رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

رجل بلا صفات: كيف تنبأ روبرت موزيل بصعود دونالد ترامب


ديفيد أويرباخ ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر
12/2/2017 10:46:16 AM

حتّي الآن، قارن العالمون ببواطن الأمور دونالد ترامب بكل الديماجوجيين في التاريخ. بهتلر؛ موسوليني، وبالطبع جورج والاس في حال لم تكن ترغب بالمغالاة. أمّا أولئك الّذين يفتّشون في التاريخ البعيد فقد طرحوا اسم ألكيبيادس من أثينا، أو كينا، القنصل الروماني. رغم ذلك، لم تكن تلك الشخصيات شديدة الزهو بنفسها إلا نماذج للاتساق الفكري مقارنة بترامب الّذي يبدو أنّ برنامجه غير منقاد سوي بتفخيم فجّ للذات.ربّما لم يُعلن الدوتشي صراحة عن برنامجه السياسي الأخرق، لكن رغم ذلك كان لديه برنامج؛ حيثُ يُشير المؤرِّخ دانيال ليسْ إلي أنّ الفاشيين بقدر ما يعولون علي الغوغائية الشعبويّة، كانوا ملتزمين ببرنامج أيديولوجي أكثر صرامة من أي برنامج التزم به ترامب يومًا .

»لقد حاول مهندسو المذاهب الكُبري في ألمانيا النازية أو ديكتاتورية بينيتو موسوليني في إيطاليا كبح الانطباع بتعويلهم المقصود علي الإغواء العاطفي للرموز والسياسات المشخصنة. وبدلًا من ذلك، سعوا إلي التشديد علي الطبيعة العلمية لأفكارهم.»‬
وبقدر ما أعرف، لم يُعجب ترامب يومًا قطّ بأي أيديولوجيا، ناهيك عن الإعجاب بأحد العلوم. بل إنّه لم يطرح سوي رؤية فارغة كليًّا للولايات المتحدة تتألّف من جشع فجّ ورغبة في السلطة وذاته. (أو بكلمات والتر سوبتشاك في فيلم "ذا بيج ليبوفسكي": قُلْ ما تشاء عن مباديء الاشتراكية القوميّة .. فهي علي الأقل تشكِّل روحًا لجماعة.)
لحدّ الآن، توصف حَمْلَة ترامب بأنّها عبارة عن غياب للبرنامج الأيديولوجي المتسق في مُقابل: 1. غِلّ فجّ من خصومه، وبالتالي من خصوم الولايات المتحدة. 2. انتقاد جارف، ومفكّك، للوضع الراهن وللمؤسسات الحالية. 3. التزام بـ"إعادة أمريكا عظيمة من جديدز شديد الالتباس والرؤيويّة، ويتشابه في كثير من المواضع مع الإيمان بالعصر الألفي السعيد. يُضاف إلي تلك الملهاة أنّ كثيرين من المواطنين المحرومين سعداء بالاِنضواء إلي الظن ّالمتوهَّم أنّ ذلك الالتزام يُشير إلي مواضع امتعاضهم.  
لا يُحرِّك ترامب إلا أن يكون حاكمًا لا محكومًا. (أنت دائمًا في عالمه إمّا هذا أو ذاك، حيثُ كان من الضروري أن يحل اسم المرؤوس The Subordinateمحل اسم البرنامج التليفزيوني  المستجد The Apprentice . لقد تباهي مؤتمر الحزب الجمهوري بقائمة من مروجي الخوف مِمَن زجّوا بالناس داخل إطار ذهني قَلِق وقانط وذلك من أجل تصوير ترامب باعتباره مُخلِّصهم. رغم ذلك لا يطرح ترامب مشروعًا أو تحرّكًا متماسكًا، كما لا يمتلك أيًّا منهما في الخفاء: ذلك أنّ كل ما يقدّمه هو عرض مسرحي من بطولته وحده. إنّ الجدار الحدودي والحظر علي المسلمين ما هي إلا ألعاب بلاغية ستُستبعد ما أن تحقق الغاية منها وهي جذب المُناصرين، وربّما تعود إليها الحياة يومًا، وربّما لا. يُساند ترامب الحرب في العراق، ثمّ يهاجم مؤيديها، قبل أنّ يختار واحدًا منهم نائبًا له. مؤيد ثمّ مُعارض؛ ديمقراطي ثمّ جمهوري؛ نيوليبرالي ثمّ حِمائي. يدعوك للغداء ثم يطعنك في ظهرك، وإنْ فاز بالرئاسة لن يعرف ماذا يفعل بها(إلا إن تخلّي عنها كما ألمح مرّة). لا يفي بوعود سابقة، ولا بأي التزام تجاه قيم سائدة. ما من أحد سوي دونالد.
يُعدّ ترامب واحدًا من أكثر الشخصيات المُعدمة عاطفيًّا في تاريخ أمريكا السياسي.بل أنّ ما حفّزه علي الترشّح هو عثوره علي مقام يستطيع تبوُّؤه يجلب له أعظم وأيسر تملُّق: وهو ما تبيّن أنّه القاعدة الجمهورية الناقمة.(ولو وجد جمهورًا يتقبّله عن يساره، لعزف علي أوتاره بكل سرور). لسوء حظّنا جميعًا أنّ المسار الذي تراءي له أقل ممانعة هو القومية ورهاب الأجانب والشعبوية اللاأدرية، رغم أنّها ليست صفات لصيقة به، بل تكشف فحسب مدي عدم اكتراث ترامب لمحتوي رسالته.
يبزُّ ترامب الديماجوجيين الأخرين حيثُ لم يسع للنفوذ السياسي منذُ سِنّ مبكِّر؛ ذلك أنّ اهتمامه الأساسي ليس النفوذ بل الحُبّ، أو علي الأقل الانتباه. بالنسبة لأغلب الديماجوجيين بدءً امن يوليوس قيصر وحتّي فلاديمير بوتين، يعمل حُبّ وإخلاص الشعب في خدمة تدعيم سلطانهم السياسي، أمّا بالنسبة لترامب فما يحدث هو العكس. إذْ ليس في المستطاع أن نقارنه جوهريًّا بأي سياسي آخر لأنّه بكل بساطة ليس سياسيًّا، بل هو شيء آخر- أو ربّما ليس شيئًا، ولا نكرة كذلك. فكون المرءُ سياسيًّا ينطوي علي تصوّر ما للمساومة والمنفعة المتبادلة، وهو ما يفتقر إليه ترامب كليًّا. العائد المقبول الوحيد من أي صفقة بالنسبة لترامب هو العائد الّذي يجعله هو يربح وأنت تخسر. (من ثمّ كان رفضه الالتزام بالدفاع عن دول البلطيق الأعضاء بحلف الناتو ضد هجمة روسية، إلي أن يري ما بإمكانهم تقديمه له.)
> > >
ينبغي أن نلتفت إلي الأدب، وخاصة رائعة روبرت موزيل »‬رجل بلا صفات»، في حال أردنا العثور علي شخصيّة تقبض علي الشرّ الخالص المتعلِّق بمعاداة ترامب للأيديولوجيا. تُعدّ رواية رجل بلا صفات التي استهلّها موزيل في النمسا عام 1921 وتركها دون أن ينتهي منها حتّي وفاته عام 1942، دراسة دقيقة لصنوف من الادّعاء والغيّ الفكريين الأوربيين خلال السنوات التي انتهت بالحرب العالمية الأولي. لكنّ رواية موزيل التي استهلّ العمل بها مباشرة عقب الحرب العُظمي، لم تغد أكثر إلحاحًا وأهمية إلا إبّان الثلاثينيات مع استمرار الأحداث في تأكيد آرائه الأليمة. ذلك أنّ الرواية تنتصب بوصفها شهادة علي أهمية الحفاظ علي وعي وفكر مستقلين حصيفين في أوقات الهستيريا والجنون الجماهيريين.
