رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

معرض مالطا للكتاب:نِتاجُ الثورة الأدبيّة تجربة نشر متمرِّدة.. في مِصر


الناشر أحمد سعيد مع مدير المعرض مارك كاميلياري والسفيرة الفرنسية بياتريس دوهيلين والروائى جيلبرت سينويه

الناشر أحمد سعيد مع مدير المعرض مارك كاميلياري والسفيرة الفرنسية بياتريس دوهيلين والروائى جيلبرت سينويه

رامونا دِيبّارِس ترجمة: باسم محمود
12/2/2017 10:33:13 AM


يُعايشُ الفنّانون في العمومِ أوقاتًا عصيبةً لأجل أن يجعلوا أصواتَهم مسموعةً في بلدان الشرق الأوسط دون المخاطرة بالتعرُّض للانتقاد القانوني. عندما تكون كاتبًا مُتمرِّدًا في أعقاب ثورات الربيع، بمصر، فالصعوبةُ تصيرُ أكثرَ وضوحًا.
أحمد سعيد عبد المنعم, أحدُ ضيوف معرض مالطا للكتاب هذا العام، هو فنانٌ وناشِطٌ من هذا النوع, ناشرٌ في عصر الثورة.
علاوةً علي أنّه، واحدٌ  مِمَّن شهِدَ مَسرح التغيُّرات السياسيّة والإبداعيَّة التي تُميِّزُ مِصر. يتذكَّر أنَّ بدايةَ ولُوجِهِ إلي عالَم الأدب، كانت من خلال القراءة، عبر أعمال نوال السعداوي.
"كتابَتُها فتحت ليَ البابَ علي عالَم الأدب. أتذكَّرُ قراءَتي لقصَّةٍ قصيرةٍ لها منشورة في (أخبار الأدب)، والتي تُعَدُّ أهمَّ دوريَّةٍ من بين الدوريات الصَّحافيّة العربيّة وقتها، قررتُ ألّا أُفوِّتَ إصدارًا من هذه الصحيفة الأسبوعيّة.
من خلال ذلك، صِرتُ أعرف أصواتًا أدبيّة غير التي أعرف, وترجمات لكُتّابٍ حول العالم. وبهذا وُلِد شغفي بالأدب"، هكذا يتذكّر.
يصفُ كيف أنّ المشهدَ الأدبيَّ في مِصر شديد الاصطخاب والزّخم. فمنذ عام 2000، ظهر جيلٌ جديدٌ من القُرَّاء, وهو كما يصِفه "جيلٌ مُشَتَّت"، و"لا يمثِّل مدرسة ما أو اتجاها ما". "لم يكونوا يفرِّقون بين الكتب الأكثر مبيعًا (البست سيلر) والأعمال الأدبية التي تتحدَّثُ عن الموضوعات الثقافيَّة والفلسفيّة، التي تنقِّبُ عميقًا في القضايا الإنسانيّة. ثمّةَ مواضيع غيرُ مُرحَّبٍ بالحديث عنها من جانب جمهور القرّاء السَّطحيين". هكذا يخبرني.
يصف كيف أنّه، حتّي المحرِّرون الثقافيون والصَّحافيُّون، في كِلتا الصحافة الحكوميّة والخاصّة، مُتحيِّزون. "معظمهم يهتمّ بدَعْمِ شِلَلِهمش الخاصّة".
"إلّا أنّ المفاجأة كانت أنّ تلك الأشياء السلبيَّة »لم توقف تدفق»‬ الكتابات الجيَّدةِ بحقّ من قِبل هؤلاء الذين ما يزالون يهتمّون (بالإبداع والفن). وهي كتاباتٌ أنا سعيدٌ بنَشرِها. فمنذُ البداية، اخترتُ التّوجّه المتمرِّد علي كلِّ شيء- سواءٌ كان هذا علي مستوي اللغة، التقنيّات، القضايا، التابوهات أو علي مستوي الجماهير".
يقول أحمد إنّه يختار الإبقاءَ علي إصداراتِه السنويّة قليلةَ العدد، نحو خمسةٍ وسبعين إصدارًا في العام، قاصِرًا إيّاها علي الأعمال التي تُرضي ذائقته الشَّخصيّة. الآن، بعد نحو) خمسة أعوام (من العمل في هذا المجال، تزايدَ أعدادُ الجماهير، وهو يستشعرُ تغيُّرًا قادمًا في الوسط الثقافي.
"إنّ الوضع يتغيّر من (التجاهل) إلي (الاحترام). أنا مُصمِّم علي مواصلة بَذْلِ أفضل ما لديّ لأجل تحفيز الازدهار، وذلك بتجميع المحبين لهذه النوعية من الكتب الجادّة" يقول هذا مُشدِّدًا. علي الصَّعيد السياسيّ: هل هناك محاولةٌ لتقييد حريّةِ الفنونِ الإبداعيّةِ في مِصر؟ يصفُ أحمد الوضعَ بأنّه وضعٌ مُعقَّد، مُضيفًا أنّ التشريعاتِ جِدّ عتيقة، وتُتيحُ لأيّ شخصٍ التقدُّمَ بشكوي ضد فنّانٍ بدعوي (خدش الحياء العام)".
