رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

بنات حواء الثلاث: أليف شفق والبحث عن اليقين والرب


ممدوح فرّاج النّابي
12/2/2017 10:51:59 AM

قرأتُ رواية أليف شفق الجديدة » بنات حواء الثلاث»‬ وقت صدورها باللغة التركيّة في أواخر عام 2016، ثمّ كتبتُ عنها مقالة قصيرة في جريدة العرب اللندنيّة، تناولتُ من خلالها الطريق الثالث الذي قادتْ إليه أليف شفق أبطالها في الرواية؛ وتصفه هكذا »‬الطريق إلي معرفة الرَّب لا في الدين ولا في الشّك. وإنما من خلال التوحُّد والانعزال» فكما تقول: »‬ثمّة سبب يجعل كل هؤلاء النُّساك والزُّهاد ينعزلون في الصَّحراء لتحقيق مسعاهم الروحي. وفي رفقة الآخرين؟» (الرواية، ص 557). وقد جاء هذا الخيار كحلّ توفيقي للخروج بسلامٍ بعد أزمة الهُويات العاصفة علي اختلافها؛ دينيّة، وسياسيّة، وثقافيّة التي أوقعتهم فيها انقسامات إيديولوجيّة حادّة، لم يكونوا طرفًا فيها، وإن كان أثرها فادحًا كما ظهر في حالات الانقسام والتردُّد والفشل التي انتهت إليه علي الأقل البطلة الرئيسية پيري. وعندما صدرت الترجمة العربيّة لم أتحمس لقراءة الرواية، ولكن بعد فترة قليلة جرتْ أُمورٌ دفعتني إلي إعادة قراءة النص في نسخته العربية؛ حيث ثمة تشابكات بين هذه الحوادث وما مررته أليف في مرويتها.

مَرْضَي جذب الانتباه
كانت الحادثة الأولي تتمثّل في اعتراف أليف شفق علي منصّة TED حيث يتشارك الأشخاص المؤثّرون تجاربهم المُلهِمة مع الجمهور، دون خوفٍ من ردود الأفعال بقولها »‬لم أكن أملك الشجاعة لأُعلن علي المَلأ بأنني مزدوجة الميول الجنسية Bisexual، فقد خشيتُ من السخرية والكراهية التي سَتلِي إعلاني هذا» بالتأكيد ــ لم يمر هذا الاعتراف بسهولة كما كانت تأمّل أليف بل علي العكس تمامًا جاءت الردود قاسية بل شديدة القسوة، فانهالت التعليقات المُحَقِّرَة والسَّاخرة من أليف، لدرجة أن الصحفي في جريدة »‬حُريّيت» ومُقدِّم البرنامج الشهير علي قناة (D التركية) أحمد هاكان، عبَّر عن غضبه مِن تصريحاتها في مقالة بتاريخ 16 أكتوبر الماضي بعنوان »‬بطل في جذب الانتباه» وضع فيه أليف - إلي جانب الكاتب أورهان باموق وأرطغرل أوزتورك- بين مجموعة ممّن سماهم »‬ مَرْضَي جذب الانتباه». وقال هاكان »‬لو كانت هناك جائزة لمرَض لفت الأنظار، فالرابحة ستكون أليف شفق». كما سخر الكاتب من تبنّي مواطنته لقضايا عديدة رأي فيها تناقضًا »‬ففي بعض الأحيان تجدُها ليبرالية، وفي أحيان أخري صوفيّة، أو باحثة عن معني الإنسان... والآن تتجه نحو الجنس». انعكس كلام هاكان علي الرواية التي صدرت حديثًا باللغة التركية، فانقسمت آراء القرّاء علي مواقع التواصل الاجتماعي حول الرواية بين مدافع عن وجهة نظر أليف وبين رافض لما أعلنته. الغريب أن مَن هاجموا أليف لم يقرأوا الرِّواية، التي تحمل هاجسَ شفق حول القضايا الإشكاليّة التي تستشعر خطرها نحو بلدها التي تصف نفسها دائمًا بأنّها تركيّة الأصل، ففي حوار لها مؤخَّرًا تقول إجابة عن سؤال: ما الذي كان يشغلها أثناء كتابة هذه الرواية (أي بنات حواء الثلاث)؟ فأجابتْ: »‬دقّقت بتمعن في المجتمع التركيّ والأوضاع النفسيّة لأفراده. إنهم يستنشقون الخوف مع الهواء، ويشعرون بقلق دائم ومستمر. وقد لاحظت هذا في كل مستوي من مستويات المجتمع التركيّ  قد يكون مستترًا أحيانًا ولكنه عميق، فإذا انفجر شيء ما في مطبخ في إسطنبول تجد الجميع يلقون بأنفسهم علي الأرض، معتقدين أنها قد تكون قنبلة. وهو ما يعني أن أليف عكس ما ذكر الصحفي ومقدم البرامج الشهير، بل هي تراقب عن كثب فيكفي أن روايتها الجديدة تشي بهاجس الخوف الذي يراود كل تركي الآن بعد توغُّل العمليات الإرهابية داخل العمق التركي. ومن ثم ليس مصادفة أن تبدأ الرواية بحادث سرقة »‬حقيبة يد» البطلة في شوارع إسطنبول، وتنتهي بحادثة إرهابية، تمثّل في اقتحام مجموعة إرهابية للمنزل المقام فيه عشاء رجل الأعمال. واختيار المكان واستهداف الفئة التي تمثّل لشرائح مُهمِّة في المجتمع التركيّ؛ فهناك الصحفي ذو الخلفية الدينيّة، ورجل الأعمال الرأسمالي، والمهندس ذو النزعة القومية، إلي جانب فئات من الطبقة البرجوزاية وسيدات أعمال... إلخ. كل هذا كان مختارًا بعناية فائقة، حتي حواراتهم علي مائدة الطعام عكست جدلاً حول الأزمة الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط برمتها. ومن ثم فالجميع بلا استثناء مهددون. وهذه نظرة استشرافية للكاتبة التي كتبت نصها قبل هذه الحوادث الإرهابية التي جرت مؤخّرًا في إسطنبول وأنقرة، ومدن أخري متفرقة في تركيا. أضف إلي ذلك حالة القلق التي بدت عليها شخصيتها الأساسية پيري في علاقتها المتذبذبة مع الله التي وصلت إلي حدِّ المُخاصمة بعدما لم يتحقَّق لها دعاؤها بخروج أخيها أُمت من السّجن. المهم أن القلق انتاب جميع الشخصيات علي اختلاف إيديولوجياتها، فالأب السّكير والماركسيّ دومًا في حالة قلق، والأم سلمي الملتزمة دينيًّا والتي تُراعي الله في كلّ تصرفاتها وزارت بيته الحرام، دائمًا في حالة قلق لا تدري مِن أين علي الرغم من أنها الوحيدة التي سلكت طريق الإيمان الذي في نظرها هو طريق الخلاص.
العامل الثاني الذي دفعني للعودة للرواية، هو ما أعلنه السّيد رجب طيّب أردوغان رئيس الجمهورية، قبل أسبوعين من تصريحات أبدي فيها حزنه البالغ للإساءة التي حدثت بسبب الأبراج العالية التي غطّتْ علي الطابع التاريخي الإسلامي لمدينة إسطنبول فقد قال بتأثّر دون أن يُبعد نفسه عن المسئولية انحن لم نعلم قيمة هذه المدينة الاستثنائية، أَهَنا هذه المدينة، وما زلنا نستهين بها حتي اليوم، وأنا أيضًا من المسئولين عن هذا الأمر. كما لفت إلي أنه يجب الحفاظ علي الطابع التاريخي للمدينة وكل الآثار التي تشير إلي جميع الحقب التاريخيّة التي مرّت بها من البيزنطيين والرومان والدولة العثمانية وغيرها، وأضاف: يجب أن تبقي هذه المدينة تحمل روح الأجداد ومنقوشا علي خشبها تاريخها الطويلب (حسبما نشرت الصحف).