الشخصية التي تهمّنا هنا هي شخصية كريستيان موزبروجر، وهو قاتل نساء من العمّال يغدو محطّ هوس الكثيرين من شخصيات الرواية وفيينا التي يسكنونها، ويشتهر بسبب مسلكه المُتعجرف والمُنحرف أثناء مُحاكمته علي القتل الوحشي لإمرأة بَغِيّ:
»‬اختلق موزبروجر أثناء محاكمته إشْكالات كانت تتعدّي قدرة محاميه علي التنبؤ. إذْ جلس مسترخيًا فوق مقعده؛ كأنّه متفرِّج وطفق يصيح:"برافو!ز في كل مرّة يُثبت فيها المُدّعي لأي مدي كان المُدّعي عليه يُشكِّل تهديدًا عامًا، وهو ما عدّه موزبروجر خليقًا به، بل راح يوزِّع عبارات الامتنان علي الشهود الّذين أعلنوا أنّه لم يسبق لهم قطّ أن رأوا يومًا ما يُشير إلي أنّه لا يُمكن أن يكون مسؤولًا عن تصرفاته.ب
يقول موزيل إنّ الأساس المنطقي لسلوك موزبروجر هو عَوَزه المدقع ورغبته في أن يعترف به الآخرون كشخص متفوِّق:
»‬كان مريضًا لا ريب، لكن حتّي في حال وفّرت طبيعته المرضية الواضحة الأساس لسلوكه، وعزلته عن باقي البشر،كان سيعتبرها بطريقة أو بأخري خصيصة له أقوي وأرفع. لقد كانت حياته بالكامل كفاحًا هزليًّا ومؤّلمًا أخرق لنيل اعتراف قسري بهذا المعني بذاته».
سيمضي موزبروجر إلي السجن عن طيب خاطر طالما هذا السجن يدعم ويُرسِّخ شهرته. رغم ذلك، ما من جوهر ثابت يدعم هذه الحاجة الشكلية لانتباه العامّة. ثمّة ثغرة في صميم تكوين موزبروجر؛ إذْ ليس في مستطاعه حتّي الالتزام بأن يظلّ معتلًّا اجتماعيًّا:
يقول القاضي: »‬ألا يراودك أي إحساس بالندم علي أي هيئة؟».
يبرق شيءٌ ما في عقل موزبروجر- حكمة رجل عجوز: اِخْتلِق ندمًا. تلوي الفكرة فمه فيقول: بالطبع أحسّ بالندم! فعاجله القاضي: »‬لكنك قلت في مخفر الشرطة: لا أشعر بالندم علي الإطلاق، بل أنفجر كراهية وغضبًا».
»‬قد يكون هذا صحيحًا» يردُّ موزبروجر مستعيدًا نفسه وماء وجهه، ويُردف: »‬ربّما لم أكن أحسّ بسواهما آنذاك.»
إنّ موزبروجر؛ غير الواثق في قرارة نفسه، يؤلمه التأفف من أي شخص قد يزعم تفوّقًا فكريًّا أو أخلاقيًّا عليه:
»‬في مستطاعه الصعود إلي ذُري تصنّع مسرحيا مهيبا، مُعلنًا بازدراء أنّه "الأناركي الّذي كان الديمقراطيون الاشتراكيون علي استعداد لإنقاذه في التو واللحظة إذا اختار قبول معروف من أولئك اليهود الخبثاء الّذين يستغلون الطبقة العاملة الجاهلة. سيكشف لهم هذا أنّه هو الآخر كان لديه"انضباط؛ مجال يخصّه حيثُ تعجز قرائن قضاته العليمة عن ملاحقته».
