفة، لاتزال تغمره الدهشة ويضويه القلق والتوتر والهوس أمام كل لحظة مختلفة وخبرة جديدة، ويتابع العالم مستطردا ورافضا فكرة التكون النهائي ومحتفيا بالتكون المتجدد والمتصل، فيكتب: »‬لا يزال يشتعل في كياني كله الاستعداد والرغبة في التجدد والتغير والتجاوز لكل ما سبق أن مارسته قبل هذه اللحظة الراهنة في مجالات المعرفة والشعور والعمل»، ولكنه يستدرك بعد ذلك متوقفا أمام الحقيقة الصلبة في حياته الزاخرة، فلا شك أن هناك ملامح لشخصيته قد تحددت بالفعل، وثمة رؤية ثقافية قد تبلورت وإن لم تكن قد استقرت وجمدت بشكل نهائي، ويقترح العالم خروجا من هذا الإشكال اعتبار الحياة مزيجا من الكينونة والصيرورة، من الثبات والتغير، وأن بين الطرفين جدلا حيا ومتصلا لا ينقطع، فالحقيقة - هكذا يقرر العالم- أنه لا نهاية ولا حدود للتكوين وللتجديد والتجاوز في الحياة الفردية وفي التاريخ الإنساني العام، وإلا أصاب هذا التاريخ- الفردي والعام- نوع من التجمد الزمني يترتب عليه فقد تاريخيته ذاتها، أي فقد الحياة حتي وإن استمرت في شكلها الخارجي وظاهرها المتواتر، ولعل هذا هو ما جعله يبصر سنوات حياته المتعاقبة في مراحل مختلفة ومتغايرة من التكوين، فلا يكاد يشعر بالحدود النهائية لكل مرحلة، ولا يكاد يشعر حتي اليوم بتوقفها أو اكتمالها، ولذلك يكتب الشهادة بصوت عال، وفق تعبيراته ذاتها، وبتلقائية ودون إعداد مسبق، ويقول لنفسه قبل القارئ أن حديثه سوف يكون عن سنوات التكوين الأولي وليس عن التكوين بإطلاقه، حيث لن يستطيع هنا أن يغوص فيما هو ثابت ومتغير، وفيما هو موروث وملتبس، وما دار بينهما منذ بداية العمر ولا يزال حتي اليوم من حوار وصراع وتداخل، مكتفيا بأن يحاول نسج بعض الخطوط الدالة وتحديد بعض العلامات الخارجية.
وهكذا يتداخل العالم نقديا مع مفهوم التكوين متوصلا إلي طبيعته المتحولة ومساراته المفتوحة وجدليته الدائمة، فالتكوين ليس انقطاعا زمنيا في صيروات حياتية متتابعة، وليس اكتمالا ذاتيا لمرحلة أو تجربة متناسخة في ذاتها ومنفصلة، وإنها هو- أي التكوين- تجربة يومية وسياق متحول ونسيج حياتي قابل أبدا لخيوط مُضافة.
يتداخل مع ذلك جزئيا ما أورده »‬حافظ محمود» حول التكوين المعرفي الذي يراه هو الآخر- متماساً مع ما توصل إليه محمودالعالم- بنية مفتوحة ومتراسلة مع مكونات مختلفة ومتغيرة، حيث يري »‬حافظ محمود» أن التكوين ليس نتاجا لإرادة ذاتية وإنما هو وليد النظام الفكري السائد في مرحلة معينة، ويستدل علي ذلك بسنوات الأربعينيات وما قبلها بقليل ، حيث الوجود المتعدد والمتفاعل للجمعيات والنوادي والمواسم الثقافية التي كان أكثرها وجوداً وأعمقها تأثيرا في تلك الفترة هو الموسم الثقافي الذي كانت تنظمه جامعة القاهرة أوجامعة فؤاد كما كانت تسمي حينذاك ، يكتب »‬حافظ محمود» معدداً تلك الأنشطة والفعاليات ناسجا صورة متحركة للمناخات الفكرية والثقافية لتلك الفترة مركزا علي تصوره الذاهب إلي أن التكوين ليس منتسبا لإرادة فردية قدر ما هو انعكاس جدلي لمناخات واقع.
> > >
عبر هذا الاستطراد المجمل لتصورات بعض الكتاب الذين كتبوا برؤي مختلفة عن مرحلة التكوين، أعود إلي سيرة »‬حامد عمار» وكتابته عن تكوينه المعرفي المجمل، وألاحظ بشكل أولي أنه لم يتوقف ليسائل الفكرة أو يتحاور حول المفهوم، بل اندفع منذ سطوره الأولي متحدثا عن القرية والأب والكتاب وانتقالاته الدراسية والعقبات المالية والعملية وتحولات المصادفات واجتياز الخطي لعتبات المكان الأول وصولا إلي الحرم الجامعي وامتداداً إلي العوالم المفتوحة، تقبل عمار فكرة أن التكوين صيغة معرفية ثابتة وجاهزة ومكتملة في حيز زمني مغلق،  وكل ما عليه الآن هو استكشاف علاماته الأساسية ومشاهده الحياتية ومواقفه الفاصلة، وهو ما يفرض سؤالاً جوهريا حول ما إذا كان عقل »‬حامد عمار» نقديا متسائلا أم كان عقلا مهنيا وإجرائيا وعمليا، وهو ما يؤدي بدوره إلي سؤال آخر حول نزوعه الإصلاحي التدريجي وتجربته الفكرية القابلة في جوهرها لما هو قائم ومكرس ومهيمن، ففي تصوري- وهذا توصيف أولي ومجمل- أن تجربته الحياتية كانت قائمة علي الإصلاحات المهنية المتدرجة وليس علي التغيير الجذري، ولذك هو دائما ما يتقبل الظواهر ويركز علي جانب نوعي منها فاحصا ومحللا ومقترحا بعد ذلك إجراء إصلاحات كلية أو جزئية عليها، ولعلها طبيعة المهنة ما يمكن أن يعطي تفسيرا لا مبررا لذلك، فمهنة التربية بطبيعتها عمل تدريجي متتابع، متوائم مع النزعات الإصلاحية وليس التحولات الفجائية، وعادة ما ينعكس علي علماء التربية والمشتغلين بها تلك الطبيعة الإصلاحية، فعملهم الأساسي هو استثمار في الزمن وبناء تدريجي للعقل والملكات المكتسبة واستكشاف متعاقب للخبرة والمعرفة.