المعمار سنان
قد يتساءل القارئ ما علاقة الحادثتيْن بالرواية؟
في الحقيقة أن أليف شفق كانت سبَّاقة في الإشارة إلي ما لحق بهذه المدينة العريقة من إساءة أفرغتها من طابعها الذي أُسِّسَتْ عليه. ففي رواية »‬قصر القُمَّل» تطرقت لحالة العبث التي صاحبت قيام المدينة الحديثة علي أنقاض المدينة القديمة، وكأنّها صرخة احتجاج علي ما حاقَ بتراث هذه المدينة، ثمّ في روايتها »‬الفتي المُتيّم والمعلّم» أو »‬أنا ومُعلِّمي» كان ثمّة إشادة تامة بهذه المباني التاريخيّة، وقدمت الرواية إلي جانب طابعها التاريخي الصُّورة الحضارية للمدينة بإبراز معالمها الأثريّة التي شيَّدها المعمار سنان كما يطلقون عليه. المتابع لروايات شفق يجد ثّمة استحواذًا لهذه المدينة بعاداتها وتقاليدها المُستمدَّة من تراث شرقي محافظ وأصيل وتاريخها الثرّي علي تنوّعه علي أعمالها، حتي لو دارت بعض أعمالها في مدن أخري، كما في رواية »‬إسكندر» التي تُرجمت إلي العربيّة باسم »‬شرف» حيث دارت في مدن عديدة؛ كلندن ودبي إلّا أن إسطنبول كانت حاضرة بل ظلت المركز الذي طاردت لعنتها الشخصيات الهاربة في رحلة اغترابهم. وفي الرواية الجديدة »‬بنات حواء الثلاث» تدافع أليف عن هذه المدينة وأيضًا ترفض كافة الوسائل التي سعت إلي تغريبها، وتشويه معالمها، وهو ما ظهر بوضوح في نبرة النقد اللاذع لما آل إليه حال المدينة في استهلال الرواية. علاوة علي أنها أظهرت حالة القلق التي سيطرت علي شفق علي هذه المدينة ليس فقط علي مستوي تصارع الهويات داخلها؛ الهوية الإسلامية التي تشدُّها إلي ماضي الخلافة الإسلامية، والهُوية التركية الحديثة التي نشأت مع إعلان تأسيس الجمهورية التركية، وإنما ــ أيضًا - أظهرت قلقها علي ما اعتري هذه المدينة من إهمال وتغيُّر في هويتها لأسباب غير معلنة، فعلي لسان الراوي المتوحِّد مع المؤلف الضمني نري صوت شفق وهو يقول »‬لقد توسعت إسطنبول علي نحو لا سبيل إلي السيطرة عليه، وظلت تتمدّد وتتوزّع مثل سمكة ذهبية منتفخة، غير مُدركة أنَّها التهمتْ ما هو أكبر من طاقتها علي الهضم، ولاتزال تبحث من حولها عن مزيد لتأكله».
تتكوّن الرواية التي جاءت في 606 صفحات من القطع المتوسط (في طبعتها العربيّة الصَّادرة عن دار الآداب 2017، بترجمة محمد درويش) مِن أربعة أقسام متفاوتة في الحجم، عنونت كل مقطع من المقاطع المكوِّنة للقسم بعناوين فرعية، جاءت في بعضها كتلخيص لأحداث الفصل، أو اقتباس لجملة علي لسان إحدي الشخصيات، أو جملة تمثلت لقيمة معينة داخل الفصل كالفصل المعنون بالعار، وهي في مجملها مقاطع قصيرة، غلب عليها السَّرد الخارجي الذي كان يقوم به راوٍ خارجي يسرد عن قرب، وإن كان في بعض المواضع غلبت عليها الحوارات والتي جاءت كاشفة للتيمة الأساسية للرواية، حيث الصّراع في الهويات خاصّة في القسم الأخير، كالحوارات التي دارتْ بين ضيوف وجبة العشاء فيما بينهما، أو تلك التي كان فيها حضور الشخصيات الثلاث؛ بيري وشيرين ومني وصراعهم حول الأستاذ آزور أستاذ مادة الإله (الرب) في الجامعة. يتراوح فضاء الرواية بين مكانيْن أساسييْن الأول هو مدينة إسطنبول، وقد بدأت الأحداث منها، حيث كانت بمثابة مكان التكوين الأول ووسمها بهذه الذبذبة أو التردد الذي بدت عليه پيري أو اناز پيري نَلْبَنت أوغلوب (وفقًا للاسم التركيّ وليس كما ترجمه درويش)، ثم أوكسفورد حيث انتقال پيري للدراسة في جامعتها، في بداية الألفية الجديدة، متزامنة مع أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو المكان الذي ذهبت إليه پيري ليس كما رَغِبَ أبوها في أنْ تحقَّق الفخر للعائلة بالانتساب إليه، وإنما كي تبحث عن الطريق الثالث أو السَّلام النفسي بعد