رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

السفينة الخامسة:رواية التفاصيل غير المملة


إنجي همام
12/2/2017 10:29:44 AM

عن »ياركا»‬ تلك الصغيرة التي  عاشت حياة أهون ما توصف بأنها حياة غير مستقرة برفقة أم لا مبالية تحيا حياة بوهيمية، وجدة مريضة غريبة الأطوار، تعودت »‬ياركا» أو هكذا فرضت عليها الحياة منذ صغرها أن تكون شخصا مسئولا -لا طفلة- بداية عن نفسه وفي  الكثير من الأحيان عمن هم أكبر منه سنا، من هذه البدايات تأخذنا معها الكاتبة في  رحلتها شديدة الخصوصية التي  لا تتكرر بنفس الشكل إلا فيما ندر، فياركا التي  تعشق الطبيعة وتتمرغ فيها رغبة في  الاتحاد بها ترتحل ببعض الصغار الذين قررت وضعهم تحت مسئوليتها لتخوض تجربة الاستقلال الكامل والأمومة المبكرة.
إن مونيكا كومبانيكوفا المولعة بالتفاصيل والإيغال في  صميم الأشياء الصغيرة تجعلك تلتصق بالبطلة تضع أذنيك قريبا جدا منها حتي تسمع صوت روحها، فتجعلك تري بعينيها عالماً صغيرا ذا قوام خاص، عالماً عرف كيف يختار مفرداته بدقة حيث لا يضيع في  العالم الكبير الضخم المفرط القسوة.
فياركا التي  كانت تعيش في  كنف امرأتين ــ كما هو ظاهر- لم تجد أي  أمومة تذكر لدي  أي  منهما فالكبري حطمت الوسطي وكلاهما آذي الصغري أشد الأذي، لذا كسرت ياركا القاعدة الشهيرة »‬فاقد الشيء لا يعطيه» وقررت العطاء حتي النخاع.
ذلك العطاء الذي لم يطلبه منها أحد ولكنها قررت ضرب المثل للعالم، فرصة غريبة واتتها لتصبح أما صغيرة لرضيعين في  المهد تركتهما أمهما بصحبتها في  محطة القطار ولم تعد، في  بيت جدتها الصغير في  تلك المنطقة الريفية علي تخوم مدينتها صنعت ياركا عالما مختلفا، عالما صاغته كما أرادت أن يكون العالم.
تأخذنا الرواية الواقعة في حوالي 280 صفحة من القطع المتوسط لتفاصيل التفاصيل عن الحياة اليومية لياركا الصغيرة وإطلالة ما علي ياركا الشابة، حياة المشردين في  الأماكن الغريبة كالسكن في  صالون حلاقة أو مشاركة بعض طلبة الفنون بيت قذر، هذا ما كانت تستطيعه معها »‬لوتسيا» تلك الأم نصف الحية نصف الميتة، ثم الحياة ببيت الجدة »‬إيرينا» تلك المريضة المسنة غريبة الأطوار المصابة بالوسواس الذي  جعلها تشك في أقرب الناس ابنتها وحفيدتها.
وتلك الأوامر الصارمة التي  كانت تفرضها عليهن طيلة الوقت، أما عن البيئة المحيطة ففي  هذا المجمع السكني  كانت تقطن الكثير من العائلات، آباء وأمهات وأبناء، أما ياركا الصغيرة الوحيدة كل هذه الوحدة الموحشة كانت تجد العزاء في  الحرية، حرية ألا تُجبر علي شيء مثل من هن في  عمرها.
فقد كانت تواسي  نفسها بتلك الحرية الكبيرة، أما »‬كرستيان» الصغير جار ياركا فكان نموذجا عكسيا تماما لكل ما كانت تعيشه هذه الطفلة، فوالدته التي  كانت علي طرف نقيض من »‬لوتسيا» كانت تصيغ له حياته بالكامل من أصغر التفاصيل لأكبرها، حتي أنها كانت تنوب عنه في  تحديد شعوره بالجوع والعطش والنعاس، وبالطبع اختيار كتبه وملابسه ونوع طعامه.
عالمان متناقضان لطفل وطفلة أصبحا بين عشية وضحاها أماً و أباً لرضيعين، عالمين امتزجا وعاشا معا هموم الحياة اليومية الصغيرة، أصبح الرضيعان هما عالمهما الوحيد، طعامهما وحالتهما الصحية المتقلبة - ككل الرضع ــ مفاجآت الطبيعة في  كوخ بعيد التي  تؤثر عليهم جميعا، الرياح والمطر والبرد وكوخ صغير معدم علي أطراف المدينة، ملامح عالم عادي  جدا بالنسبة للجميع أو بمعني أدق للكبار.
تفاصيل يومية صغيرة دقيقة يمر بها الجميع في  كل يوم، كيف استقبلها وتعامل معها هؤلاء الصغار، كيف تحملا مسئولية غيرهما في  الوقت الذي  كان ينبغي أن يكونا هما تحت مسئولية الآخرين، تلف وتدور في  هذا العالم اليومي تراقب الطبيعة البشرية والطبيعة الأم، كيف واجها مشكلات العالم الصغيرة كيف نجحا في  تدبر الأمور.
كيف تعاملت ياركا مع كرستيان المدلل، كيف استطاعت استخراج رجولته كما استدعت أمومتها، تجربة إنسانية مثيرة، لا تأخذنا لمناطق الإثارة الحسية أو عالم المغامرات ولكنها إثارة من نوع آخر، تدور في  عوالم الطفولة البعيدة، تتحدث عن كوامن الماضي  في  نفس شابة تعتز بتجربتها التي  لامها عليها الجميع، أولئك الكبار الذين لا يملكون أكثر من اللوم دوما.
علي الرغم من هذا العالم الصغير بسذاجته وبراءته وكذلك علي الرغم من تلك التفاصيل اليومية العادية الكثيرة إلا أنك لا تمل أبدا من متابعة أحداث تلك الرواية الشيقة، التي  تأخذك لمناطق إنسانية شديدة التفرد وتشاركك عالما خصبا بالمشاعر والأحاسيس المتضاربة، إنها رواية عن الحياة الحقة، رواية عن نفس الإنسان في  أبسط صورها بعيدا عن وقريبا من كل تعقيدات العالم!!
> > >
ولدت مونيكا كومبانيكوفا بمدينة »‬بوفاشسكا بيستريتساس شمال غرب سلوفاكيا عام 1979، وأنها درست الفنون الجميلة، وقد صدر لها أكثر من مجموعة قصصية منها زمكان للوحدة» و »‬أماكن بيضاء» و»‬أماكن فارغة» وقد حصلت علي العديد من الجوائز الأدبية الهامة بسلوفاكيا أهمها جائزة »‬آنا سوفا ليترا» أهم جائزة أدبية بسلوفاكيا.
> > >
صدرت الرواية عن دار صفصافة للنشر والتوزيع عام 2014 كما تُرجمت للعديد من اللغات. وترجمها للغة العربية خالد البلتاجي  عن السلوفاكية مباشرةً، كما حُوِّلت إلي  فيلم روائي  بعنوان »‬مأوي صغير» من إخراج: إيفيتا جروفوفا وسيناريو: ماريك ليششاك، إيفيتا جروفوفا إنتاج: كاتارينا كرناتشوفا، إيفيتا جروفوفا، يجي  جوناتشي  وبطولة  فانيسا شامبوهوليوفا، ماتوش باتشيشين، كاتارينا كامنسوفا، يوهانا تيساروف وقد فاز بجائزة أفضل فيلم بمسابقة قسم أجيال بمهرجان برلين السينمائي  الدولي  عام 2016، وعُرِض الفيلم بمهرجان القاهرة السينمائي  في  دورته الحالية.