رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

قليلا من الذهب أيتها الشمس:البحث عن وحدة الوجود


د. هويدا صالح
12/2/2017 10:43:58 AM

مختارات شعرية تعبر عن "وحدة الوجود...حيث لا انفصال ولا حدود في الجوهر بين الذات والعالم، والأنا والآخر، الإنسان والطبيعة" هكذا وصف الناقد محمد مظلوم المختارات الشعرية للشاعر اللبناني التي صدرت حديثا (2017) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية في سلسلة "إصدارات خاصة" والتي ضمت مختارات ونماذج مختارة من دواوين :"أبواب النوم" الذي صدر عام 1996، و" سراج الفتنة" الذي صدر عام 2000، و"نار العودة" الذي صدر عام 2003، و" حياة معطلة" الذي صدر عام 2007، وأخيرا ديوان" الأيام ليست لنودعها" الذي صدر عام 2015.
وما يميز هذه المختارات، ليس فقط التنوع في الشكل الفني الذي كتبت به قصائد دواوينه، سواء علي مستوي السمات الأسلوبية التي وضحت بشدة في الدواوين الخمسة التي استغرقت كتابتها ما يزيد عن العشرين عاما، أو علي مستوي السيمولوجيا التي تمثلها تقنية التقطيع أو القصيدة السطرية أو القصيدة التي تعتمد علي الإيقاع التدويري أو حتي بنية التكرار كإيقاع بلاغي، إنما تعدي التنوع بنية الشكل إلي الخطاب الثقافي والفكري الذي اعتمد علي تنوع المضامين والقضايا المختلفة التي عالجها عبده وازن في دواوينه، ولا عجب في ذلك فاختلاف الفترات الزمنية بين ديوان وآخر يمنح الشاعر هذه الفرص الكبيرة لتنوع بنائه الجمالي وكذلك تنوع مضامينه الفكرية.
> > >
يصف مظلوم في مقدمته للمختارات التي عنونها بـ " أعمال الباطن ..ونزهة في عالم أفلاطون" بأن عالم المختارات أقرب للعالم الأفلاطوني، ذلك العالم الثالث:"الذي يقف بين الواقعي والحلمي، الذاكرة والنسيان،والزمان الأثيري" ويستشهد مظلوم علي مقولته تلك بقصيدة للشاعر بعنوان"حفرة ضوء" وردت في ديوانه الأخير" الأيام ليست لنودعها"، حيث تدور القصيدة في عالم أثري يقترب من عالم المثل الذي مثله أفلاطون بالكهف وداخله أشخاص، لا يرون العالم خارج الكف، إنما يرون انعكاس صورة العالم عليهم وهم داخل الكهف، فهل صفت تجربة عبده وازن طوال عشرين عاما بدأها بديوانه الذي صدر عام 1996، وأنهاها بهذا الديوان؟ هي محاولة لتقطير العالم، وتخليصه من كل أوهامه، ليشف ويصبح مثل بلور نراقب من خلاله العالم، ونراقب أيضا من خلاله أنفسنا:"
إننا علي موعد مع أنفسنا،
 مع أطيافنا التي تنكسر علي الماء
نصعد جبلا لنغني
عسي الآلهة تنهض من نومها"(الديوان،ص501).
نفس الهم الوجودي الذي يعتري الذات الشاعرة التي تراقب نفسها من خلال أطياف الذاكرة والإنصات للروح بدأت معه منذ الديوان الأول، وفي قصيدة"إصغاء" حيث" لا يجلس علي كرسيه إلا ليصغي، لا يقف أمام النافذة إلا ليودع سحابة أوهامه، في المرآة لا ينظر إلا ليري وجهه السابق"(الديوان،ص19).
الشاعر عبر الديوان مسكون بصوت الذات الشاعرة التي تحاول أن تنهض أمام الآخر، وتقاوم الفناء مرة، وتوقظ المغيبين عن ذواتهم أخري في محاولة لإنقاذهم:"
الصوت يأتي خافتا
من وراء الباب
الصوت الذي لم يسمعه أحد
يوقظ الراقدين من سباتهم
يشعل عيونهم نجمة تلو نجمة.
الصوت الخافت كالنسيم
الأعذب من ماء النهر
حين يرتفع في السماء
ينبثق كنار الأيقونة"(الديوان،ص37).
تواصل الذات الشاعرة رصد تجليات الحضور والغياب بينها وبين الآخر، فلا محاولات الإيقاظ تفلح، ولا راحة الصعود إلي عالم المثل، إلي السماء حيث لا فقد ولا افتقاد ينجح، وتظل الذوات المسكونة بالغياب في حالة"غيبوبة"، يقول:"وما كانوا ليصحوا من الضوء الذي يفقدونه، من الضوء الذي يفقدهم في مملكة نومهم، تحت السماء والنجمة اللتين لم تحصيا أيامهم النادرة"(الديوان،ص68).
ثم يختم الديوان بقصيدة" النظرة الأولي" التي تنهض فيها الذات الشاعرة، كما العنقاء، تجدد نفسها، وتجدد مقاومتها للغياب، في قصيدة ذات بنية دائرية، يبدأها بـ " حين ستلتمع النار أمامنا لن نقول وداعا للفصول التي جمعتنا كالسنابل..."