صراعها حول ماهية الرب! مثلما تتوزّع أحداث الرواية علي مكانيْن وإن كانت تحضر مصر وإيران عبر حضور الشخصيات المُمثِّلة لهذه المناطق شيرين الإيرانية، ومني الأميركية ذات الأصول المصرية. فإن أحداث الرواية تتوزَّع علي زمانيْن أحدهما حديث نسبيًا، وهو زمن لم يستغرق ليلة واحدة من عام 2016 وهي الليلة التي ذهبت فيها پيري الأم لثلاثة أطفال، والزوجة الحريصة علي مشاركة زوجها عدنان رجل الأعمال واجباته الاجتماعية إزاء مرءوسيه إلي وليمة الطعام. وكانت ليلة حافلة بالأحداث، بدءًا من سرقة الحقيبة واستعادة ماضي پيري أثناء التحاقها بجامعة أوكسفورد للدراسة. وآخر طويل نسبيًّا حيث يمتد من بداية الثمانينيات والتسعينيات وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد تضمن خيطًا سرديًا سيريًّا، وهو يتتبع سيرة هذه البطلة منذ ولادتها في أحضان هذه الأسرة المُنقسمة علي نفسها؛ فالأمُّ مُسلمة مُتشدِّدة والأب ماركسي عتيق مهندس عمل بحارًا علي ظهر سفينة طاف أصقاع الأرض في شبابه، كان الأب منصور مولعًا بالقول »‬إنني لا أقامر، ولا أسرق، ولا أقبل الرشوة، ولا أدخن، ولا أطارد النساء، والمؤكّد أنَّ الله سوف يرأف بمخلوقه العجوز علي هذا الصنيع الشنيع» (الرواية: ص35). في هذه الأجواء نشأت پيري وإنْ كانتْ مالتْ إلي جانب أبيها بعض الشيء. تُقدِّم شفق في صورة پيري نموذجًا لمرأة مثالية؛ فهي امرأة مُسلمة مسالمة تدعم الصدقات، وتُساعد المحتاجين، وأيضًا تتطوّع في بيوت المتقاعدين. تهتم بدروس أبنائها وتعتني بزوجها وأيضًا بالعاملين معه. والأهمُّ أنّها امرأة وطنيّة فهي لا تُفسد نظافة الشارع ولا ترفع صوتها إذا عوملت معاملة غليظة؛ فصارت ازوجة رائعة، وأُمًّا رائعة، وربة بيت رائعة، ومواطنة رائعة، ومسلمة عصرية رائعةب. فحالة الانقسام التي بدت عليها العائلة كان تأثيرها فادحًا، حتي قبل أن تذهب إلي أوكسفورد وتلتقي صديقتيها وأستاذها. كان ثمة انقسام داخلي جعلها تكتب في مذكراتها: أما من وسيلة أخري، مكان آخر للأمور التي لا تقع ضمن نطاق الإيمان أو اللا إيمان، ولا الدين الخالص أو العقل الخالص طريق ثالث لمن يشبهني من الناس؟ لا أولئك الذين لا تناسبهم مثل هذه الثنائيات التي يرونها جامدة أكثر ممَّا يجب؟ أشعرُ أحيانًا كأنني أفتش عن لغة جديدة، لغة وحيدة لا يتكلمها أحد سوايب (الرواية: ص 98).
تبدأ أحداث الرواية في عام 2016، حيث الأمّ پيري تذهب مع ابنتها دينيز إلي وليمة أعدَّها رجل أعمال »‬جني أموالاً طائلة في السنوات القليلة الماضية» وهي في طريقها إلي المدينة تُقدِّم صورة لموقفها من المدينة إسطنبول وضجرها من ازدحامها وتلوثها كما دار في الحوار بينها وبين ابنتها دينيز في السيارة. وبينما الإشارة متوقفة بسبب الزحمة، وفي لحظة فتح الإشارة تمتدُّ يد وتسرق حقيبتها. وفي موقف مفاجئ للابنة تخرج الأم ملقية بحذائها ومُتحرِّرة من كلّ شيء خلف السارق غير مبالية بضحكات السائقين أو أصوات آلات التنبيه أو حتي احتجاج ابنتها ولومها علي ما تفعل وخاصّة أن الحقيبة ليست ماركة أصليّة. تُجاهد الأم في الحصول علي حقيبتها، وهي صورة أكثر من إيجابية أرادت بها شفق أن تقدم بها المرأة التي تريدها، لذا دومًا تدافع عنها وتدعمها. اللافت أن هذا الدور الذي لعبته في بداية الرواية لم يكن هو الدور الإيجابي الوحيد الذي أبرزت فيه دور المرأة، وموقفها ممن يغتصب حقّها. بل كانت أكثر إيجابية عندما اتصلت بالبوليس في نهاية الرواية بعد حدوث العمل الإرهابي علي المنزل المتواجدة فيه مع العديد من الأصدقاء. وبالفعل تنتهي الرواية بخروجها من خزانة الملابس وأصوات سيارات الشرطة قد وصلت المكان، أشبه بنهاية مفتوحة وإن كانت مرعبة!