يتصل »‬انضباط» موزبروجر بصلة قرابة بـ »‬فن عقد الصفقات» لدي ترامب: فهو ليس مهارة قابلة للتعليم، بل خاصية باطنية متأصّلة  ترفعه فوق الآخرين.  
ترامب بطبيعة الحال ليس قاتلًا، بل هو علي خلاف موزبروجر كان لديه من حسن الحظّ ما أعانه علي بدء حياته بملايين أبيه والقدرة علي تحقيق الهيمنة دون عنف بدني. لكن موزبروجر ليس قاتلًا هو الآخر، بحسب موزيل، أكثر مِن كون ترامب سياسيًّا حقًّا. ذلك أنّ فعالهما اللا الأخلاقية (وليست عديمة الأخلاق) تعبّر لا عن شخصية، بل عن غياب شخصية واضحة؛ افتقار غريب لركن الشخصية:  
»‬كان موزبروجر في عيني القاضي مصدر أفعاله؛ في حين كانت بالنسبة لموزبروجر نفسه جاثمة فوقه كأنّها طيور تدفّقت من مكان أو آخر. بالنسبة للقاضي كان موزبروجر حالة خاصّة، لكن بالنسبة له كان عالمًا بأكمله، وكان من الصعب جِدًّا قول شيء مُقنع بشأن عالم كامل».
إنّ استبصار موزيل الجوهري يتمثّل في أنّ موزبروجر تستحوذ عليه فكرة عن نفسه مفادها أنّه كيان كوني ينأي به عن عالم البشر والمسؤولية، حيثُ تتوعّد وتفتن في اللحظة نفسها، لا مبالاته بكافّة القيم، بل وحتّي بفكرة القيم ذاتها؛ إذْ توفِّر لنا حرية التعبير عن ذواتنا الأشنع كي نراها وقد ارتدت إلينا لا كصفات بشرية وإنّما كقوي الطبيعة. ها هنا يصف موزيل بموضع آخر ذوبان نفس موزبروجر وتحوّلها إلي »‬عالم كامل»:
»‬في مستطاع أي أحد تصوّر حياته تتدفّق كأنّها نهر صغير، لكن ما كان موزبروجر يُحسّه هو أنّ جريان حياته يُشبه نُهيرًا ينساب عبر بحيرة واسعة راكدة. وخلال جريانه لا يكفّ عن الامتزاج مع ما تبقّي ويغدو تمييزه عن التحركات علي جانبيه متعذّرًا. كان قد راوده شعور خلال ما يُشبه حلم يقظة أنّه وضع حياة موزبروجر هذه فوق ظهره مثل معطف مقاسه غير مناسب؛ والآن، متي واربه قليلًا، تندفع البطانة الأغرب كالحرير؛ لا متناهية كأنّها غابة».
هذا النمط من الذاتويّة الفائقة مردّها ليس مُجرّد اقتناع أنّ لا وجود لأحد سواه، بل عجز عن تصوّر ذاته الخاصّة باعتبارها ركنًا يُمكن فصله داخل العالم.
بالإمكان فهم سيكولوجيا ترامب هي الأخري متي تجاهلنا المفهوم التقليدي للأنا؛ فأغلب السياسيين يسعون للنفوذ بسبب الرغبة في ترك بصمتهم علي العالم وتغيير مسار التاريخ(أو ببساطة نسب فضل ذلك لهم). لا أظنّ أنّ ترامب يعبأ بالكيفية التي سيذكره التاريخ بها؛ فكل ما يكترث به هو جذب الانتباه؛ التعبّد؛ الآن. وجوهر مثل هذا الانتباه  لن يستمر إلا مُدّة قصيرة. لا يعبأ ترامب بالأجيال المُقبلة، فبالنسبة لترامب الّذي يُعرِّف نفسه في مقابل محيطه المباشر فحسب، تحظي الأشكال الحدّية للعلاقات الاجتماعية بالأسبقية علي كل ما سواها من قيم أو حقائق أو حتّي غايات. (هو مُتغيّر مرضي لما دعاه عالم الاجتماع ديفيد ريزمان "شخص موجّه من الآخرينز). هذا الافتقار للوعي التاريخي والتخطيط طويل المدي ربّما يغدو سبب سقوطه ما دام كل ما يعرفه هو التصعيد والقوادة المباشرين. هكذا، لو جمع جيشًا من النازيين لن يشغل باله بإعطائهم الأوامر.
إنّ موزبروجر وترامب، بالنتيجة، هما وحدهما من ندرك أنّ لا شبيه لهما. فمثل تلك الشخصيات لا ترغب سوي في أنْ نراها عظيمة. ولأنّها شخصيات خاوية كليًّا؛ فهي تعجز بصورة جوهرية عن تحمّل مسؤولية أيّما فعل يقومون به، كما تفتقر لبداهة أنّ الكلمات والأفكار يجب أن تتفق مع الواقع الخارجي. إنّ جهل ترامب العميق والجارف بكل ما يُحيط به يخدم نرجسيته، في حين تفرض المعرفة قيودًا علي قدرته علي أن يغدو ما يرغب الناس في أن يكونه وما يحبّونه لأجله: "هكذا جلس هناك؛ مصدر التهديد الجامح الأسير بارتكاب عمل مُفزع، مثل جزيرة مرجان غير مأهولة في بحر  لا محدود من الأوراق العلمية التي أحاطت به غير مرئية من كافّة الجوانب.»
> > >
لا ترامب ولا موزبروجر يعبآن بالنساء، علي الأقل ليس باعتبارهن آدميات. فالأخير يشمئز مما يعتبره أجواء التفوّق لديهن، مدّعيًّا بحقّ أنّهن لا يثرنه ولا يحسّ بانجذاب جنسي نحوهنّ. ويظنّ أنّهن يحكن مؤامرات ضد الرجال ويستخدمن الجنس سلاحًا:
»‬إنّهن أولئك النسوة الضاحكات من كُنّ في طليعة المؤامرة ضده. لديهنّ عشّاقهن ويلوين شفاههن متي سمعن حديثًا جادًّا، هذا إذا لم يعتبرنه إهانة صريحة. كان يتجنبهن ما استطاع كي يتحاشي استفزازهن، علي أنّ ذلك لم يكن ممكنًا علي الدوام ...  وإنْ يُضطر امرؤ للاستسلام آنئذ(لرغبة جنسيّة)، فلابد أن يتيقّن أنّه عند أول خطوة يخطوها ستتجسّد، أمامه مثل دورية سائرة أرسلها آخرون، واحدة من تلك السموم علي قدمين تعبر طريقه، مُخاتلة تضحك في سرّها علي الرجل في حين تُضني قواه وتمارس حيلها عليه في حال لم تقترف ما هو أسوأ بحقّه دون رادع من ضمير!».
يقف ترامب علي النقيض كزير نساء، علي أنّي أزعم أنّه يكاد يُشبه موزبروجر في كراهيته البارانوية للنساء أكثر مما قد يتراءي. فلا مؤشر إلا في القليل النادر علي انجذاب ترامب الجنسي الأصيل للنساء، وقد ذكرت إحدي زميلاته بالمدرسة لصحيفة النيويورك تايمز أنّ ترامب كان مشغولًا بصفة أساسية بالكيفية التي قد تراه بها النساء: »‬بالنسبة لترامب، لسن سوي عَرْض». لا ريب أنّ ترامب يستغل النساء باعتبارهن علامة علي المنزلة، لكن احتقاره لهنّ ينفضح حين يغضب- النساء »‬خنازير سمينة»؛ »‬كلاب»؛ »‬صدور بلاستيكية» والأكثر كشفًا، »‬يقئن دمًا» كما جاء في تعليقه سيء السمعة علي ميجين كيلي بعد المناظرة الجمهورية الأولي في أغسطس 2015: »‬تستطيع أن تري أنّ دماءًا كانت تنزف من عينيها، ومن كل جزء فيها».
في فقرة غير منشورة من رواية رجل بلا صفات، تقع الخادمة راشيل في هوي موزبروجر مُسبغة عليه شكلًا يملؤه دون صعوبة بشخصيته الكونية غير الواضحة:
»‬لم تكن راشيل تري في موزبروجر البطل الذي لا ندّ له علي الأرض- لأنّ المقارنة والتأمّل كانا ليقتلان قوة الخيال آنئذ- لكن كبطل فحسب، فكرة أقل وضوحًا لكن تمتزج بالزمان والمكان اللذان تتضح بهما وبالرجل الّذي يُثير الإعجاب. أينما يوجد أبطال يظل العالم ناعمًا ومتقدًا، وتبقي شبكة الابتكار».
لهذا يستنتج موزيل أنّ: »‬لو كان في مستطاع البشر أن يحلموا كشخص واحد، لكان هذا الحلم هو موزبروجر». ليس سوي ماعون فارغ عديم الشكل يُمكنه تشكيل نفسه حول هكذا حلم جمعي. من جانبها، تُشبع راشيل حاجة موزبروجر إلي أن يكون معشوقًا رغم احتقارها له، لكنها مُخلصة له بما يكفي كي يضربها فقط بشكل منتظم دون أن يقتلها.  كانت ماري برينر قد كتبت مقالًا في مجلّة فانيتي فير عام 1990 تصف فيه إيفانا ترامب بأنّها مخدوعة في دونالد هي الأخري:
عبارة »‬متلازمة ستوكهولم» يستخدمها الآن محامي إيفانا؛ مايكل كينيدي، ليصف علاقتها بدونالد. قال لي: »‬كانت لديها ذهنية أسيرة، وبعد فترة غدت عاجزة عن مقاومة آسرها، وبدأت تتماهي معه. إيفانا صمّاء؛ بكماء؛ كفيفة، حين يتعلّق الأمر بدونالد». في حال عمل دونالد ثمان عشرة ساعة يوميًّا، كذلك تفعل إيفانا ...  إذْ تذهب لتدير كازينو ترامب كاسل في مدينة أطلانطيك، وغالبًا ما تقضي يومين أو ثلاثة أيام كل أسبوع هناك في الإشراف علي الموظفين.
بالنسبة لشخص يعجز عن التعاطي العاطفي رأسًا برأس، يغدو مثل هذا التعبّد والتزلّف أحد الميكانيزمات القليلة للحفاظ علي علاقة مستمرّة. ربّما لا يكنّ ترامب احترامًا لمن يحترمونه، لكنه لا يصرفهم لأنّهم يُشبعون حاجته (الآن علي الأقل). سيتخلّص منهم لاحقًا، تمامًا كما سيستغني، أو يقتل موزبروجر، لا محالة، راشيل. لكن في الوقت الراهن، هُن يؤدين وظيفة نافعة.
> > >
كان موزيل يؤمن أنّ شخصًا كموزبروجر لا يُمكنه التواجد بمعزل عن مجتمع مُعين شكّله؛ ذلك أنّه عَرَض لأمّة مريضة تقيء قيمها المزعومة(حدد كاتب سيرة موزيل الذاتية؛ كارل كورينو، حبكة موزبروجر بأنّها قائمة تقريبًا علي النجّار كريستيان فويت الّذي غطّت صحف فيينا قضيته عام 1911 لاهثة الأنفاس). هكذا الحال مع ترامب، نجم تليفزيون الواقع الذي نال دعاية مجّانية لترشّحه دون أن ينفق مليمًا واحدًا.  يحتاج النرجسي إلي مرآة، ونحن نهبه إياها عن طيب خاطر. لقد أصبح ترامب بطريقة ما؛ وقد ولد ثريًّا، انعكاسًّا لطبقة المادون بروليتاريا الأمريكية التي تقوّض أيّما متاريس أمام النفاق،والتي تُقارع ضد التوغّل الوحشي للتمييز الديني وكراهية الأجانب المتفشيّة والتعذيب النشوان والعنف الشرير بالخطاب الشعبوي. فما دام التعبير عن هذه النزعات تسفر عن التزلّف الّذي يستهوي ترامب، فما من وخز لضميره جرّاء طرح أفكار علي شاكلة جدار المكسيك الكبير أو فرض حظر علي المسلمين، كما لا يعبأ بمسألة أنّ الناس صاروا مغفّلين بالقدر الكافي لأخذ هذه الأفكار علي محمل الجدّ. لكن متي يتعلّق الأمر بأي مضمون سياسي، عليه أن يغدو مرآة؛ إذْ لا مضمون سياسي خاص به.
