رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

تتمّة جديدة لبورتريه سيدة: جون بانفيل يروي لنا ما ستفعله بطلة هنري جيمس!


توماس ميلاي ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر
12/2/2017 10:49:26 AM

كانت حقيقة مُعترفا بها علي أوسع نطاق، علي الأقل وقت صدورها أول مرّة، أنّ خاتمة رواية هنري جيمس "بورتريه سيدة" مبتورة بصورة لا يُمكن قبولها. مُسلّمة أقرّها الجميع عدا هنري جيمس نفسه. كان الأخير يوبِّخ جورج إليوت لأنّها كانت تفيض في شرح خواتيم رواياتها بتفصيل مسهب (في الحقيقة، سنعي ما يقصده جيمس في حال قرأنا الفصل الأخير وخاتمة رواية صآدم بيدش)؛ لذلك لم يكن يعتزم ارتكاب الخطأ ذاته. يصلح القول إنّ جيمس استعان بحكمه النقدي علي إليوت تبريرًا لتغاضيه عن استكمال نصّ بلغ طريقًا مسدودة؛ لتفنيد آراء القراء الّذين يطالبون بجزءٍ آخر يُضاف إلي البورتريه الّذي يتركنا في نهايته فريسة لنفس السؤال الّذي ظلّ يراودنا طوال صفحات الرواية، ويراود بطلها أيضًا رالف تاتشيت، بل وراود في الواقع جيمس نفسه حين بدأ كتابة الرواية وهو: ماذا ستفعل إيزابيل آرتشر؟ وهو السؤال الذي يظل، كما كان في السابق، سؤالًا رائعًا. في روايته الأخيرة االسيدة أوزموندب سعي الروائي الأيرلندي جون بانفيل للإجابة علي السؤال الّذي لم يجب عنه جيمس سوي جزئيًّا؛ ذلك أنّ الرواية تُعدّ امتدادًا شافيًا لقصة إيزابيل.
ليست هذه هي المرّة الأولي التي يستثمر فيها بانفيل عملًا أدبيًّا سابقًا؛ فقد كتب الأخير عام 2014 الشقراء ذات العيون السوداء: رواية لفيليب مارلوش مستخدمًا اسمه المستعار بنيامين بلاك، وهي مدخل ليس بعيدًا عن عالم رايموند شاندلر الميلودرامي بشكل مُحبب (ككل أعمال شاندلر بصفة عامّة) وامتداد لروايته الوداع الطويل. يعتبر بانفيل هذه الرواية إلي جانب روايات أخري كتبها تحت الاسم المستعار بنيامين بلاك، تجارب في الشكل الروائي حيثُ تمثِّل الحبكة ركنًا هامًّا، بخلاف الروايات التي يصدرها باسمه؛ بانفيل. فالأعمال الأخيرة لبانفيل، مثل روايتي »البحر والقيثارة الزرقاء»‬ أعمال حداثية وإن يكن بالحدّ الأدني لمفهوم الحداثة حيثُ ما من أحداث هامّة تُروي. فهي سبر نرجسي مُدقّق لترحال الوعي دون هدف بمواجهة الطبيعة والتناهي والفنّ والدناءة الأخلاقية. ما أودّ قوله هو أنّ بانفيل إنْ أراد أن تكون لعمله حبكة ما، فهو يأتي بها من مكان آخر.
> > >
»‬السيدة أوزموند» مثال خاص وجديد علي هذا المبدأ؛ فالحبكة بشكل ما مستعارة من هنري جيمس كما هي بشكل ما من اختراع بانفيل نفسه، وإن يكن هذا الاختراع قد اكتسب زخمه من دراية عميقة برواية جيمس. رغم ذلك، توفِّر كتابة تتمة لواحدة من روايات هنري جيمس بالنسبة لبانفيل، إمكانات فنيّة لم تكن حاضرة في الحبكات التي استعارها من قبل، والتي أتت من قصص إثارة أو قصص بوليسية ساخنة. إنّ ما يجعل رواية السيدة أوزموند جديدة هو أنّها الاستعارة من هنري جيمس (وليس من أجاثا كريستي أو إدموند كريسبن علي سبيل المثال) تسمح لبانفيل أن يمزج بين حبكة مثيرة للاهتمام والتدفق المُغري للغة واستبطان ملتو تشتهر به رواياته. والنتيجة توليفة من مساعي بانفيل في كتاب يضم حبكة ونصّاً بارعاً.
