رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

بستان الكتب

لا منطق الرقابة!


إشراف : منصورة عز الدين
12/2/2017 10:54:10 AM

لا تزال عقلية الرقيب العربي صالحة لإثارة الدهشة بل والصدمة، فالرقابة ليست من الأشياء التي ينبغي الاعتياد عليها والتأقلم معها حتي بالنسبة لمن عاش معظم عمره في ظلها.
من العبث، بطبيعة الحال، البحث عن منطق في عمل يخاصم المنطق كالرقابة خاصةً في عصر كالذي نعيش فيه، لكن هناك حالات يتحول فيها الأمر إلي هستيريا كاملة لا هدف من ورائها سوي إطلاق العنان لشهوة المنع، والمثال الأبرز هنا هو ما يحدث سنوياً في معرض الكويت الدولي للكتاب الذي بات مناسبة سنوية لاستعراض مهارات المصادرة بدلًا من أن يكون مناسبة للاحتفاء بالكتب والقراءة، فكل عام تتضاعف قوائم العناوين الممنوعة حتي وصلت هذا العام إلي أقصي درجاتها فدار »مداد»‬ الإماراتية وحدها نشرت قائمة بـ 121 عنواناً ممنوعاً من إصداراتها.
كما أعلنت دار »‬أثر» السعودية عبر حسابها علي تويتر أنها تعتذر للقراء في الكويت عن عدم توافر إصداراتها في المعرض لأن الرقابة ما زالت تحتجز أكثر من 40 عنواناً.
وتتابعت اعتراضات دور النشر الغاضبة من التعسف وهوس المنع، لكن بما أن هناك دور نشر لا تعلن عن المُصادَر من عناوينها وتفضل تفاوضاً - لا يقود غالباً إلي شيء ـــ عوضاً عن المواجهة والفضح، فالمؤكد أن حجم المنع أكبر بكثير من المعلن عنه.
لا أجد مفردة ملائمة لتوصيف سلوك هذا النوع من الناشرين سوي التواطؤ حرصاً علي العلاقة بالمسئولين عن المعارض. من حق كل ناشر طبعاً المحافظة علي استمرارية علاقته بالأطراف الفاعلة في سوق الكتاب، لكن ليس بما يضر حرية التعبير وحق الكتب في الانتشار بلا عوائق، ولا داعي هنا لذكر أن التواطؤ ـــ إن حدث ــ سوف يضر الناشر نفسه علي المدي البعيد ربما أكثر مما يضر المؤلفين.فلو تزايدت معدلات المنع في معرض ما علي نحو متسارع، سيكون من الأفيد للناشرين عدم المشاركة فيه توفيراً لمصاريف الشحن ونفقات تأجير أجنحة تغيب عنها معظم عناوينه في النهاية بسبب الرقابة. الناشر طرف مهم جداً في صناعة الكتاب والمعارض تحتاج إليه أكثر مما يحتاج هو إليها. فلو اتفق الناشرون علي مقاطعة معرض ما بسبب إيغاله في المنع والمصادرة لن يكون للمعرض وجود في هذه الحالة.
في النهاية، غني عن الذكر أن معرض الكويت ليس المعرض الوحيد الذي تتعرض الكتب فيه للمصادرة، فهذا داء عربي منتشر، لكنه (أي معرض الكويت) المثال الأوضح علي شطط الرقابة وتناميها من عام لآخر. غني عن الذكر أيضاً أن معظم الكتاب الكويتيين لم يتهاونوا في الاعتراض علي هذه الممارسات، بل ونظموا مظاهرات ضدها في أعوام سابقة، لكن القضاء علي هذه الظاهرة المقيتة في المعارض العربية عامةً يتطلب تعاون كافة الأطراف وعلي رأسها دور النشر نفسها.

م.ع