كانت صناعة الصحف النمساوية قد عمدت للتشهير بالكاتب المُعاصر لموزيل؛ كارل كراوس، محدقين ببلاهة في فضائحه الشبيهة بفضائح موزبروجر في الوقت الذي كانت تحتفي فيه تلك الصحف بالعسكرة وقيم الإمبراطورية. يُصاحب صعود ترامب تسليع الاهتمام المُحايد علي الإنترنت؛ فما دامت بالونة الوسيط الإعلامي الجديد والتحليلات قد يسرا الفحص الميكروسكوبي لاهتمامات المستهلكين، صار التحليل يُجري دون اكتراث بعواقب تلك الاهتمامات. وتمامًا كما لا يعبأ دونالد ترامب بسبب اهتمامنا به، شهدنا صناعة الإعلام تلتفت للبروباجندا والعناوين الساخنة سعيًا منها لجذب انتباه القاريء. إنّ الخطورة من مثل عدم الاكتراث بالمحتوي هذا واضحة: فمن خلال الإبراز الغافل لمروّجي المخاوف والعشائرية، كدّست الآلة الإعلامية الجديدة قدرًا خطيرًا من الأضرار الجانبية.  
في فقّاعة اقتصاد عدد المشاهدات لكل صفحة والكبسات المحمومة، تتواري أسباب الاهتمام. وهكذا تغدو ماكينة جذب اهتمام دائمة مثل دونالد ترامب لا مُجرّد عَرَض بل جاذب: فقد حوّلته وسائل الإعلام إلي ظاهرة سعيًّا لجذب الاهتمام إليها، رغم إنكار الأعضاء الجادين بالصحافة قدرته علي أن يُصبح مرشحًا. فعلي كل الأحوال، لم يكن سوي محاولة لجذب الانتباه يفتقر إلي أي برنامج سياسي حقيقي. لكن للأسف، مثل هذا الحدّ الفاصل بين السياسة والاهتمام لم يعد ذا معني.
فقط في عالم يكون فيه الاهتمام الفجّ هو الغاية الأخيرة يصبح في مستطاع ترامب أن يغدو مرشّحًا رئاسيًّا؛ فمن خلال صمّ آذانه عن كل الدوافع الداخلية وراء تعظيم الذات، يُعدّ ترامب بشكل غريب غير قابل للفساد، بل ومعاندًا لأن يروضه المُلقِّن أو سفنجالي »‬شخصية خيالية في رواية لجورج دو موريه-المترجم». كذا لن يتمكّنوا من التلاعب به، كما لن يتمكّن من خيانتهم؛ لأنّه يرفض أن تكون له أي مباديء. يكتب موزيل عن فصاحة موزبروجر الداعرة: اكان هذا جنونًا صريحًا، وبالوضوح ذاته، ليس أكثر تشويه لمكونات وجودناب. إنّ سِرّ ترامب هو أنّه ما من سِرّ. فهو لوحة لبولوك لطخناها بقيئنا وخرائنا. وفي تلك الفوضي الناجمة، نستطيع تقريبًا رؤية صورتنا.

عن لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس.