رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أطير عالياً:تعددية العوالم التصويرية


د. محمد سمير عبد السلام
12/2/2017 10:35:49 AM

يؤكد الشاعر المصري المبدع محمد فريد أبو سعدة انفتاح النص الشعري علي السرد التأويلي للصوت المتكلم، وعلي الرؤي التشكيلية / التصويرية للذات، والعالم في تجلياتها السيميائية في الفضاء الجمالي، أو في لغة الكاميرا، كما يتشكل نصه الطليعي من الصور الحلمية السوريالية، ومن أخيلة اليقظة، وإعادة إنتاج الأساطير، والنماذج المستدعاة من الذاكرة الجمعية، فالصوت يبحث عن صيرورة تتجاوز الفراغ من داخله، أو عن التكوين الجمالي للأثر المجدد للحظة الحضور في تداعيات الكتابة، واستبدالاتها، وتداخلات العوالم الإبداعية التصويرية، والكونية، والحلمية، واليومية فيها دون مركز، فالذات تحقق نوعا من اللعب الجمالي من داخل احتمالية الفراغ في بنية الحضور، وكأنها تومئ إلي السخرية ما بعد الحداثية من مفاهيم الهوية، والغياب، والصوت، والفضاء، فالذات تمتزج بتحولات الصورة، وتعدديتها، ومراوحتها بين اليومي، والحلمي، أو بين فضاء الصورة، والفضاء الواقعي، أو الكوني، أو في تخييل النماذج، والعوالم الأسطورية.
تبدو مثل هذه التيمات الفنية، والملامح الجمالية واضحة في ديوان فريد أبي سعدة أطير عاليا، وقد صدر عن المجلس الأعلي للثقافة بالقاهرة 2017، وتومئ عتبة العنوان إلي صيرورة فعل الطيران، وتخييله المحتمل، فقد يكون حلميا داخليا، أو في العوالم التصويرية التي تشبه الكتابة، أو أن يكون الطيران حضورا تعدديا تفسيريا للذات كأثر جمالي متداخل مع أطياف الماضي، وصيرورة العلامات الاستعارية في النص.
وقد مزجت عتبة عنوان القسم الأول من الديوان / يتساقط ريشي في المكان بين السقوط المحتمل، واستعادة فعل الطيران كتأويل للوجود في فضاء تصويري آخر قيد التشكل، فالذات تعاين خبرتي الصعود، والغياب في آن، وتعيد تشكيل أسطورة إيكاروس، وذوبانه الجمالي الآخر المحتمل في القصيدة، واستنزافه لبنية الغياب.
التأويل الشعري للذات، وتفكيك بنية الفراغ:
تتقاطع التأويلات الشعرية الحكائية المتعلقة بلحظة الحضور في الديوان، وتعزز من منظور ريكور التفسيري التعددي للذات المتكلمة، فعلامة الطائر تبدو كتمثيل تفسيري للوجود الجمالي للأنا، أو للأثر المتجاوز لبنية الفراغ، والمؤكد لاحتمالية نشوء فراغ إبداعي آخر منتج للتمثيلات المجازية، والصور، والأطياف، والأخيلة التي تعيد تشكيل الصوت في فضاءات نصية، وكونية متنوعة، ومتداخلة، الفراغ  إذا يحتمل الوفرة، واستبدالات العلامة، وتفكيك مركزية الغياب، إنه يشبه العالم الداخلي الذي ينفتح علي سياقات شعرية تقع بين الذاتي، والكوني، والفني، وكأن الفراغ إطار غير مرئي للوحة سوريالية قيد التشكل، ومن ثم يحيلنا الفراغ في الكتابةإلي صيرورة الأثر الجمالي للذات في المشهد الشعري / الكوني من جهة، وفي المسارات التأويلية السردية من جهة أخري.