وينهيها بذات التركيب المقاوم المناهض" حين ستلتمع النار أمامنا سننهض من أفيائنا كما من نوم غامض، سننهض لننظر إلي العالم الذي يندثر بلا ضوضاء
لكن ها إننا ننظر كما علمتنا الوردة، كما علمتنا، كما علمتنا الفصول التي تقاسمناها في منتهي عزلتنا، وإلي السحاب سوف سنحدق حتي نبصر كل ما استحال علينا أن نبصره من قبل، كل ما حلمنا به قبل أن نفتح عيوننا علي شمس الأيام"(الديوان،ص120).
> > >
في ديوان"سراج الفتنة" ينتقل عبده وازن من تلك المنطقة الوسطي بين الواقعي والحلمي، إلي ما هو واقعي، ويرصد هموم الذات في مواجهة الواقع، يناهض القبح والتهميش للذات، يفضح المسكوت عنه في هذا العالم الواقعي. في هذا الديوان تحضر الدلالة الكلية التي آثر الشاعر أن يسحبها علي المختارات كعتبة نصية لها" قليلا من الذهب أيتها الشمس" قليلا من الذهب أيتها الشمس، قلبي آسن كما الجدار. قليلا من الزرقة أيها الصبح: عيناي شاحبتان من شدة الأرق. قليلا من الغمام أيتها السماء: وجهي ينزف دم الأزل! قليلا من الدفء أيها الليل: نفسي كئيبة ومقفرة كأول العالم!"(الديوان،ص123).
وهكذا تواصل الذات الشاعرة كتابة وعيها بالعالم عبر تجليات شتي، تحتاج إلي قراءة متعمقة، لأن الذات تفلسف العالم، وتقدم تصوراتها عنه في تجربة منفتحة جماليا ومعرفيا علي الوجود الإنساني كله، ما بين الواقعي والتخييلي، الداخل والخارج، الذات الإنسانية المفردة والذات الموضوعية التي يمكن أن تمثل الذات الجمعية.
يطرح الشاعر سؤال الكاتبة وعلاقة ذاته بالشعرية بالكتابة، وبهمومها، حتي في اختيار العناوين، العنوان الذي يمثل عتبة نصية من عتبات القراءة، وبالتالي يحيل إلي أن يصبح الشعر عتبة نصية من عتبات قراءة ذاته. في قصيدة"عناوين" يقول:"القصيدة غالباً ما تسبق عنوانها
القصيدة أحياناً بلا عنوان
ولكن لا يكون العنوان بلا قصيدة..هذا ما فعله شاعر لم يدّع البتة أنه شاعر،أمضي حياته يكتب عناوين لقصائد لم يتسن له أن يكتبها"(الديوان،ص399).
ويختتم الشاعر قصيدته بالقول:"
لكن ما فاته
 أن لا أحد علم أنها
 عناوين لقصائد لم يكتبها ولن"(ص399)
ويواصل الشاعر طرح سؤال الكتابة، ومناقشة فرضيات لقصائد، ففي قصيدته" م يكتبها أحد"
يقول:"
القصيدة التي لم يكتبها دانتي
 كان علي رامبو أن يكتبها
 فتش عنها في الجحيم طويلاً ولم يجدها"(الديوان،ص456).
يتناص الشاعر هنا مع أهم الشعراء العالميين( رامبو، دانتي، أبو نواس، بيسوا، مالارميه، الحلاج ورابعة ونيتشه وامرؤ القيس وبودلير والرمزيون والسرياليون والرومانطيقيون):"
القصيدة التي لم تكتبها يدٌ
التي لم تشع حروفها علي الورق
التي تلتمع بروقُها خلف العيون
القصيدة التي هي الموت
التي هي الحياة
التي هي الضوء
القصيدة التي محتها يدُ الله
عندما خلق العالم عقاباً للشعراء الملاعين
الذين سرقوا السر"(الديوان،ص461).
وكأن هؤلاء الشعراء وغيرهم حاولوا سرقة سر المعرفة/ الخلق من الله، وكأنهم برومثيوس الذي حاول سرقة النار من الآلهة فعاقبته الآلهة عقابا لا يتحمله بشر.
> > >
كذلك يتمثل عبده وازن عالما آخر أقرب إلي عالم الشعر، إنه العالم الصوفي، بكل تجلياته ورموزه ووجده ومعراجه الذي يصّاعد به إلي السماء، عله يجد فيها شفاء لم يجده في الشعر.
في قصيدة بعنوان"سؤال" التي يهديها إلي الفيلسوف الألماني سيلزيوس المتصوف والمعروف بكتابته لشذرات تأملية فلسفية صوفية أقرب إلي الومضات الشعرية، حيث يقول وازن:"ما يجعل الوردة غامضة
ليس رحيقها المنبثق من عدم
ولا صوتها الذي لا يُسمع
لا ارتجافها الخافت.
الوردة غامضة
لأن لا سؤال لها"(الديوان،ص462).
وتصير مساءلة العالم كما سرقة نيران الآلهة، ويصير الشعراء مؤرقين بالأسئلة طامحين في العروج والترقي إلي بستان الوجد الأعلي.
أتصور أن هذه المختارات التي جمعت جل تجربة الشاعر عبده وازن كانت خاتمة ربما مؤقتة لسؤال الشعر، لينتقل بعدها في  العالم الذي  يليها إلي عالم الرواية" البيت الأزرق" التي  صدرت عن منشورات الاختلاف بلبنان عام 2017. الجدير بالذكر أن عبده وزان متعدد العطاءات الإبداعية ما بين الشعر والرواية والنقد والكتابة الصحفية والبحث.