تشكلت خطوط التكوين الأولي لحامد عمار من خلال النظام التعليمي، حيث وضعت كل مرحلة جذورها المعرفية وتراكمها النوعي وحصادها الأخير في عقل الصبي وذاكرته، ومع التدرج التعليمي حدث تحول موازٍ ومصاحب ابتداء من ساحة الكتاب وحتي مدرج الجامعة، وربما لهذا جاء حرص عمار علي الوصف التفصيلي لسنوات الدراسة ومراحلها وتعاقبها الزمني، وقد أشرت سابقا إلي تنامي ملكات الحفظ والتسميع والترديد التي اكتسبها من كتاب القرية وانكسار آلية الحفظ نسبيا مع الانتقالات المتتابعة في النظام التعليمي، فإلي جانب ملكة الحفظ واختزان المعلومات والمواريث اللغوية والدينية تنامت تدريجيا طاقة السؤال والتحاور والنقد، لم يعد عقل الصبي لوحا حافظا للمقولات والمعرفة المتوارثة، ولم تعد ذاكرته تجليا آليا لما يلقي بها ويسطر من كلمات وآيات وتصورات، وإنما امتدت مساحات واتسعت لنوع من القلق المعرفي والاستقراء الجزئي للقضايا والمفاهيم، تمثلت الانتقالة الفاصلة نسبيا بالحصول علي شهادة البكالوريا وظهور اسمه بين العشرة الأوائل في قوائمها ممَّا كان له وقع عميق علي الأب وعلي القرية بشكل عام، وبدأت خطوات الفتي متهيأة للوصول إلي عتبات الجامعة والالتحاق بكلية الآداب، لأن مصروفاتها عشرون جنيها فيما كانت الحقوق ثلاثين، وكان الفارق المالي في المصروفات كافيا ومبرراً لاختيار الآداب، وقد ساعد علي خطوة الالتحاق الحضورالدائم لتلك الثنائية المتلازمة والمتمثلة في درجات التفوق وشهادة الفقر، تلك الثنائية التي رافقت صاحب السيرة ولازمت خطواته المتعاقبة.
التحق عمار بكلية الآداب واختار قسم التاريخ بها، ولعلنا نذكر هنا الصورة المغوية والآسرة للابن الثاني للأسرة التي كفلته في المرحلة الابتدائية، وكيف كانت صورة المبعوث العائد أستاذا للآثار جاذبة لخيال الصبي ومشكلة بخيوط أولي، خفية وعميقة، خطوط  مصائره الوليدة.
تجلي التحول الأول عبر اصطفاف الطلاب المنظم في المدرج الجامعي، وفي أسلوب الاستماع إلي المحاضرة التي يلقيها أساتذة كبار دون كتاب مقرر ودون الاستناد إلي منهجية الحفظ والتخزين والتسميع، وهكذا انتقل الفتي من حصيرة البوص في الكتاب إلي مقعد في مدرج، ومن حفظ الآيات القرآنية واستعادتها الآلية وتسميعها اليومي إلي استيعاب مواد معرفية متنوعة تشمل علوم اللغة والتاريخ والفلسفة والجغرافيا وغيرها، ومع تلك الانتقالة تحول العقل تدريجيا ليصبح قابلا لتقييم المادة المعرفية لا حافظا لها ومختزنا، فقد بدأ عمار مع زميله في القسم ومجاوره في المدرج »‬عبد المنعم الصاوي» الذي أصبح لاحقا وزيراً للثقافة في السبعينيات، بدأ الاثنان- عمار والصاوي- تقييم بعض العبارات وتثمين بعض الألفاظ والأفكار بين حدين من القيمة المالية، فهذه الكلمة تساوي قرشا، وتلك العبارة تساوي قرشين، وكان الحوار يدور بين الصديقين مُرسلا في حالة الاختلاف في تقدير القيمة، قد يبدو ذلك وكأنه لعبة ضاحكة أو هزر طفولي، ولكنه يتجاوز ذلك يقينا إلي ما يشبه التقييم الذاتي للأفكار والمراجعة المتأملة للمعرفة، وإلي ما يشبه كذلك التدريب اليومي علي وزن الكلمات وتقدير قيمتها النسبية، ومع المدرج ومحاضراته المنتظمة كانت المكتبة التي أعطت الفتي منهجية البحث المستند إلي مراجع متعددة وإجراءات منظمة، ثم كان انفتاح المجال أمام الاختلاط وحضور الفتيات الجامعيات إلي جوارالطلاب في قاعة المحاضرات والمكتبة والمدرجات، شكل ذلك كله مصادر متعددة للمعرفة وكسرا لخطيتها وأحاديتها لدي الجماعة المغلقة التي انحدر منها الفتي وتنقل متصلا الآن بمناخات عالم مغاير، وكون انفتاح المجال العام ليأخذ الفتيات في فضائه مفسحا لهن امتداد المكان وفرص الوجود المشترك. وفيما ينسج »‬حامد عمار» صورة الانتقال تلك، يتوقف أمام الحضور المباغت والسحري للمسرح والموسيقي في عالمه المتكون بشكل تدريجي في تلك الفترة، ويذكر واقعة دالة للدكتور محمد مندور الذي كان يحضر في فترة الظهيرة مُصطحبا لطلابه الجرامافون يدير عليه اسطوانات لموسيقي بيتهوفن وباخ وموتسارت وتشايكوفسكي، بدأ الاستماع استطلاعاً في البداية واستهواءً شكليا للبناءات اللحينة المركبة، ثم مع تتابع الاستماع تكونت ملكة الإدراك لتلك الجداريات الصوتية.
بدأت الحريات العلمية المشاعة في المناخات الجامعية وقتذاك تنعكس علي عقل الفتي المتدرج تكوينا وسؤالا ومعرفة، فيبدأ عمار الذي أصبح شابا الآن في مناقشة أستاذه الذي أشار إلي مراجع متعددة تتناول عام الفيل من منظورات مختلفة ، كانت ملاحظة عمار مندرجة في سؤال استطلاعي ولعله استنكاري حول ضرورة الاستناد إلي مراجع علمية عند الحديث عن حادث تاريخي معروف وموثق يكفي لإثباته الرجوع إلي سيرة ابن هشام، يجاوبه الأستاذ موافقا وإن كان يشير إلي أنه قصد أن يلفت الانتباه إلي الإطلاع علي مراجعه المذكورة، وفي واقعة ثانية يتحدث المحاضر عن رخاء نعمت به مصر في عصر البطالسة، يستوقفه الطالب عمار متسائلا عن أي شريحة اجتماعية أو طبقة كانت تنعم بالرخاء المتوهم، وتأتي استجابة الأستاذ ثناء واتفاقًا، يتباهي »‬حامد عمار» بالواقعتين، الأولي كما هو واضح عن مدي الاحتياج العلمي لمراجع متعددة عند الإشارة إلي حدث تاريخي شائع ومُكرس، والثانية حول رفض الإطلاقية في الحكم والإجمال في التصور، ولعلي أتفق فيما يخص الواقعة الثانية التي تنم عن بداية تكون العقل المنهجي لدي عمار، أما الواقعة الأولي فإنها تشي بهيمنة المعرفة الموروثة إلي درجة اعتبارها مسلمات لا تُنقض وبديهيات لا تُرد، فالحقيقة أن ما اعتبره الطالب وقتها »‬حامد عمار» مسلمة لا تحتاج مراجعة أو إثباتا، وأعني الحدث التاريخي المتمثل في عام الفيل، تحتاج مثل غيرها من الأحداث إلي مراجعة تاريخية وتوثيق علمي، ولعلي أسمح لنفسي قليلا هنا بفتح قوس لاستدراك مجمل ، وأشير إلي تعدد المصادر والروايات حول عام الفيل ومولد الرسول، فكما يكتب »‬ عبد المجيد عابدين» في كتابه الهام »‬بين الحبشة والعرب» الهيئة العامة لقصور الثقافة ٢٠١٥، »‬فإن» العرب يضعون هذه الغزوة في عام 57.م ، ويسمونه عام الفيل، والراجح عندهم أنها السنة التي ولد فيها النبي، ولكن الباحثين يرجعون تاريخها إلي حوالي عام54.م، كما يرجعون استيلاء الفرس علي بلاد اليمن إلي عام 57.م، فيدعون بذلك ما بين الفترة 54. ،و57.م، لحكم يكسوم ومسروق الحبشيين اللذين حكما بعد أبرهة، والعرب أنفسهم لا يجزمون بأن عام الفيل هو عام مولد النبي ، فقد قيل أن هذا العام كان قبل مولد النبي بأربعين عاما ، وقيل بثلاثة وعشرين عاما ، علي أن بعض الباحثين ، كونتي روسيني ، لم يقبل ما ذكرته الرواية العربية عن غزوة الفيل ، فزعم أن القصة قد خلطت أو أدرجت غزوة أبرهة بغزوة أخري قبلها، هي غزوة أفثيل »‬أفيلاس»  في نهاية القرن الثالث الميلادي- ص 65 »‬ وكما هو واضح فقد أوردت هذا الاقتباس المجمل للاستدلال فقط علي انضواء الطالب »‬حامد عمار»  وقتها تحت هيمنة المعرفة الموروثة ، وذلك لأن التواتر الشفهي والجماعي حول واقعة أو حدث تاريخي معين لا يعني ثبوتها الفعلي ، أو علي الأقل لا يلغي تعدد المصادر والروايات حولها ، أتجاوز هذا الاستدراك الجزئي و أغلق قوسه العابر ، وأعود إلي حديث التكوين ونقاطه الفاصلة ، مشيرا ، بشكل مجمل، إلي العلامات الأولي حيث بدأ التكوين المعرفي لدي صاحب السيرة مصاحبا ومتداخلا مع تنامي ملكاته العلمية من حيث التدقيق في الأحكام وفي تقييم المراجع وترجيح الآراء وتفسير العلاقات بين الأحداث استناداً إلي فكرة السياق والمنظورات المتعددة.
غير أن الزاد العلمي والمعرفي الذي تبدي في المدرج والمكتبة والحوارات المتراسلة بينهما، لم يحل دون الانخراط الجزئي في الشواغل السياسية السائدة في الأربعينيات، فقد كانت كليات الجامعة ساحات للمظاهرات المحتدمة والحوارات الحزبية والصراعات المذهبية والاختلافات العقائدية، وكان استشهاد »‬عبد الحكم الجراحي» نقطة فاصلة وحدثا مركزيا في ذاكرة الجيل كله، فلم تخل شهادة تقريبا من تلك الواردة في كتاب  »‬التكوين» من ذكره والتوقف أمام مشهده ودلالاته.
شكلت مرحلة الأربعينيات سياق التكوين الفكري والسياسي لهذا الجيل الذهبي في الثقافة المصرية، فقد تميزت المرحلة كلها بانفتاح المجال العام وزخم التيارات الفكرية المتدافعة في الشارع وأبنية المجتمع الحديثة خاصة الجامعة والنقابات والأحزاب، وكانت جامعة القاهرة أو فؤاد كما كانت تسمي آنذاك هي الخيط الناظم والإطار الجامع لحركة العقل واستشرافه القلق للأفكار والتصورات المنحدرة من المواريث والمتدفقة من تجربة الحداثة الغربية، كانت الجامعة قد بدأت تدرك ذاتها بعد عثرات التأسيس وركام الأزمات المتعاقبة، استوت الجامعة قائمة في حراك اجتماعي متوثب باختيارات قلقة واختمار دفين، وعلي منصاتها يتوافد الأساتذة في اجتلاء علمي وحماية أبوية مبصرة، وعلي مقاعد مدرجاتها يصطف طلاب بمتلكون شغف المعرفة وطاقة السؤال وإرادة التغيير واستشراف المستقبل، وفي مكتباتها تتعدد المصادر والمراجع محتوية علي أصول الأفكار وتاريخها، وعلي جذور التصورات ومناهجها المتعددة، وفي ساحاتها تتلاقي العقول متراسلة ومتحاورة ومتهيأة لالتقاط وعود الأيام الأولي، فيما شعاع البدايات يضوي منبثقا علي ضفاف الزمن الوليد، لم تكن الجامعة وهي تدرك ذاتها باعتبارها مؤسسة حداثية تؤسس قيم التقدم والصياغة المدنية للدولة والمجتمع، لم تكن مكتفية بقاعاتها ومنصاتها وإنما كانت مترامية إلي الشارع والمجال الاجتماعي المتعدد والمفتوح، وبشكل عام، كانت جامعة الأربعينيات هي الأعلي حضوراً والأعمق تجليا للبناء العلمي والمعرفي والحوار الاجتماعي والنظام الإداري المستقل عن سطوة الدولة وهيمنتها الجاثمة والمتباعد تدريجيا عن أبنية المجتمع التقليدية، وهذه حكاية دالة ومختزلة للكثير مما يمكن أن يضاف تأكيداً علي ما ذكرت، يتذكر »‬محمود أمين العالم» في شهادته عن تكوينه المعرفي ويكتب حاكيا »‬ لا أنسي أبدا زيارة قام بها ثلاثتنا، يوسف الشاروني ومصطفي سويف وأنا للدكتور طه حسين، ذهبنا لأقرأ له شعري ويقدم الشاروني حصيلته من القصص ومصطفي سويف عمله العلمي في مجال علم النفس، ولكن طه حسين سرعان ما تحول بنا من هذه الاهتمامات الأدبية والعلمية ليسألنا عن موقفنا من الواقع السياسي السائد، وكانت حركة الإخوان قد أخذت تبرز وتسعي لفرض فكرها وحركتها علي الشارع آنذاك، وكنا بالطبع في الجانب المعارض لهذه الحركة، وقد أحسسنا من طه حسين رضا عن ذلك، ثم فاجأنا بقوله ناقداً لنا بما معناه : »‬إنكم تتبنون أفكارا جيدة، لكنكم لا تعرفون ولا تدرسون التكتيك والاستراتيجية الثورية التي تتيح لكم تحقيق هذه الأفكار» وكما هو واضح، فإن المغزي كامن في الإشارة المباشرة إلي التكتيك الثوري، والدلالة ماثلة في ضرورة التلازم ، الخفي والعميق، بين التصورات النظرية والممارسة العملية ، وقد التقط العالم الإشارة والدلالة اللتين شكلتا ولو بدرجة جزئية إطار حركته المقبلة، ثلاثة طلاب في بواكير التكوين والعمر يذهبون إلي أستاذ كان قد بدأ يتحول تدريجيا من حضور المكانة العلمية والاجتماعية إلي هالة الرمز، يحمل الطلاب الحصاد المبكر من الشعر والقصة والبحث، يتلقي طه حسين النتاج الواعد ويرسل إشارة رضا مزدوج عن الكتابة وعن وعي الافتراق عن مشروع الإخوان الشكلي والزائف، المؤسس للطائفية والمضاد لقيم التقدم، ومع الإشارة تأتي الرسالة، ليست المسألة مقتصرة علي الأفكار الجيدة، وإنما هي تحقيقها عبر الممارسة العملية والانخراط الحر في حركة الشارع والناس، الانخراط هنا ليس عفويا مندرجا في حركة مرسلة وتفاعل وقتي وخارجي، وإنما معرفة بما أسماه الأستاذ الكبير التكتيك والاستراتيجية الثورية ، يضيف العالم بعد استعادته الواقعة الدالة إشارة إلي أثر اللقاء ذاكرا أنهم خرجوا مذهولين بهذا الوعي السياسي العملي، ويضيف في فقرات تالية للحكاية وقائع أخري تشير في مجملها إلي مناخ الأربعينيات القائم علي ثنائية المعرفة والتغيير، يكتب العالم: »‬ في هذه المرحلة جاء أستاذ فرنسي زائر لقسم الفلسفة، وكان أستاذا للمفكر والأديب الفرنسي كامو، ورغم أنني أنذاك كنت قريبا منه فكريا ولكني اختلفت معه كثيرا، ثم جاء بعده أستاذ فرنسي آخر هيجلي النزعة وله كتاب مهم يقوم علي أساس مفهوم النفي ، وقد اقتربت منه خلال فترة كتابتي لرسالتي العلمية التي أصبح مشرفا عليها مع الدكتور يوسف مراد».
> > >
تحفل شهادات التكوين برصد مماثل لما أورده العالم عن أثر الأربعينيات ومجالها المفتوح والمتعدد، ولست أستهدف هنا قطعا الاستقصاء التفصيلي للبناءات المعرفية والاجتماعية لتلك المرحلة، وإنما أكتفي باستدلالات مجملة رصداً للمؤثرات التي تشكل في سياقها عقل »‬حامد عمار» وتكوينه المهني والعلمي، يكتب »‬طارق البشري» ملخصا طبيعة الانتقال محددا ما أسماه الجانب الآخر من الثقافة التقليدية التي كانت مشاعة ومنتشرة بالتفاعل والتناقل الشفهي، يكتب: »‬كانت هناك ثقافة المدينة الحديثة، نجدها في النخب الاجتماعية الجديدة وأساليبها الحديثة في نشر الثقافة والمعارف، والصحافة وما تنقله من صور المجتمع الغربي، والإذاعة والأغاني العاطفية ونغمات الموسيقي الأوروبية، والمسرح وتراجم الأدب، والسينما التي استهوت شباب الأربعينيات بعد الحرب».
ويجمل »‬طارق البشري» باقتدار لغوي واستبصار ذاكرة حافظة ومدركة، صورة الأربعينيات التي يراها نقطة تقاطع مع المكان والزمان اتصالا مع بداية تفتح الإدراك بالجماعة والذات والأمة ، يكتب: »‬لم تكن مصر في هذه الأيام محتلة فقط بمثل ما عرفت من قبل، لأن الاحتلال كان في هذا الوقت في أشد حالات الحركة وكان ذا وجود كثيف، وحركته تضاعف من كثافته، ولم يكن الاحتلال إنجليزيا فقط، بل شارك الإنجليز أصناف وألوان من جند الحلفاء من الأمريكيين والهنود وعسكر جنوب أفريقيا، ولم يكن يخلو شارع منهم» ، ويضيف في فقرة لاحقة : »‬كان خياري الوطني والديمقراطي محسوما، وليس لي في ذلك فضل، ولا دلالة علي ذلك إلا أنني كنت أسير في سياق، وكان السياق يقود المصريين بعامة إلي هذا الخيار» ويستكمل محللا: »‬بعد الحرب كانت كلمة الجلاء تحمل أعذب النغم، علقت بها الشارات علي الصدور،ونسجت علي أشرطة الحداد التي كانت توضع علي الأكمام وهتفت بها مظاهرات، وسقطت تحت وطأتها حكومات وتألفت حكومات، كل هذا معروف ومشتهر، وأثره في التكوين منظور ولكن النقطة التي قد تكون خفية هي أن يتبلور الوعي في ظروف مفارقة تكاد تكون تامة بين المثال المحمول في الصدور وما يجري في الواقع ، وأن تقوم هذه الفجوة الواسعة بين الرجاء وبين الفعل ، وليس الهول في سعة الفجوة ولكن الهول كله في حركة الاتساع والتدابر بين حوافها».
هكذا يسترجع طارق البشري سنوات الأربيعينات الزاخرة ، وإذا أضفنا ما كتب إلي ما ذكره »‬محمود أمين العالم» فإن صورة تقريبية مجمعة بدرجة معينة تتكون لتلك المرحلة سواء من حيث المصادر الفكرية أو جدل التيارات الاجتماعية وتنوع الحقول المعرفية، فضلا عن الاستبصارات الموجهة للحركة والعقل التي يشير بها أساتذة مقتدرون ويقترحها آباء مؤسسون للمدنية الحديثة،  يتخلل ذلك كله ويصاحبه ما أشار إليه »‬طارق البشري» من بزوغ الأدوات والتقنيات الجديدة وشيوعها الخاطف والمؤثر:  الإذاعة والصحافة والمسرح والأغاني والموسيقي الحديثة والسينما، إلي جانب التشكيلات الاجتماعية البازغة والمتمثلة في الأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية المتنامية خاصة الجامعة التي كانت كما أشرت متراسلة مع الحراك الاجتماعي العام ومدركة لذاتها كمؤسسة حداثية قائمة علي الامتلاك المعرفي وتأسيس عتبات التحول والانتقال،  ولعلها كانت اللحظة الذهبية في تاريخ جامعة القاهرة ومداها الاستثنائي وجوهر تجربتها المركبة، علي نحو يجعلنا نعتبرها - بأسي يمتد عميقا ويتكاثف- مرحلة منقطعة لم تتكرر في مراحل أخري ولم تتشابه مع مناخات لاحقة، وهو ما جعل حضورها العلمي والاجتماعي يتخافت ويتواري تدريجيا مفضيا إلي الصورة التي نراها عليها الآن، شاحبة وذاوية.
وفي تصوري فإن الأساسي في جدل الأربعينات وأنساقها المضمرة هو ما أشار إليه »‬طارق البشري» وأسماه بشكل ما سياق الاختيار معتبرا أن الخيارات الجوهرية في وعي هذا الجيل وتجربته كانت محسومة ، ولم يكن هذا الحسم وليد اختيار ذاتي أو إرادة فوقية حاكمة وإنما كان نتاجا حتميا لسياق تحتي فاعل ومهيمن،  ويستدل علي ذلك باستعارة من علم الطبيعة،  فأن يسقط جسم علي الأرض، فهذا لا يحتاج وفق تعبيراته ذاتها للتفتيش عن سبب لأنه إملاء السياق الذي تحدثه الجاذبية في كل الأجسام ، إنما ما يحتاج إلي تفكير وتدبر هو أن يحدث العكس ، هكذا يذهب البشري مقرراً أن قانون السياق الاجتماعي إنما يتماثل مع قانون الطبيعة ومملكتها الجبرية ، وأن ما يُملي الاختيارات الفردية هو ذاته ما يحكم حركة سقوط الأجسام وارتفاعها منضوية في علاقات سببية آلية وخطية حاكمة، وبالقطع فإن ما يستهدفه البشري ليس مبدأ التماثل الحتمي بين قوانين الطبيعة والفعاليات المتغيرة للمجتمع البشري، وإلا كان ذلك شططا معرفيا تنبو عنه العلوم الحديثة وتتجاوزه طبيعتها ومناهجها ، وإنما كان ما يستهدفه هو الاستدلال علي الأثر العميق والخفي لتحولات الأربعينيات وفعلها التكويني المؤسس للاختيارات والمسارات ، وما استعارته لقانون الطبيعة إلا للتأكيد القطعي علي العلاقة الجدلية، المضمرة والفاعلة،  بين الأبنية الاجتماعية وتحولات المصائر واحتمالات الوجود.
 في تلك المناخات المركبة تلقي »‬حامد عمار» تعليمه الجامعي طالبا ممتلكاً أدوات التحصيل ومهارات الحفظ والاستعادة والاستيعاب ومستشرفا بشكل أولي الملكات الأخري القائمة علي منهجية مختلفة يصوغها البحث المنهجي وثقافة النقد والسؤال، غير أني ألاحظ هنا المرور العابر في السيرة علي مرحلة الانتقال إلي الجامعة قياساً إلي منهجية الكتابة بنزوع استقصائي يرصد تفاصيل المراحل التعليمية السابقة،  فسوي الإشارات الخاطفة التي أوردتها عن لعبة تقدير الكلمات والعبارات وتثمينها، وهي اللعبة الضاحكة والمتداولة بينه وبين زميله آنذاك في المدرج والمكتبة »‬عبد المنعم الصاوي»، وسوي افتتانه بالعالم الجامعي والمناخات التي كانت تمر بها القاهرة المطلة علي الفضاء المحيط بها وقتذاك بمعمارها الحديث وحركتها الصاخبة ، سوي ذلك ترد عبارات مجملة عن انبهاره بجزالة لفظ الزيات وإيقاعاته وسلاسة طه حسين وثقافته العريقة والعميقة وكذلك وضوح أحمد أمين ووهج صياغاته وتشبيهاته ، فضلا عن غيرهم من الكتاب الذين يذكر أسماءهم تباعاً مصحوبة بوصف كلي وانطباعي لأعمالهم،  يتبع ذلك رصد عام للأجواء العلمية والاجتماعية يورده »‬حامد عمار» وكأنه استطراد جانبي أو حاشية تشغل هامشا نائيا في الذاكرة ، فيذكر أن العملية الدراسية لم تحل شواغلها وأنشطتها عن المشاركة في صخب الحياة السياسية وتموجاتها ، حيث احتدمت المظاهرات في الحرم الجامعي وخارجه،  ويجمل »‬حامد عمار» مازجا بين انخراطه في الحياة العامة وانتهائه من التعليم الجامعي وانتقاله إلي معهد التربية للمعلمين فيكتب متذكرا ومجملا: »‬أثري ثقافتي السياسية ما عايشته من خبرة مع معظم الأحزاب والجماعات السياسية في فترة الجامعة، خصوصا بعد أن تلاطمت أمواجها مع قيام الحرب العالمية الثانية،  ومع انتهاء المرحلة الجامعية يقودنا الطريق إلي معهد التربية للمعلمين ضمانا للتوظف ، فإذا بنا نصل إلي آفاق معرفية جديدة في علوم التربية وعلم النفس ، وقد استقرت تلك العلوم وأصبحت لها قيمتها حين تحول المعهد إلي كلية ثم كليات التربية في الجامعات المصرية». بعد تلك اللمحة المجملة وعبر استعراضه المتتابع لخيوط تكوينه العقلي،  يعود »‬حامد عمار» إلي منهجه القائم علي الوصف التفصيلي خاصة لما أسماه »‬سياقات الفكر وشواغله» ، وهي السياقات والشواغل التي خصص لها الحكاية التاسعة عشر من حكاياته الأربع والعشرين، الحكاية ترصد المنطلقات والحصاد في مسيرته العقلية في استشراف صاف للنمو المتدرج الذي يكاد أن يكون عضويا مرتبطا بالطبيعة أكثر وأعمق من اتصاله بالواقع الاجتماعي ، وأعني النمو البادئ من أسس ومنطلقات فكرية وحياتية غرستها البيئة وأحاطتها التجارب المتعاقبة وأمدتها بعناصر البقاء ومواد التجدد ، وكأن الوجود البشري ابتداءً وامتداداً، بقاءً وتطورا،  شبيه بغرس نباتي ينشأ من الحبة المبذورة في التربة والمتفرعة في الجذور والممتدة بعد ذلك ثماراً وخضاراً وارفا وحصاداً، استعارة النبات وتمثيلها للحياة الفردية ليست صيغة مجازية أستهدف منها التقريب والتشبيه ، وإنما هي حرفيا الصورة التي استهلت بها السيرة رصد علامات التكوين الأولي،  يكتب عمار »‬أحسب أن التنشئة  الريفية وسط أجواء الزرع قد أودعت في مخابئ اللاشعور وما يسمي بالعقل الباطن الإحساس النابض بعملية النمو ، سواء في عالم النبات أو الحيوان ، أرقب الحبة تبذر فتنطلق من التربة نبتة لا تنفك من الظهور مشترطة تغذيتها بالماء والسماد ،والتنظيف ممَّا قد لوثها من الآفات أو اعتدي عليها من الحشرات ،  ومع التربة الصالحة ومداومة الرعاية تستمر الحبة في النمو مع الجهد البشري الذي يتكفلها». وتستهوي الاستعارة حامد عمار كاشفة عن علامات التماثل بين الوجودين: البشري والنباتي،  فيمضي في الكتابة مستغرقا في المجازات مستدعيا من المواريث القولية مقولات متضادة يستدل بها علي تشابه الكائنات : »‬ نمو الحبة لا يتم عفوا أو تلقائيا كما في مقوله: يبذر الحب ويرجو الثمار من الرب،  بل يصدق عليها قول الصوفي: إن لله عباداً إذا أرادوا أراد ، ولقد كانت سعادتي تتجلي وأنا أري الحبة تنفلق من تربة الحقل ، وكذلك الإحساس بالوليد من البعير،  وما أزال حتي اليوم مسحوراً بانفلاق الحبة في حديقتي وبصغار القطط تلتف حول أمها تتبعها أينما ذهبت» ، ويتماهي عمار مع ظاهرة النمو الطبيعية وشروطها: »‬تربة أسرية صالحة وقابلة بخيالها لشروط النماء كلما استطاعت،  ومعها تولدت الرغبة في الوجود والارتقاء محاطة بحوافز دافعة ومصحوبة بتضحيات تستحث الطاقة البشرية وصولاً لحصاد مأمول» ، ويتوصل عمار بعد استعارته للنمو العضوي إلي استخلاصات محكمة يجمل بها تجربته الحياتية وتقاطعاتها الفاصلة ، متداخلا مع استعارة البذرة والتربة والنماء الطبيعي المشروط بالمناخ الملائم والمصاحب لإرادة الارتقاء ، وهو ما أورد ت الفقرات الدالة عليه من السيرة: نصا ولغة ودلالة وشعوراً متكاثفا بالتماثل العضوي بين الطبيعة والواقع يمتلأ به صاحب السيرة وينسجه علي الأوراق ، هكذا ببساطة وإيحاء.
ومثلما استعار الطبيعة ليدل علي النماء المتداخل،  مستخلصا صورة للتنشئة الاجتماعية متماسة مع استواء النبات منبثقا من البذور الدفينة متفرعاً في الأرض الحية،  يصوغ كذلك تشابها مماثلا بين تطوره الذاتي ومراحل التقدم البشري في مجملها ذاهبا إلي أن طاقاته الفكرية وخبراته الحياتية التي تفتحت عبر مراحل متدرجة تكاد تلتقي مع تطور الحضارة وارتقائها،  يكتب في صياغات مجملة وكاشفة عن تحولاته المتداخلة والمتتابعة : »‬ارتقيت  بما يشبه الحياة البدائية المغلقة بثقافتها وقبليتها إلي حياة العمران الحضري في مدنه الصغيرة فالكبيرة فالأكبر، ومن أجوائها إلي آفاق ثقافية مغايرة وصولاً في النهاية إلي مستويات التعامل علي الصعيد الدولي والعالمي، ومع ذلك كله تراكمت وتفاعلت الأفكار والمعاني والقيم حول الضفيرة الحياتية... ، وغدا فكري صنيعة ثقافات متعددة ، كما حاول جاهداً أن يكون فاعلا صانعا فيها، كذلك شهدت مسيرتي الحياتية لحظات تاريخية مفصلية في الفكر والنظم المجتمعية،  فكل عصر يولد معرفة جديدة ، ومن بين تلك اللحظات فترة التحاقي بالجامعة في أواخر الثلاثينيات امتداداً لنهاية الحرب العالمية الثانية ، ومن هنا انطلق العقل من الجمود والمسلمات والحفظ والالتزام بالنصوص إلي حرية الفكر والتأثر ببدايات الحركة الليبرالية ومفاهيم الوطنية والاستقلال،... وتأتي الصدمة الثقافية في الذهاب إلي إنجلترا والحياة في جامعة لندن، وكانت السنوات الخمس التي قضيتها فيها أعنف وأقوي المؤثرات تأملا وتجربة وانطلاقا.. وفي مصر أعود لألتقي مع ثورة يوليو بتغيراتها الراديكالية وحروبها، وما تمخضت عنه من تطلع لبناء مجتمع اشتراكي جديد،  وأعقبها تحول رأسمالي وانفتاح نحو السوق.. ومع التحول تقوم العولمة وما صاحبها من ثورات علمية واتصالية وتربوية».