قد يتشكل النشوء الآخر للذات في القصيدة، والسياق الكوني من داخل لحظات الصمت، والفراغ المحتملة، وكأن الصوت يعيد تأويل ذاتيته انطلاقا من الآخر / الأنثي، يقول:
"قد كنت أحسب أنني حجر/ ماذا جري/ فاخضوضر الحجر!/ مجنونة بي/ قد جننت بها/ ماذا علي إذا ما ذاع ذا الخبر/ أيان نمشي/ ينحني شجر/ ومتي طلعنا/ يطلع القمر!!". ص 5.
يؤول الصوت لحظة الحضور من داخل الصمت الذي يكمن في علامة الحجر، وهي تستدعي هنا أطياف أسطورة الميدوزا، وتتجاوزها في فعل الغناء، أو الصيرورة الجمالية للأنا، والأنثي في سياق فني، وكوني معا.
يمتزج الغناء إذا- بالصمت المؤجل في القصيدة، دون مركزية تفسيرية للذات، فعلامة الحجر، تظل ملتبسة بأخيلة الربيع المضاعفة، واستدعاء أطياف أورفيوس، وغنائه المجرد الذي يستنزف بنية الموت كما هو في تصور إيهاب حسن، إذ يري أن اللغة التي تسكن الفراغ، تستدعي موقفا إزاء الصمت، والأشكال الأدبية التي تعزز من الوعي المستمر بتجلياته، ويؤكد حسن أن الصمت قد اتخذ مكانا له في الفكر في خطاب كل من هوسرل، وهيدجر، وبونتي، وبصورة ترتبط بمبدأ الذاتية عند سارتر.
إن صمت الذات في القصيدة يقترن بحضور ذاتي غنائي كوني مضاعف، يستنزف الصمت، ويستعيد أخيلة التجدد الكوني، والخصوبة من الذاكرة الجمعية في مجال الوعي المبدع، والفضاء الحلمي المحتمل.
وقد تتراوح صورة الأنثي بين التجلي، والاختفاء، أو الحضور الطيفي المراوغ، وتستدعي تأويلا شعريا للذات التي تقع في مسافة بين التجسد الذي يرتبط برغبات الهو طبقا لتعبير فرويد، وفعل الطيران في أخيلة اليقظة، أو ولوج المجال الفني الحلمي في تكوين طيفي قيد التشكل في تداعيات الكتابة، يقول:
"كان جسدي خفيفا ونزقا/ يثرثر ببلاغة/ وينده عليك/ كنت تقتربين، وتبتعدين ضاحكة/ بينما يتقدم مادا يديه/ مثل ضرير". ص 35.
يمتزج الجسد بالصورة الاستعارية الطيفية للأنثي، وكأن الإيروس يتجلي في حالة شعرية من الغياب اللعبي، وتوسط علامة الجسد بين الوجود، والوجود التصويري المحتمل، والأداء الإبداعي المجرد في عوالم اللاوعي.
تبدو علامة الطائرفي الديوان- تمثيلا استعاريا تفسيريا للعالم الداخلي للصوت المتكلم، وأخيلة اليقظة، إذ يصل بين العالم الواقعي، وتفاصيله / الغرفة، ومحتوياتها، وأخيلة الاتساع الكوني التي تومئ بدلالات الفراغ، والحضور الحلمي المضاعف، والتأملات التي تنبع من قوة الأنيما وأخيلتها كما هي عند باشلار، وتصوره لشاعرية أحلام اليقظة، أو تبدو حكاية الطائر، ووظائفها السردية تأويلا شعريا غنائيا لسيرة المتكلم، وهويته الجمالية المتجددة عبر الفضاء الجمالي للنافذة التي تذكرنا بتكوينات دالي، وإدوارد هوبر التشكيلية، يقول:
"نظر الطائر حوله/ شرفة واسعة، علي أرضها ملاءة، ووسادة/ في الركن مطفأة، وزجاجات ماء، وكولا/ وفي الركن هناك/ كرسي هزاز/ وطبق فاكهة، وجرائد/ أبتسم، لابد أن صاحبي العجوز/ سهر طول الليل، ونام في الشرفة/ ولكن متي صحا، وأين ذهب؟/ راح يتنقل في الشرفة/ تأرجح قليلا علي الكرسي الهزاز/ ثم تقافز علي إفريز الشرفة/ في الأعالي". ص 25، 26.
إن التشكيل السيميائي للغرفة، وشاعرية أشيائها الصغيرة   في النص  يوحيان بالتحول المحتمل في الحكي التأويلي للذات، فبلاغة الأشياء الصغيرة في المشهد تومئ بحضور تشبيهي للذات، بأثر جمالي يشبه تداعيات الكتابة، واستبدالاتها، وتذكرنا الصورة بفوتوغرافيا بودريار التي تراوح بين الوجود، تشبيهاته، واحتمالية الاختفاء في الإطار أيضا، فنحن نعاين صوتا مجردا يعاين شاعرية الغرفة، والتحول المحتمل في بنية الحكاية الخاصة بمسيرة الطائر، وغيابه في الفضاء، وتجسده في الأثر، واتصاله بفضائي الغرفة، والفضاء الكوني، أو التشكيلي / الحلمي الواسع.
وقد تتجدد تمثيلات الهوية في السرد الشعري، وتتداخل السيرة مع تجدد الحكايات المحتملة، والتي تتقاطع مع الغناء الذاتي / الكوني المتجاوز للفراغ من داخله، فالحكي يجمع بين التمثيلات الاستعارية المؤولة، أو المكملة للحظة الحضور، والصمت المؤجل في صيرورة العلامات التي تفكك الفراغ عبر الغناء المجرد، أو الحكي الاحتمالي التفسيري للهوية الشعرية، يقول:
"حط غراب علي نافذتي/ لم أنم/ كلما غفوت، نعق عاليا/ وبدأ في حكاية جديدة!/ بدا كأنه يتكلم عن صباي/ صنعت قهوة، وعدت مسرعا/ لكنني لم أجده". ص 21.
تجسد علامة الغراب الحكايات المتقاطعة عن الذات، فهو صوت مكمل للحظة الحضور، وأثرها الجمالي المتجدد، دون مركز في فعل الكتابة الذي يبدو كأغنية مجردة في فراغ غير مكتمل في المشهد.
الصور الحلمية، وتداخل الفضاءات:
تتواتر الصور السوريالية في الديوان، لتمزج بين اليومي، وعالم اللاوعي في نسيج جمالي يتجاوز الحدود، والبني المستقرة عن الواقع، والموت، والحياة، فأحداث الحلم، وصوره تلج لحظة الحضور اليومية، وتفكك مركزياتها، وتعيد تشكيلها في سياق ما بعد حداثي تتداخل فيه الصور النصية، وعلامات الواقع، وتفاصيله، يقول:
"عندما انفتح باب البار/ كان عليه أن يحدق قليلا/ في حلة البخار هذه/ قبل أن يري رءوس أصدقائه/ وهي تظهر ببطء/ مثل صورة/ فوتوغرافية!". ص23 ،24.
تمارس الصورة الحلمية / الفوتوغرافيةفي النص نوعا من السخرية من بني الموت، والحياة، ومركزية الفضاء، إذ نعاين جماليات اللاوعي السيميائية في فضاء واقعي محتمل، ويمثل الآخر - في النص - تخييلا سرديا للأنا من داخل حضوره الطيفي التصويري، وكأن صورة الرؤوس الممزوجة بالبخار تشكل فضاء جماليا يؤول كينونة المتكلم، ويتداخل مع واقعه في آن.
وقد يتشكل صوت الأنثي في صورة عملة معدنية متدحرجة في سياق يتداخل فيه اليومي، والواقعي، والافتراضي، إذ تختلط نشرات التليفزيون، بدماء المتكلم، لصوت الأنثي إذا تجسد جمالي آخر في وعي، ولاوعي المتكلم، وفي اليومي نفسه، إذ يتجلي الصوت بطريقة شيئية متخيلة في المكان الذي يتنازع في بنيته كل من الحلم، والواقع، بينما يبدو الدم افتراضيا، وجماليا، ويجمع بين البهجة، والتفكك المؤجل.
تنوع مستويات الصورة بين النص، والفنون الأخري:
يحيلنا فريد أبو سعدة - في نصوصه- إلي تنوع مستويات الصورة، وعلاقتها بالزمن، والوجود، والقراءة الجمالية للواقع، أو رؤيته من داخل منظور نسبي فني فوتوغرافي، أو تشكيلي، أو يتمثل الحركة في لغة الكاميرا السينمائية، فهو يعيد قراءة نموذج الخلود من اللاوعي، والذاكرة الجمعية، أو يفكك بنية الموت، ومدلول النهايات الحاسمة عبر أخيلة العودة، وتجاور الأزمنة، وتداخلها المحتمل، وكأن الحدوث اليومي يشبه ذاكرة الكاميرا، وتنوع حركتها من الماضي إلي المستقبل، أو العكس، وهو ما يذكرنا بتصور دولوز عن ديمومة التغير في علاقة الكاميرا بالزمن، وبمدلول التطور الخلاق عند برغسون، فثمة تغير في ديمومة العالم، فالكل يتغير، وينفتح في اتجاه ما.
(راجع، جيل دولوز، الصورة، الحركة، أو فلسفة الصورة، ت: حسن عودة، منشورات وزارة الثقافة بدمشق، 1997، ص 14،15،17)
 يقول:
"تمنيت أن تقوم المدن المنهارة من ركامها/ بحيلة سينمائية/ هل يكفي إدارة الشريط إلي الوراء لينتهي هذا الكابوس/ هل تصلح تعويذة لتنهض البيوت من جديد/ هل تصلح الذكريات كصدمة كهربائية/ فيقوم الموتي من موتهم!/ وتنهض المدائن!!".ص29.
تستعيد عين الكاميرا أصوات الماضي، وثقافاته في لحظة تداخل، أو استبدال في مشهد الحضور الآني نفسه، وتستشرف نوعا من الأبدية داخل تحولات الزمن، وأطيافه الجمالية، وكأن الصورة المتحركة تحوي فضاءات تصويرية، وزمنية متعددة في بنيتها الداخلية، وتسخر من مركزية النهايات.
وقد يستعيد الشاعر عوالم العبث، والتشيؤ، ويذكرنا بشخصيات بيكيت، وناتالي ساروت، وجرييه في فضاء تصويري تشكيلي شعري، إذ يواجه كل من العاشقين الآخر كمرايا متقابلة في مكان يوحي بالسياق الواقعي، والإطار الخفي للوحة التشكيلية، إنها لحظة توقف عبثية، توحي بالفراغ الشئي المحتمل، والخروج عن مركزية الإطار التشكيلي فيما بعد الحداثية، كما يشير فاتيمو، وغيره، وقد تتجلي أضواء الشوارع وحدها وسط ظلمة مجازية في لقطة تذكرنا بالمنظور النسبي للفوتوغرافي، لتعيد قراءة صخب الوجود اليومي في أثره الجمالي / الأضواء الوحيدة في الفراغ المظلم، والصمت.
تعددية الحضور في الخطاب الشعري:
للذات، والآخر حضور تعددي في خطاب المتكلم الذي يحيلنا إلي الدلالات الذاتية، والثقافية، والكونية، والحلمية، والأسطورية في تداعيات الكتابة التي تتجاوز مركزية الفضاء، وتسخر من بنيته الأولي، فصورة الأم تنبع من مستويات اللاوعي، ومن المشهد الكوني، وتحولاته النصية، يقول:
"أمي عند النهر تفك ضفائرها الطينية/ تخلع أثواب العرس السوداء/ أمي حمراء العينين/ يلعق قدميها النهر/ فيصبغ بالحناء". ص73.
تولد الأم من نماذج المكان، وثقافته، وحضوره الخيالي في الوعي المبدع، وتقترنعند فريد أبي سعدة- بتحولات العلامات الكونية التي تومئ بالهارموني، أو التناغم بين الداخل، والخارج، والحضور النسبي، وتجاوز بنيته في التعددية الشعرية التي يؤكدها خطاب المتكلم.