رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

كل شيء علي ما يرام


فرح أَبيّ طلعت مسلم
7/8/2017 9:55:56 AM

1

عمامة بيضاء يتوسطها لون أحمر، تشبه كثيرًا عمامات الأزهر، يلبسها عجوز خمري اللون ذو لحية بيضاء خفيفة. تتحرك قدماه علي رمال الشاطئ بآلية غريبة، غير مناسبة لسنه المتقدمة. ملابسه عادية جدًا لرجل (علي قد حاله)، رغم وجوده في منتجع فاخر بالساحل الشمالي، لا يأتيه عادة من هم (علي قد حالهم). جلبابه الرمادي الواسع غير مألوف في مكان قَلّت فيه الملابس بشكل عام.
يترك أسرته تحت الشمسية الملوّنة ويتقدم نحو البحر، خطوة تلو الأخري، كرجل آلي أُمِر بالتحرك عدة خطوات بعد الضغط علي زر ما. يداه مفرودتان بشدة، وتتحركان مع قدميه في ثبات، دون أن تسبق إحداهما الأخري.
في اللحظة التي لمست فيها مياه البحر قدميه، بدأت يداه في الاهتزاز؛ كان يرتعش. ضغط علي أسنانه بقسوة ليتحكم في يديه وفي انفعالاته. الأهل الذين تلمع جلودهم المكشوفة تحت أشعة الشمس، ويضع صغارهم السماعات الضخمة علي آذانهم، يراقبون كل ذلك من بعيد. أنظارهم جميعًا معلقة عليه، وقد توقفوا عن كل ما يفعلون، لا أحد يكلم الآخر، الكل في انتظار ما سيحدث..
2

البحر أوسع وأجمل ما يملكان، وكذا هي صداقتهما. شبّ »أحمد»‬ وهو يقول له يا ابن العم، رغم أنه ليس له أي أعمام في الحقيقة. لطالما تساءل عن سبب عدم كونهما إخوة، فهما يقضيان كل أوقاتهما معًا.. اللهو والطعام والصلاة، ويحبان القارب نفسه والصيد والسمك، وفي بعض الأحيان كانا يحبان الفتاة نفسها. الفرق الوحيد بينهما هو زرقة عيني »‬ أحمد»، كانت تشبه زرقة البحر كثيرًا، ولم يعرف والداه طوال حياتهما من أين أتي بها..
منذ كانا في الخامسة، والبحر ثالثهما في كل ألعابهما، وفي مراهقتهما -قبل اختراع الهاتف- كان متعارفا عليه بينهما -دون اتفاق- أنه إذا لم يكن أحدهما في بيته، فهو بالتأكيد في مكان ما عند البحر، والتحدي هو تخمين أية بقعة من الشاطئ أو أي ميناء سيجد أحدهما صاحبه عنده، ولكنهما ولسبب ما، لم يخطئا التخمين أبدًا.
علي حافة الميناء، يجلسان وأرجلهما القصيرة تلهو في الماء البارد، تمتلئ نفوسهما الصغيرة بوسع البحر وزرقته، وترتوي أعينهما التي لم ترَ الكثير بعد بضياء الشروق النافذ إلي الروح. وفي سن مبكرة جدًا، أضحت لغة البحر هي لغتهما الأم، يتناجيان معه فلا يسمع حديثهما أحد سواه..
أودعا البحر كل أسرارهما وأحلامهما، كانا علي يقين أنه لن يخبر الأهل عمّا اقترفاه علي سبيل الفضول، ولن يخبر الجيران والأصحاب عن رأي الولدين فيهم، ولكنه وبطريقة ما، كان يخبر الفتيات الجميلات بإعجاب الولدين بهن.. وكانا يشكران له هذا المعروف كثيرًا. يهرعان إليه بشهادات مدرسية راسبة، فيعودان بإمضاء مزور متقن، ويهربان من المنزل سخطًا فيجدان عنده الطعام والمأوي، وقبل كل شيء..الدفء. ولكن البحر لم يستطع فعل أي شيء حيال لحظات الفراق المؤلمة غير أن يلتزم الصمت التام المهيب، وتكف أمواجه عن الحركة، ويقل الزبد حتي يتلاشي، ويسكن السمك في جحوره تحت الماء.. دائما ما وجدا صمته في تلك اللحظات أبلغ وأحن علي قلبيهما الصغيرين من حديث كل من عرفهما حينها.
3