صراع الهويات
من الممكن النظر إلي الرواية علي أنّها تُناقش صراع الهُويات علي مستوي مناطق الشرق الأوسط؛ حيث الإيديولوجيات المختلفة والمتناحرة في آن واحد، فشيرين تُعبِّر عن صراع حكم الملالي، فكان غطاء الرأس هو الدافع إلي المنافي المتعدِّدة التي لجأت إليها أسرتها إلي أنْ استقرت في لندن، وبالمثل كانت حالة التغريب التي شعرت بها مني التي تنتمي إلي بيئة لا تقل انفصالاً عن بيئة بيري،فوالد مني حريص علي التّمسُّك بالدين أمّا الأم وأختها فقد اختارتا الحرية وعدم ارتداء غطاء الرأس. ومن ثمَّ كانت أزمات الشخصيات وحيرتهن راجعة إلي إكراهات إيديولوجيات وانقسامات داخل الأسرة، لذا كان الملاذ في دروس الأستاذ آزور ــ كما توهمنّ - أستاذ مادة الإله، والذي يختار طلابه بعناية خاصة، بحثًا عن مخرج من حالات الصراع الداخلي، ولكن مع الأسف تواجدهن في دروس الأستاذ آزور، زاد من الهوة خاصة بعد اكتشافهن أن آزور هو ما دفع من الخلف ليسكن في بيت واحد، وكأنه يضع مواد تجاربه أمام عينيه وفي مكان واحد ليراقب هذا الصّراع. وقد أخذ هذا الصِّراع مَنحيً مختلفًا بعد تورط بيري في حبّه، ثمّ خوفها من الاغتصاب وهي الفضيحة التي طُرد علي إثرها آزور من الجامعة، وعادت بعدها بيري إلي إسطنبول دون أن تكمل دراستها في الجامعة.
لا تقف حدود الصراعات أو الانقسامات بين الأب منصور الماركسي وزوجته سلمي المتدينة إلي حدّ التشدّد، عند الاختلاف في الآراء الحياتيّة وإنما شملت أيضًا الاختلافات الهدف الذي ينشده كلاهما من الابنة پيري. فالأب أرادها أن تلتحق بأوكسفورد دون غيرها من جامعات أوروبا منذ أن رأي شموخ هذا السائح الذي ساعده عندما قَدِمَ إلي إسطنبول خشية تعرًّضه للسّرقة، وكان دومًا يدعمها قائلاً: »‬التعليم يا روحي. التعليم هو الذي سينقذنا. أنتِ فخر أُسرتنا التي لا تعرف الفرحة، والآن ينبعي لكِ أن تتلقِّي تعليمك في بلاد الغرب. هناك الجامعات الممتازة في أوروبا، لكني أريدك أن تذهبي إلي أوكسفورد وهناك ستملئين رأسك بالمعرفة، وبعدها سوف ترجعين إلينا. أمثالك من الشُّبان هم وحدهم القادرون علي تغيير مصير هذا البلد العجوز» (الرواية: ص 122). أما الأمّ فكانت تدعوها لشيء آخر تمتثل فيه للأنساق الشرقية المحافظة علي التقاليد، والتي تختزل المرأة في بكارتها، فقالت لها وهي تودعها في أوكسفورد »‬...ابتعدي عن أولئك السيئين. التعليم مهمٌّ، لكن ثمّة أمرًا أكثر أهمية للفتاة. أتفهمين؟ وإذا فقدت ذلك الشيء؟ فلن تفيدك أي شهادة؟ أما الرجال فليس لديهم شيء يفقدونه. فعلي البنات أن يكن أكثر حذرًا» (الرواية :ص، 167)
الماضي المؤلم
هل خدعتنا أليف باستدعاء شخصيات مني وشيرين وآزور بحمولاتهن الإيديولوجية، وصراعاتهن حول الإله، لتصرفنا عن جوهر عملها؟
في ظني أن حضور الشخصيات الأخري؛ شيرين ومني وآزور لم يضف شيئًا للصراع المحتد داخليًا، وإن كانت أليف أرادت أن تقول إنَّ الأزمة ليست داخلية وفقط، فهي تشمل منطقة الشرق الأوسط برمتها. لكن الشيء المؤكّد أن الرواية تركيّة بامتياز تُناقش قضايا حساسة، ليست وليدة اليوم وإنما هي امتداد ميراث ثقيل من صراع الهُويات، ربما كان أكثر بروزًا في فترة الثمانينيات حيث اشتداد الصّراع بين القوميين والماركسيين وأصحاب التوجهات الدينيّة. وقد جعلت أليف الإطار الزماني للرواية يبدأ من هذه الحقبة المريرة في تاريخ تركيا، وقد تعرض لها من قبل أورهان باموق في روايته »‬ثلج»، وكذلك في رواية »‬البيت الصامت»، و»‬غرابة في عقلي» أخيرًا أوقف روايته الحديثة التي لم تترجم بعد »‬المرأة ذات الشعر الأحمر» عليها. وهو ما يعني اشتداد هذه الأزمة، ومع أنها بدأت مع تأسيس الجمهورية إلا أن الأزمة تفاقمت مع الانقلابات المتتالية بدءًا من انقلاب 1960 بقيادة جمال جورسيل الذي أطاح فيه برئيس الجمهورية جمال باير، ورئيس حكومته عندنان مندريس، ثم انقلاب عام 1971 الشهير بانقلاب المذكرة، إلي أن وصلت ذروتها في انقلاب 1980 بقيادة كعنان إيفيرن رئيس الأركان، وقد قام بإجراءات قمعية غير مسبوقة مازالت ماثلة في الذاكرة الجمعية التركيّة، والمدونة الأدبيّة علي الدوام تستدعيها. هنا أليف تقف عند هذه الأحداث، في صورة المآل الذي آل إليه أُمُت (وليس أُميد كما في الترجمة، وهو اسم بمعني الأمل) ابن منصور وسلمي، وما لحق پيري أيضًا من انكسار وهزيمة انتهت بفشلها في الدراسة وهي الطالبة المتفوِّقة، فعادت لتكون زوجة وأمًّا، لكن ذكري قصة حبها الفاشلة تراودها وتطل رغمًا عنها!
عبر شخصية أُمُت التي تستدعيها السَّاردة من الذَّاكِرة فهي ليست حاضرة كشخصية فاعلة لها دورها في الصراع الدائر في البيت، وإنما حاضرة كشخصية وقع عليها الفعل. فأمُت كان طالبًا في كلية الهندسة في الجامعة وقد تحوّل إلي شخص انطوائي، يُعلّق في غرفته صورًا لأشخاص لم يسبق لبيري أن رأتهم: ماركس وغرامشي وتشي جيفارا. وهو الوحيد الذي كان يُناديها بروزا، فلربما تصبح ثورية كما كان يأمل، تيمنًابروزا لوكسمبورغ الكاتبة الاشتراكية الألمانية. وقد وجهت له تهمة بأنه مُنْضَمٌ إلي خلية شيوعية خططت لسلسلة من عمليات الاغتيال ضد مسئولين في الدولة. كانت هذه الحادثة واحدة من أهم الحوادث التي أصابتها بالتذبذب والتشكك. وقد كانت في السابعة من عمرها. في الحقيقة حادثة أُمت كانت بمثابة صدمة للبيت جميعًا فعلي حد تعبير الراوية فقد »‬سلّط اعتقال أُمت الضوء علي أركان مظلمة من حالات الضعف والإخفاقات التي كانت أسرة نلبنت أوغلو تُخفيها عن نفسها وعن الآخرين علي حد سواء» (الرواية:ص، 112). ويكفي أنه عندما خرج من السّجن آَثَرَ العزلة، وعدم مشاركة العائلة أية مناسبة، وكأنه ينسحب من الحياة.
تصوّر شفق عبر شخصية أُمت حالات الاعتقال والاتهامات غير المُبرّرة التي كانتْ توجّه للثوريين في تلك الفترة كما أنها تُسهب في وصف صنوف التعذيب التي كان يتعرَّض لها الثوريون في داخل السجون والمعتقلات أو أثناء التحقيقات. لكن تكشف أيضًا من جانب آخر حالة الفزع من التأثُّر بالأفكار الثورية القادمة من الغرب، فكما عبر المفتش الذي جاء ليقتاد أُمت قائلا: »‬اللعنة علي أهل الغرب، إن كان لديهم مشكلة فهي مشكلتهم، أما في بلادنا فالناس جميعا سعداء، فنحن ليس لدينا طبقات، بل نحن لا نعرف حتي مغزي هذه الكلمة، هل سمعتم شخصًا ما يسأل: هيه، ما طبقتك؟ المؤكد لا، كلنا أتراك. انتهي الدين نفسه والجنسية نفسها والشيء نفسه في كل شيء؟ هل هناك ما لا تفهمه  في الكلام... مرت البلاد بثلاثة انقلابات كي تضع حدًّا لمثل هذا الهراء، واليوم يعود هذا الهراء. مُجدّدًا! أتظننا سوف نسمح بذلك؟» (الرواية: ص 54). وهذه الحالة من الخوف التي بدا عليه الجميع بعد اعتقال أُمت تُفسِّرُ في أحد جوانبها المهمة حالة الرفض المجتمعي لما حدث في انقلاب 15 يوليو 2015 الفاشل. فرفض الانقلاب لم يكن تعاطفًا مع النظام السياسي، بقدر ما هو خوف مِن تكرار ما حدث في انقلاب 1980، فمازالت صورة الاعتقالات والإعدامات حاضرة لم تفارق العيون ولا الأذهان.
ضدّ الأبوية
النقطة الثانية التي تناقشها باستفاضة أليف شفق في هذه الرواية، هي وضعية المرأة في المجتمع الأبوي كما تعلن دومًا. في النصِّ التركيّ الذي قامت أليف نفسها بترجمته عن الإنجليزية بالاشتراك مع أومجا أ.كورقان، وصدر عن دار »‬دوغان كتاب» نهاية 2016 في 200 ألف نسخة، ثمة تصدير أشبه بإهداء غير وارد في ترجمة النسخة العربية المأخوذة عن الإنجليزية التي تكتب بها مباشرة شفق، تخصُّ به شفق علي وجه التحديد المرأة التركية في كافة مناحي الحياة، تقول فيه إن هذا النص بمثابة دعم للمرأة التركية في إطار الإخوة؛ لما تتعرّض له النساء من انتهاكات وتحرُّشات وسوء المعاملة والتمييز في مختلف مجالات عملها؛ الأزقة والمدارس والعمل والبيتب. وهذه الإشارة تتواءم مع ما جاء في أحد حواراتها عن ارتداء مني إحدي شخصيات روايتها الحجاب حيث سألتها المحاورة:
"العديد من النساء يتساءلون: لماذا تختار بعض النساء تغطية رؤوسهن؟"
فترد شفق هكذا:
 "علينا أن نفهم هذه الأسئلة وغيرها. وهذا هو واحد من أكبر التحديات التي تواجه الحركة النسوية اليوم. ما يثير القلق هو أنه عندما قسموا النساء إلي فئات فإن المستفيد هو الوضع القائم المتمثل بسيادة المجتمع الأبوي. في منطقة الشرق الأوسط هناك مشكلة كبيرة لأن النساء يعشن متباعدات مثل الجزر. النساء المحافظات اللاتي يرتدين الحجاب في جزيرة، والمرأة العصرية العلمانية في جزيرة أخري. أنهن لا يدركن وجود أشياء مشتركة بينهن. وإذا استطعن ان يعشن مثل الأخوات، سيمكن التغلب علي صعوبات كثيرة."
في مشهد البداية حيث إصرار البطلة علي مطاردة السَّارق، إلي أنْ استعادت الحقيبة، دليلٌ علي الرِّسَالة القوية التي تريدُ توصيلها للمرأة كنوعٍ من الدعم لها، وكأنها تقول: »‬علي المرأة أن تطالب بحقِّها، بل وتسعي لاستعادته». وهذه واحدة من الرّسائل التي لا تنفصل عن رسالتها المهمّة (وقد فُهمت خطأ) وهي تعلن تأييدها المثلية الجنسية في برنامج TED. وكما أنها لم تكن الرسالة الوحيدة داخل الرواية، فثمة رسالة أخري كانت بمثابة صرخة عالية ضدَّ التقاليد الذكورية المُكبِّلة للمرأة، وهو ما عبَّرت عنه في تضامنها مع فريدة زوجة أخيها هاكان. فريدة المنتميّة إلي أسرة متدينة من طراز خاص، وهو ما انعكس علي ليلة زفافها فقد كان كل شيء إسلاميًّا، بما في ذلك الطعام والفندق وليلة الحناء التي استدعت فيها أسرتها مؤذنًا جذب الناس بصوته الشجي. فبعد انتهاء مراسم الزفاف أَعلن هاكان أنها ليست عذراء. فتنكر فريدة هذا الاتهام، عندها تصرُّ أمها علي الذهاب إلي المستشفي للكشف علي ابنتها، فتحتجّ شفق عبر صوت پيري الأخت الكبري لهاكان. ولكن تصرّ الأم كنوع من البحث عن دليل تبرئ ابنتها به في ليلة زفافها، ومن يومها وظلت هذه الصورة واحدة من صور المهانة التي استشعرت بها پيري، وكانت واحدة من العوامل التي جعلتها ناقمة علي الصِّراع الدائر بين أبيها الماركسيّ وأمهّا المتدينّة.
في الختام نتساءل:
هل تنفصل رواية »‬بنات حواء الثلاث» عن سيرتها التي نشرتها بعنوان "حليب أسود" وقد ناقشت فيها مسائل الأمومة وأصول التربية وعلاقة الكاتبات بالأبناء؟! في الحقيقة لا تنفصل الرواية الأخيرة عن هذه السيرة، علي الرغم من فارق جنس الرواية الذي تنتمي إليه "بنات حواء الثلاث" مقارنة بـ"حليب أسود" التي تنتمي إلي جنس السيرة الذاتية. فإذا كانت الأمومة كما ذكرت أليف مسئولية وهي ما جعلتها لا تفكَّرُ في الزواج، وخوفها من تجربة الحمل إلي تفكيرها في الإجهاض. هُنْا في النص الجديد علي الرغم مما يحتويه من أفكار مهمّة تعكس حالة الصّراع المتأجِّج في هذه المنطقة باختيارها ثلاث فتيات ينتمين إلي بيئات شرقية بامتياز مع فارق عوامل التنشئة، إلا أن النصَّ حافلٌ بتساؤلات عن هذه التنشئة فپيري مثلاً نشأت بوسط مُعقد حيث التناقض الظاهر إلي حدّ الانفصال. وعندما يدخل الابن الأكبر المهندس السّجن، فبدلاً من أن يوحِّد سجن الابن بين المعسكرين المتخالفين »‬راح يُبْعد بين أفراد العائلة وأصبحوا في حالة عداء فوجه الأب منصور اللوم إلي زوجته سلمي، وقال لها بأنّه دائمًا مُنهمك في عمله طوال النهار، وهي التي كان يفترض بها أن تراقبَ ولدهما. ولو أنَّها أنفقتْ وقتًا أقلّ مع وعّاظ الدين المتشدّدين الذين وعدوها برائحة الجنة، وكانت يقظة لما يجري تحت أنفها، لمنعت حدوث المصيبة التي حلَّت بهم؟ أمَّا سلمي فقد ألقت المسئولية علي زوجها منصور؛ لأنّه هو الذي بذر بذور الإلحاد في ذهن ولدهما، فكل أحاديثه عن المادية والتفكير الحر هي التي أدّت إلي هذه الكارثة» (الرواية، ص 61). علاوة علي ما مرّرته من نصائح خصّت بها الأمّ ابنتها وبالمثل الأب. وكأن النص تطبيق عملي لهذه الأطروحات النظرية التي ذكرتها في "حليب أسود"، في جملة الاستفادات التي حظيت بها من الآخرين، وهذا موضوع مستقل يحتاج إلي مزيد من التوضيح.