لا يتجلّي كل هذا إلا عند إمعان النظر؛ وهو ما يندر أنْ تعبأ به قارئة تجالس كتابًا للمرّة الأولي، لن ترغب سوي في معرفة ماذا يحدث لإيزابيل. وعن حقّ: فإنّ إيزابيل آرتشر أهمّ بكثير من التحولات والانعطافات الفنية التي صنعها بانفيل، والتي أجد إغراءً في القول إنّ أهميتها تقتصر علي تهيئته للقيام بهذه المهمة، والوفاء بها علي أكمل وجه.
سيُريح القراء معرفة أنّ إيزابيل في أيد أمينة؛ إذْ لبانفيل موهبة في ابتكار تصرفات غير متوقّعة وإن تكن مُطابقة لطريقة تصرّف الشخصية الأصلية بدقّة. فعلي سبيل المثال، ترفض إيزابيل بالأيام التي تلي وفاة ابن عمّها وحبيبها رالف ارتداء ثياب حداد لائقة، فتوبّخها خادمتها ستينس بشكل صريح - رغم أنّها تجد نفسها عاجزة عن الاستمرار بهذه النعمة الاجتماعية المتوقّعة جِدًّا؛ ذلك أنّها لا تتناسب مع مشاعرها نحو رالف. يقدِّم بانفيل بعض التخمينات بشأن سبب عدم التناسب هذا مثلًا، سوي أنّها لا تبدو ضرورية بالمرّة طالما يتماشي تصرفها مع شخصية إيزابيل تمامًا- رغم صعوبة تفسير ذلك؛ ذلك أنّه يبدو سليمًا كما هو خجل إيزابيل بسبب ما كشفته الكونتيسة جيمناي(حتّي مع كون إيزابيل هي من تعرّض للظلم) وحلّها البارع للمشكلة التي تُدعي مدام ميرل.  
رغم موهبة بانفيل الكبيرة والواضحة في الحدس فيما يتعلّق بما ستفعله إيزابيل، إلا أنّنا نستغرق وقتًا طويلًا قبل أن نعرف ما يجري. لا بالحالات البسيطة كما في ثياب الحداد، بل بمسألة زواج إيزابيل من السيد جلبرت إزموند. في البداية، يُضفي هذا التأخير تشويقًا للرواية، لكن إيزابيل نفسها تبقي عالقة وقتًا طويلًا ما يجعل حركة السرد تعاني بطء الإيقاع. لكن قبل أن نتخلّي عن هذا الكتاب، علينا أن ننتبه إلي أنّ المماطلة في حبكة بانفيل تعكس ما تقاسيه إيزابيل نفسها- وهو تردد هائل، قبل أن ترمي الزهر  ونعرف أخيرًا ما ستفعله إيزابيل آرتشر.
إن كان لي أن أعتب علي بانفيل لعاتبته بالقول إنّ الفصل الثاني والأربعين الشهير من بورتريه سيدة، حيث تقضي إيزابيل ليلة كاملة أمام مدفأة تفكِّر  ممعنة في قدرها وخياراتها المحدودة، فصل ناجح لأنّه يظل كذلك، مُجرّد فصل في رواية لا يشغل قسمًا كبيرًا منها. في حين يشغل الجزء الأكبر من الكتاب ما يُعدّ مسئولًا عن جعل بورتريه سيدة رواية عظيمة: حوار بارع مفعم بالحيوية عميق نفسيًّا. يستعرض بانفيل قدرته علي كتابة مثل هذا الحوار في الجزء الثاني من روايته، لا سيّما خلال اللقاء المتفجِّر بين إيزابيل والسيدة تاتشيت، لكن هذه المهارة أقل وضوحًا في الجزء الأول المسرف في الاستبطان.