دقيقة كاملة حافظ فيها العجوز علي اتزانه، ثم دار في جمود نصف دورة بجذعه فقط نحو أهله، يده اليمني ترتفع في بطء، دون أي ارتعاش يراه أهله من بعيد، تأكد من ثبات ذراعه في مستوي وجهه، رفع إبهامه عاليًا، ضم الأصابع الأربعة مكونًا علامة »‬جيد» بيديه، وكشف عن أسنانه المفلجة محاولًا الابتسام، ليُعلِمَهم أن كل شيء علي ما يرام.
ما إن رأوه حتي تنفسوا الصعداء، وبدت ابتسامة ارتياح واضحة علي وجوههم. صوت تصفيق وصفير دوّي عاليًا من أحد شباب أسرته محاولًا تشجيعه، وابتسامة رضا دامعة ارتسمت علي وجه إحدي سيدات العائلة. دقائق معدودة، ثم بدأوا بالانشغال عنه بفتح حقائبهم ومناداة أطفالهم والتمدد في الشمس لاكتساب لون جديد، وإعادة تثبيت السماعات الضخمة فوق رءوسهم.
4
ابن العم دائمًا ما كان يحب القاهريين عندما يزورون مدينتهم الساحلية، ويسهبون في حكاياتهم عن الأزهر؛ كان يري فيه مهابة وجلالة تأخذ بلبه. أوصي أبوه أحد أقاربهم هناك أن يأتي له بعمامة من عمائمهم أو أن يصنع مثيلًا لها، ليهديها لابنه في عيد مولده الثالث عشر.
»‬ لو لم  يكن هناك بحر، لكنت الآن شيخًا معممًا في الأزهر» كان يقولها وهو يضحك بملء فيه.
يتذكر »‬أحمد» جيدًا شكل ابن العم وهو يأتي نحوه راكضًا عند الميناء، والعمامة تهتز فوق رأسه وتغطي نصف وجهه..
»‬ بص أبويا جابلي ايه»
عينا ابن العم تلمعان، وقدماه تكادان لا تلمسان أرض الميناء. الهواء يشده للخلف، ولكنه يجري كأنه يطير. لا يتذكر »‬أحمد» أنه رأي في حياته كلها شخصًا أسعد من ابن العم في هذه اللحظة. وقف فوق صخرة ضخمة علي حافة الميناء، وأخذ نفسًا عميقًا ونفخ صدره، ثم بدأ يلقي خطبة عصماء علي مسامع طلاب علم وهميين يجلسون علي بساط البحر.
»‬بصلي كده هخدلك صورة»
صنع »‬أحمد» بيديه شكل آلة تصوير وهمية ليصور بها ابن العم فوق الصخرة المنبر وهو يلوح بيديه في الهواء ويضحك. أخذ يتقافز حوله وهو ينادي عليه بلقب »‬الإمام الأكبر»؛ كان فرحًا لفرحته غير المبررة بتلك العمامة الغريبة. التفت ابن العم إلي البحر، وأمسك العمامة فوق رأسه بيده ليرفعها من فوق عينيه، ثم رفع اليد الأخري في مستوي وجهه، وضم الأصابع الأربعة ورفع الإبهام، صانعا بها علامة »‬جيد» ناحية البحر؛ كان يشكره علي تحقيق أمنيته ويخبره أنها تسير علي أفضل ما يرام. تسلل »‬أحمد» من خلفه مبتسمًا ونشل العمامة من فوق رأسه وركض هاربًا. لحقه ابن العم، وظلّا يركضان علي الشواطئ كلها ضاحكين حتي صارا شابين يافعين في العشرينات..
5
ظلّ العجوز رافعًا ذراعه حتي تأكد أن كل واحد من أهله قد ابتعد عنه مرتاحًا، ومنشغلًا بشيء ما، ثم أنزل يده في حذر،وعاد بجذعه ليواجه البحر مرة أخري. تجاعيد الأعوام الطويلة بدت أكثر ظهورًا علي وجهه في هذه اللحظة من ذي قبل. أخذ وجهه في الانكماش، وارتعش جسده كله حتي اضطربت العمامة فوق رأسه، وبدأت شفتاه تتحركان بالحديث، ثم أجهش في بكاء مرير..
6

مركب صيد خشبي متوسط الحجم، تتدلي الحبال من أعمدة شراعه العالية، له مقدمة مرتفعة في الهواء، تعطيه رونقًا زائدًا عن حقيقته، تتكوم الشباك في ركنه مستعدة، مكتوبٌ علي جانبه »‬ البحر».. كانت تلك الكلمة كافية جدًا.
 فكرة امتلاك قارب يخصهما في هذه السن المبكرة هي حلم لم يخبرا به أحدًا إلا البحر؛ كان أكثر سذاجة واستحالة من أن يخبرا به أحدًا، لكن إخبار البحر كافٍ جدًا؛ففي الثالثة والعشرين من عمرهما، كانا يقفان أمام حلمهما الأول والأجمل علي الإطلاق تدمع عيونهما ضحكًا، يرفعان أيديهما في مواجهة البحر، يضمان الأصابع الأربع ويرفعان الإبهام، بعلامة »‬جيد» ليخبرا البحر أن كل شيء علي ما يرام.
»‬أحمد» يشد الحبال بكل قوته إلي الأسفل، فتنفرد أشرعة المركب كرايات

كتيبة منتصرة، يربط الحبال جيدًا فيتقدم المركب إلي الميدان بزهو واضح لا يتناسب مع حجمه الصغير، وابن العم، يقف علي حافة المقدمة العالية بعمامته الرابضة فوق رأسه، يلبس رداء أزهريًا من هواء البحر، يستعين به علي فرض هيبته كصياد معمم في باحة البحر الواسعة الممتلئة بالمريدين من كل بقاع الأرض..
يحكي سكان المدينة أنه في هذا اليوم امتلأت شباكهم بشتي أنواع السمك، وأتت الرياح علي غير عادتها بما تشتهي سفنهم، لم يسلب البحر أحدًا يومها، واختفت الزرقة الداكنة الموحشة من أعماقه، ظلّ يومًا مذكورًا في مدينتهم بعد ذلك، قالوا..» البحر كان مبسوط..»
رزق أحمد وابن العم في أغلب الأحيان الأخري لم يكن كافيًا، لكن وجودهما معًا في عرض البحر علي مركبهما الخاص أكثر من كافٍ. فالصباح للصيد وبيع الأسماك وتقسيم الأرباح القليلة، والمساء للعب والتنزه داخل البحر المظلم بضوء مركبهما الضئيل وأغانيهما المحببة.
»‬البحر غاضب.. لا داعي للتنزه الليلة» قالها ابن العم في إحدي الليالي العاصفة.
نظر له »‬أحمد» بطرف عينيه: »‬أنت خايف يا شيخنا ولا إيه؟»
نشل العمامة -التي أصبحت الآن علي مقاسه- من فوق رأسه، وركض نحو الميناء حتي قفز علي القارب، وتبعه ابن العم.
الهواء عاتٍ، يلعب بمركبهما وسط البحر كورقة خفيفة، أعجبهما ذلك، كلما زاد الهواء، علت أغانيهما المتحمسة.
البحر ملكهما، المدينة كلها تعرف ذلك، فكما أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب، والسمك يملأ البحر، والرمال تغطي الشواطئ، والموانئ تعج بالسفن، فإن بحر هذه البلدة لا ينتمي إلا إليهما. ولكنهما أيضًا يعلمان تمام العلم أنه في وقت كهذا، لا أحد إطلاقًا يستطيع امتلاكه. يغنيان فوق مركبهما في جنح الليل، وفي داخل كل منهما رغبة حقيقية في العودة قبل فوات الأوان، ولكن أحدًا منهما لا ينطق بكلمة واحدة.
انطفأت أنوار المركب فجأة، وفشلت محاولتهما لإعادة إضاءتها.. صمتا لوهلة عندما اكتشفا أنهما غارقان في ظلام دامس لا يري فيه المرء يديه. يميل القارب إلي أقصي اليمين فتملؤه الأمواج المضطربة، ثم يسارع إلي أقصي اليسار، فيفرغ ما امتلأ به من ماء وتضربه موجة جديدة فيمتلئ ثانية.. بلا توقف. الأمواج التي لطالما كفّها البحر عنهما، تحاول الآن ابتلاع مركبهما الصغير، ودفء البحر الذي لطالما اكتنفهما أطفالًا وشبابًا تبدل ببرد قارس يفتت عظامهما الشابة القوية. يملأ الهواء الأشرعة فينطلق المركب كأنه سيترك البحر الغاضب ويطير في الهواء للتخلص من سطوته القاتلة، ولكن الأمواج تتكالب عليه من كل اتجاه فتملؤه ماءً وصقيعًا ويأسًا من النجاة.
يقفز ابن العم إلي مقدمة القارب، علّه يستطيع رؤية طريق العودة قبل فوات الأوان، يصرخ فيه »‬أحمد» بالرجوع، ويرسل البحر أمواجه علي القارب لترديه أرضًا وتبعده عن المقدمة، وحتي الرياح تعكس اتجاهها لتجبره علي العدول عن فعله، ولكنه حينها ولسبب لم يعرفه »‬أحمد» حتي الآن، لم يستمع إليه ولا إلي البحر والرياح، وأصرّ علي الوقوف علي المقدمة. لم يقل ابن العم إلا »‬ لا تخف، كل شيء سيكون علي ما يرام» رفع يده في الهواء مكونًا علامة »‬جيد» ليطمئن »‬أحمد».. دون أن يلتفت إليه.
كان اصطدام السفينة مروعًا، ألقي بأحمد علي الأرض فارتطم رأسه بعمود خشبي وسط المركب وغاب عن الدنيا.
7

الموج يأتي سريعًا إلي قدميه الهرمتين، فيهرع العجوز إلي الخلف ويوشك علي السقوط، ثم تنحسر المياه، فيتزن، ويعاود الحديث والبكاء. ظهر صوت أحد شباب أسرته يأتي من ورائه علي بغتة، مسح العجوز عينيه في عنف، وأدار جذعه نصف دورة بالضبط، رفع ذراعه في حذر، رفع الإبهام وضم الأصابع، مكونًا علامة »‬جيد»؛ مخبرًا الشاب أن كل شيء علي ما يرام. اطمأن الشاب عندما رآه، ربت علي كتف العجوز المحنية وهو ماضٍ نحو البحر ممسكًا بيد فتاة حسناء. ظلّ الفتي يراقبه من داخل المياه.
8

عمامة بيضاء، يتوسطها لون أحمر، تشبه كثيرًا عمامات الأزهر، كان هذا كل ما وجده »‬أحمد» علي سطح المركب، عندما أفاق في نور الصباح الشحيح قبل الشروق. مقدمة المركب العالية اختفت، وكذا ابن العم. لم يعلم »‬أحمد» ما حدث بالضبط، لكن صمت البحر التام المهيب في لحظات الفراق المؤلمة، اختفاء أمواجه العاتية، تلاشي الزبد، وسكون السمك داخل جحوره تحت الماء، كان كافيًا تمامًا ليعلم أن لا شيء علي الإطلاق علي ما يرام..
9

في شوارع القاهرة الأسفلتية يمشي »‬أحمد» والعمامة فوق رأسه، يحسبه الناس أزهريًا، ولا يحاول هو أن يخبرهم عكس ذلك. ظهرت انحناءة خفيفة في ظهره منذ ترك مدينته، لا يلحظها إلا من عرفوه صغيرًا منذ زمن بعيد. استقر في العاصمة وكوّن أسرة قاهرية الشكل واللهجة والعادات، كأنه ولد فيها، حتي أن الجارات العجائز في جلساتهن بعد العصر، كن يقلن إنه يعيش بينهن منذ كان طفلًا، لكن الذاكرة هي التي تخونهن في تذكره صغيرًا!
تلاشت زرقة البحر من عينيه تدريجيًا، ومالت إلي البني، هجر صوت البحر مسامعه بعد أن ظل يسمعه لفترة طويلة بعد رحيله. الأحلام التي ملأت عقله صغيرًا وشابًا أبت إلا أن تبقي في مدينته الساحلية الصغيرة، وأوسعت المكان لأمور أكثر جمودًا لتملأ عقله القاهري. لون جسده لم يعد كسمرته المعتادة؛ قلّ تعرضه للشمس فتحول لونه لخمري باهت. يقولون إن الأرواح تظل تسكن الأماكن بعد رحيل الأجساد عنها، فهو لم يتبقَ له بعد الرحيل غير جسد واهن يتكئ عليه ليكمل ما بقي له من أيام، وعمامة بيضاء قديمة يتوسطها لون أحمر، لا يحاول إخفاءها إطلاقًا، ولكنه أيضًا لا يخبر أحدًا بسرها أبدًا، وصورة التقطها بآلة تصويره الوهمية في زمن بعيد غابر، لصبي أسمر صغير يقف فوق صخرة عند الميناء، وخلفه البحر، يلبس عمامة تكبر حجم رأسه كثيرًا، ويلوح في الهواء وهو يضحك..
10

يُقال إن عينيه في هذا اليوم الذي رأي فيه البحر بعد خمسين عامًا من الرحيل، قد استعادتا بعضًا من زرقتهما القديمة..وأن الأزرق ظل يصارع البني في عينيه حتي آخر الأيام..
 أشبك العجوز يديه خلف ظهره، أدار جسده ومشي في تؤدة، والعمامة تهتز فوق رأسه، وصل لمكان الأهل المشغولين، لم يلحظوا وجوده. أسند رأسه إلي ركبتيه وهو يجلس القرفصاء علي الرمال.
تنفلت منه ابتسامة خفيفة واضحة، وتنساب الدموع بهدوء من عينيه لتغسل كل ما علق بروحه من ذكريات فراق قديم، ليستطيع من جديد أن يرفع ذراعه في مستوي رأسه، ويثبتها، ثم يرفع إبهامه ويضم أصابعه؛ ليخبر البحر وابن العم أن كل شيء علي ما يرام.






تعليقات القرّاء