يخبرني أحمد: "أيّ شخصٍ بإمكانه القيامُ بهذا، ومثلُ هذه القضايا في العادة تُفضي بالمبدع إلي قضائه في السجن فترة. رغمّ هذا، فالحكومةُ حقيقةً لا تُبالي, حيث لا تتَّخذُ إجراءً وتتصرَّفُ من جانبٍ واحد، دون قضايا مرفوعة. متي ما سُجِن فنّان، يكونُ السببُ دومًا أنّ أحدهم قدّم فيه شكوي. ويُعزَي أمرُ تلكَ الشّكاوَي في العادة إلي عداءاتٍ شخصيّة. الدافعُ الخفيُّ يكون حاضرًا دومًا. المشكلةُ الكُبري هي أنّ القانونَ يسمح لهذا بأن يحدث. فمن الضروري أن يسريَ القانون، هذا واضح".
يؤكِّدُ علي نحوٍ صادِمٍ أنّ عَشرةً بالمئة من الكُتّاب الذين ينشر لهم يُلقَي القَبضُ عليهم في وقتٍ من الأوقات. يصف كيف أنّ محاميًا مِصريًّا شهيرًا شنّ هجومًا علي دار النَّشر، زاعمًا أنّها دارٌ مُمَوَّلَة من قِبل الغرب( بهدف هدم المجتمَع المِصريّ. "لقد هدأت الأمور بعد ذلك. فكما ذكرْت, الدولة لا تتّخذُ إجراءً سوي بناءً علي قضايا يحركها أحد المعترضين علي كتابٍ أو كاتب، أو ضدّ دار نشر".
يضيف قائلًا، إنّ الربيع العربي قد خلَّفَ في القلب حزنًا علي المجتمع الإبداعيّ. فهو يري أنّ هناك اختلافًا ظاهرًا بين إبداع الكُتّاب المِصريين قبل وبعد الثورة، واصفًا أنّ الفترة التي تلتْها هي "أكثر كافكاويَّةً وسوداويَّة". إنه يؤمن أنّ بعضَ أصناف الكتابة باستطاعتها علي وجه اليقين أن تكون عاملًا مُحفِّزًا للتغيُّر المجتمعيّ, خصوصًا تلك الأعمال التي تُعرِّي وجه المجتمع وتجعلنا نتواجه مع الحقيقة. يقول، أنّ الأعمال الأدبيّة، تحيا لآلاف السنين، بِخلاف نظائرها الأخفّ وزنًا من حيث القيمة.
أيعني هذا أنّ الأدبَ بإمكانه تقديم العون للعالَم، لأجل فَهمٍ أفضلَ للفوران السياسيّ الحاصل في الشرق الأوسط؟ إنّه ليس بالأمر السّهل. يؤمنُ أحمد أنّ المعضلات السياسية في الشرق الأوسط لا يفهمها حتّي السيّاسيّون أنفسهم. سألتُهُ عن اهتمام دار النشر الخاصّ, الأدب المتمرِّد- ما الذي يشكِّله المتمرِّد في سياق أحداث الشرق الأوسط.
 "التنويرُ حركةٌ ثقافيّة، وينبغي أن تحدث دون حظرٍ أو رقابة. من خلالها, باستطاعتنا الإقدامُ علي نقْدِ الأعراف المجتمعيّة الثابتة والأفكار. وبإمكاننا محاولةُ تغييرها لتكون أكثر موائَمةً وأكثر ارتباطًا بطريقة التفكير المعاصرة". هل يسَّرتْ الثورةُ الرقميةُ العملَ علي الكُتّاب في هذا المسعي، آخذين في الاعتبار علي وجه الخصوص, أن جعلتْ أعمالهم سهل الوصول إليها خارج مِصر؟
"ليس كما كُنّا نتوقّع, فالثورةُ الرقمية لم تساعد بما يكفي لأجل ذيوع أعمالنا الإبداعيّة خارج مِصر. لا يوجد حتّي الآن أيَّة مشاريع جادّة لترجمة الأدب المصري إلي العديد من اللغات. إن استطعنا إلي ذلك سبيلا, فسوف يسْهُلُ علي العالَمِ بأكمله الوصولُ إلي كُتّابنا ومُؤلِّفينا القَيِّيمين".
في الوقت الحاضر، يظلُّ أحمد تائقًا إلي تقديمِ الكُتّابِ والمؤلِّفين العرب والمِصريّين إلي مُبدعي مالطا، عِلمًا بأنّ تجربةَ معرض مالطا للكتاب لسوف تُلهِمُ مُبدعي مالطا وقُرَّاءها الشغوفين، ببناء جِسرٍ للتواصل بين الأمّة العربية والمالطيّة.