> > >
سبب آخر يجعلنا لا ننحي الكتاب جانبًا- وهو في الواقع ما دفع البعض ممن اختاروا الكتاب لقراءته- هو أنّنا طيلة هذه المُدّة ونحنُ مأخوذون بلغة بانفيل. أولئك الذين قرأوا له من قبل سيعرفون الأنشودة المغوية التي ينسجها، فحتّي لو أرادنا أن ننحي القصة جانبًا، فلن نستطيع ذلك. ينطبق ذلك علي رواية »‬السيدة أوزموند» لا حين يصف مشهد فلورنسا كما بالصفحة الافتتاحية البديعة للجزء الثاني من الرواية، بل أيضًا بالعبارات المشغولة بإتقان والتي توضح نصّه الأصلي بطريقة مدهشة ومُبهجة.
خلال تلك العبارات، يقدِّم بانفيل نفسه بوصفه مفسِّرًا فائق القدرة لكتاب جيمس. فعلي سبيل المثال، يرتسم علي وجه بانسي أوزموند بالقرب من أبيها: "قناع مألوف من الطاعة البنوية"؛ وُتفشي الكونتيسة جيمناي أسرار ميرل وجيلبرت أوزموند لإيزابيل بدافع من "العطف الحانق"؛ وتلاحظ إيزابيل أثناء الفرار من كاسبار جودوود وقبلته، أنّه بالنسبة لها: "أحد أشكال الروح القدس الجهنمية"؛ وحين تتخيّل إيزابيل عواقب زيجتها المصدوعة تتعلّق عيناها: "بذلك الشكل الخاص الذي سيكون عليه ما بقي من حياتها". في تلك الحالات وكثير من الأمثلة الأخري، يترك القاريء الرواية ولديه فهم أفضل لشخصيات وحبكة بورتريه سيدة نفسها.
هذه القدرة علي التأويل تُعدّ مفتاحًا أيضًا لنجاح خاتمة الرواية، حين نحصل أخيرًا علي إجابة للسؤال المتعلِّق بمصير إيزابيل، وهي الإجابة التي ظلّ القراء يتوقون إليها منذُ عام 1881. ذلك أنّ هذه الخاتمة تُلبي بدقة ما كانت تدور حوله رواية »‬بورتريه سيدة» دائمًا- حُرية امرأة شابّة. تتساءل الرواية: كيف ستبدو الحرية بالنسبة لامرأة كهذه؟ وما هي شروطها؟ وما هي كلفتها؟ وكيف يُمكن عرقلتها؟ وكيف يُمكن استعادتها؟ إنّ عُمق بانفيل كمفسِّر لجيمس يعوِّل لا علي العبارات الوصفية القصيرة، بل علي الحدس الذي يُعد تحديدًا المحكّ الأساسي في بورتريه سيدة. كما أنّ ما يستحق الثناء هو أنّ بانفيل لا يخجل من الإدلاء بإجابات علي أسئلة تم ذكرها للتو. حيثُ ترد تلك الإجابات بشكل رئيسي بالثلث الأخير من الرواية، الذي ما أن يبلغه القاريء حتي يعود تشويق الحبكة.
> > >
لا تزال خاتمة حكاية إيزابيل - لن أفسدها هنا - خاتمة مفتوحة. إذْ لم ينتهك بانفيل وسواس جيمس من خلال إفشاء كل التفاصيل. رغم ذلك يدرك القاريء ما جري من تحولات، أكثر بكثير مما هو الحال في رواية جيمس الأصلية، فنترك إيزابيل مكتملة التشكّل؛ علي سجيتها؛ خالية من الأوهام التي كانت تسكنها ولديها حرية الحرية في التصرف الهادف. لا يهم سواء كان لديها رجل إلي جانبها من أجل هذه الأفعال أم لا؛ إذْ يكفينا أن نعرف أنّها أصبحت ما تمنّت أن تكونه: امرأة لديها حرية أن تكون ذكية؛ حُرّة في استخدام هذا الذكاء في عالمها لصالح الآخرين. لقد منحنا بانفيل هدية عظيمة؛ ذلك أنّنا نعرف الآن، لحسن الحظّ، ما ستفعله إيزابيل آرتشر بنفسها ونحن- رغم كل ما عانته- سعداء لأجلها. إنّ قِصّة إيزابيل من غير ريب قصة انتصار، كما كان ينبغي، وكما هي الآن.
عن لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس.