رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

هوامش ثقافية:السفر إلي ممالك الخيال


د. محمد الشحات
12/2/2017 10:25:17 AM

يأتي هذ الكتاب الأخير "السفر في ممالك الخيال" ملامح وأصوات في الرواية العربية»‬، الصادر عن "كتاب الهلال" عام 2016، للقاصّة والناقدة المصرية اعتدال عثمان بعد مجموعتين قصصيتين ؛ هما »وشم الشمس» و»‬يونس البحر»، وكتاب نقدي بعنوان "إضاءة النص: قراءة في الشعر العربي الحديث" ليسدّ ثغرة في ممارسة النقد التطبيقي، أو النقد النصوصي العربي علي الرغم من كون عنوانه أقرب كثيرا إلي العناوين الإبداعية. من جهة أخري، يصدر هذا الكتاب اتساقًا مع تغيّر مفهوم النقد المعاصر، سواء في ممارساته أو تنظيراته الراهنة التي تستجيب كثيرا لأرواح النصوص وما تنطوي عليه من إشارات وتنبيهات، حيث يقترب الكتاب كثيرا في تناولاته النقدية من الطريقة التي كان يتعامل بها النقَّاد المبدعون أو المبدعون النقَّاد مع النقد، من قبيل يحيي حقي ولويس عوض وشكري عيّاد وإدوار الخراط .. وغيرهم. وفي ظنّي، يملأ مثل هذا النوع من الكتب فجوة كبري تقع في المنطقة البينيّة الكائنة بين خطاب النقد الأكاديمي، النخبوي، المدرسي، وخطاب النقد الصحافي، اليومي، الاستهلاكي، المتعجّل في إطلاق الأحكام والتقييمات والتأويلات. ينظر كتاب "السفر إلي ممالك الخيال" -وليس "السفر في ممالك الخيال"- إلي النقد الأدبي من زاويتين معرفيتين متناغمتين؛ تتمثل أولاهما في النظر إلي النقد بوصفه مركبة للتحليل والتأويل من أجل تحريك أو تحفيز وعي القارئ العربي. وتهدف ثانيتهما إلي تجاوز فجوة "التغريب" التي خلقها، أو خلّفها، طبقات من النقد الأكاديمي الجاف الذي اصطدم بذائقة الجمهور العربي العام منذ الربع الأخير من القرن العشرين.
ولعلّ من يقرأ كتاب "السفر إلي ممالك الخيال" يستطيع إدراك الخلفيات المعرفية للكتاب، حيث تمتلك المؤلفة وعيًا حادّا يقوم علي تحفيز مفهوم الجمال في اختيار وتحليل النصوص الروائية العربية المنتقاة بوصفها عيّنة للدراسة. فمن حيث الشكل، يتكوّن الكتاب من بابين؛ أولهما هو "في تحولات الرواية العربية"، ويضمّ خمسة فصول هي: "فلسطين في المخيال الروائي"، "الرواية العربية وملحمة البحث عن الهوية""، "الذاكرة الثقافية بين التفكيك والتركيب: قراءة في روايات مصرية حديثة"، "رواية العمارة وعمارة الرواية: قراءة في نصوص مصرية"، "تجارب إماراتية شابة في الرواية: الكتابة علي الحدود المراوغة بين الواقع والخيال". أما ثاني البابين "أصوات وملامح" فيتكوّن من ستة فصول هي: "النهايات وسؤال البدايات"، "الخصوصية السحرية في روايات إبراهيم الكوني"، "البحث عن وليد مسعود"، "سؤال الهوية في رواية مراتيج"، "بثينة خضر مكي.. روح المكان"، "المفارقة الساخرة في رواية" "العربة الذهبية لا تصعد إلي السماء".
ليس كتاب اعتدال عثمان "السفر إلي ممالك الخيال" وليد زمكان واحد، سواء من حيث قصدية الكتابة أو مرجعيات المؤلفة، بل هو كتاب تشكّلت فصوله وأبوابه عبر فترات وسياقات متباعدة في الزمان والمكان، وعن كتّاب عرب مختلفي الثقافة والمرجعية والذائقة الأدبية، حيث يغلب علي الباب الأول خطاب نظري استطاع أن يشتغل علي عدد من المفاهيم كالمخيال والهوية والذاكرة الثقافية والعلاقة بين هندسة العمارة وفن الرواية، أما الباب الثاني فقد انشغل بتقديم قراءات نقدية تحليلية (رأسية)، تنهض بالأساس علي استقراء نصوص بعينها تمّ التركيز عليها وانتقاؤها من مدوّنة الرواية العربية بعناية ملحوظة. يكمن خلف صفحات هذا الكتاب الذي ينتمي إلي حقل النقد التطبيقي أكثر من النظري جهاز مفاهيمي تستعين الناقدة في رفده بعدد كبير من الروافد الثقافية المتنوعة، من تاريخ النقد وإستراتيجيات الأنواع الأدبية وتحليل السياقات الاجتماعية الموازية للتحوّلات المفصلية التي مرت بها الرواية العربية الحديثة،.. وغير ذلك من روافد متداخلة تطلق عليها الناقدة اسم "سبيكة الناقد". لذا، فليس من الغريب أن تتحدث المؤلفة في مقدمة كتابها عن "النقد بوصفه عملية إبداعية"، كأنها تستدعي بعض النقّاد الكبار ممّن ذكرناهم آنفًا. تتعدّد مرجعيات المؤلفة ما بين مرجعيات عدّة؛ أولاها مرجعيات بنيوية (تستعين فيها بمصادر جيرار جيينيت والسرديين البنيويين، وخصوصا في موضوع العتبات النصية)، وثانيتها مرجعيات اجتماعية (تتمثل في استدعاء التوازن القديم بين المقاربة الشكلية والمقاربة المضمونية، فضلا عن انشغالها بمقاربة مفهوم الهوية في تحولاته المفصلية بموازاة تحولات المجتمع العربي، خصوصا في الفصل الخاص بإعادة إنتاج صورة فلسطين السردية)، وثالثتها مرجعيات تتصل بمنظور القيم (كما في تناولها لروايات "النهايات" لعبد الرحمن منيف، وخصوصا تحليلها المعمّق لشخصية عساف)، ورابعتها مرجعيات تتصل بالنقد الفني التشكيلي (كما تمثّل في تناولها موضوعة الفضاء والأبعاد المعمارية للرواية ورصد الموازيات الهندسية بينهما).
يُعلن هذا الكتاب نفوره من الانغماس في الخطاب النقدي الأكاديمي، بحيث انتقت مؤلفته عددا كبيرا من الروايات العربية المهمّة، لا لجمالياتها فحسب، بل لأنها تنطوي علي تمثيلات ثقافية ومعرفية، من قبيل قضايا الهوية، تحفيز القضية الفلسطينية في الذاكرة العربية من خلال تحليل بعض مروياتها، الانتصار لقضايا المرأة عبر تحليل سردياتها، وغير ذلك من قضايا اتّكات عليها المؤلفة من أجل طرح تساؤلاتها حول جدوي النقد والإبداع في حياتنا المعاصرة المتخمة بالقلق وصرع الهويات واللايقين.هذا كتاب مهمّ بالنسبة إلي القارئ العام، قبل المتخصّص، في كونه يسدّ ثغرة أحدثها خطاب نقدي عربي أو نخبوي تغريبي لسنوات ليست بالقليلة؛ وذلك بهدف جعل النقد ممارسة ومساءلة ثقافية، جنبا إلي جنب كونه ممارسة ولعبة جمالية أيضا.