بهذه الاستخلاصات المجملة لسيرته الحياتية وتجربته الفكرية والمهنية، والتي آثرت إيرادها بتحويرات معينة للاستدلال علي خطه الحياتي العام كما يراه ويتصوره الآن بلغته ذاتها مجملا عبر مرآة عاكسة وذاكرة حافظة وانتقائية، حيث يرصد عمار السياقات والتجربة ، المنطلقات والآثار الناجمة عنها ، مستعيرا كما أشرت عمليات النماء والتطور في الطبيعة ويقابلها بآليات النشوء والتحول في الواقع الاجتماعي ، ثم يتوقف قليلا أمام ما أسماه الشواغل والحصاد، فاحصا بتأمل ذاتي آليات اشتغاله العقلي رافضا المنهج الامبيريقي الوضعي في البحوث التربوية، معتبرا أنه منهج اختزالي قائم علي ظواهر القضايا وليس حقائقها، وعلي تجزئتها ورؤيتها باعتبارها قائمة بذاتها ومنفصلة وليست مندرجة في منظور تاريخي وامتداد اجتماعي،  ولهذا يري أن معظم البحوث التربوية الوصفية مفتقده للرؤية العلمية والتفكير النقدي، الاجتماعي والتاريخي، يغلب عليها المنطق الأرسطي وتوهم الموضوعية ، مشكلاتها ساكنة وباردة، رغم أنها في قلب الحراك الاجتماعي والتفاعلات المصاحبة له ، ومع نقده الجذري للمناهج الوضعية ،  يهدف »‬حامد عمار» إلي التجديد في المفاهيم والصياغة استناداً إلي المنهجية النقدية الاجتماعية التي توصل لها واتخذها أساساً لعمله العلمي وحركته المتحاورة مع قضايا التربية ومؤسساتها ونظمها وإجراءاتها الحاكمة،  وهكذا يستحدث عمار مفاهيم ومصطلحات بديلة لما هو شائع ومتواتر،  ويورد أمثلة استدلالية علي ذلك،  فهو قد أحل وصف المعلم علي أنه طاقة محركة بدلا من كونه حجر الزواية ، ومفهوم الشجرة التعليمية بدلا من السلم التعليمي، وتعبير شواغل البحث بدلا من مشكلة البحث ، وفي استحداثاته لتلك المفاهيم والمصطلحات ، استعار مفهوم البنية الأساسية للإشارة إلي أرض المدرسة ومبانيها وتجهيزاتها ، كما اقترح معادلة ما تنميه الجامعة في خريجيها واعتبارها تنمية بمتوالية حسابية في القدرات الإنتاجية، وهندسية في  الطموحات الاستهلاكية ، كذلك استهوته جملة الاقتضاءات التعليمية بدلا من المطالب ، واستخدم لأول مرة تعبير المجتمع المعلم ،حيث أن كل مؤسساته وتفاعلاته قوي معلمة »‬الأسرة، الإعلام، موقع العمل.. وغيرها»، وقد اتسع هذا المفهوم ليظهر معه تعبير المجتمع المتعلم: كذلك استخدم عمار وتوسع في شرح مفهوم اجتماعيات المعرفة في كتابه »‬دارسة المجتمع: حدودها وقيودها» مستعينا بكتاب كارل بوبر »‬المجتمع المغلق، سحر أفلاطون وهيبته» ناقدًا مفاهيم أفلاطون ومجتمعه الترابي المغلق الثابت الذي صاغة في »‬الجمهورية» وقد استخدم عمار مفهوم اجتماعيات المعرفة في مقال هام بعنوان »‬اختبارات الذكاء، دعوة لمراجعة فروضها» وهو المقال الذي يتشكك فيه في مصداقية اختبارات الذكاء وتحيزاتها الطبقية باسم العلم والموضوعية.
وهكذا عبر تلك المقتطفات التي أوردتها استدلالا علي ما اعتبره »‬حامد عمار» شواغل السياق وحصاد التكوين،  نلاحظ نقده الجذري للمنهج الوصفي في تفكيك الظواهر ودراستها كوحدات منفصلة لا تاريخ لها أو ارتباط بعوامل أخري، ويعتبر عمار أن الاقتصار علي التحليل الإحصائي يفتقد الرؤية الكلية الجدلية المترابطة علي المستويين الاجتماعي والمعرفي ، وهو في حركته العقلية والعملية يستحدث مفاهيم ويصك عبارات كما أشرت سابقا،  ويقوم بلعبة استبدالات وكأنه يستوحي لعبته القديمة مع زميل المدرج »‬عبد المنعم الصاوي» حينما كانا يزنان الجمل ويقدران العبارات ويضيفان لكل منها قيمة مالية تقابلها.
غير أن اعتناء »‬حامد عمار» بالجانب العملي والإجرائي في البناء المعرفي أكثر عمقا وأكثف امتداداً من اهتمامه بما هو نظري ومجرد ، فقد أورد واقعة دالة خلال عمله في المركز الدولي للتربية الأساسية في قرية »‬سرس الليان»، حيث دار حوار أورده عمار تفصيليا بين خبيرة أجنبية في اختصاص الإرشاد المنزلي والأسري وشيخ من أهل القرية،  وعبر تسجيله للحوار الدائر الذي ينم عن خبرة الشيخ العملية العميقة والمقتدرة واندارج الخبيرة في إطار تصوري عام ، نظري ومجرد، عبر استشرافه للحوار وتداخله في مقاطع فاصلة منه ، يبدي عمار إعجابه الخفي بردود الشيخ وأسئلته وتعقيباته، وبالمنطق الذي يحلل به المفاهيم المجردة التي سيطرت علي مداخلات الخبيرة الدولية،  ويستخلص في النهاية الدلالة التربوية المتمثلة في أن التعلم والتغيير عن طريق الإرشاد الفوقي والمقابلات الإجرائية والمحاضرات النظرية لا يتعديان السطوح البارقة علي الركامات المتناثرة في الواقع الاجتماعي ، وأن هذا الأسلوب لا يغني إلا إذا ارتبط بالحاجات والوسائل والإمكانات المادية، مبلوراً قلقه المعرفي في سؤال كاشف وفاصل: من يرشد من ؟