رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

برميل السماد


جون كولتر
7/15/2017 10:56:18 AM

وصل المكان الذي اختاره للعملية. ساق بهدوء بجانب المدرسة الثانوية الحكومية وتوقف بالسيارة بأقل من خمسين مترا من مدخل السوق. أوقف المحرك ثم اخذ المفتاح من إشعال السيارة و فتح الباب. وعندما وقف في الشارع في نور الشمس الشديد، فحص المكان من جديد. أمامه يقع مدخل السوق وكان يستطيع أن يشم رائحة الدجاج المشوي بالرغم من المسافة.وعلي يساره يقع البنك الوطني الأول، وأمامه عدد من الناس ينتظرون لاستعمال ماكينة الصراف الآلي. وعلي يمينه كانت تقع المدرسة الثانوية--فيها درس في طفولته- وخارجها يلعب الأطفال الآن كرة القدم.
ولد في نفس الحيّ في مرحلة السلام، عندما كان الناس يشعرون بالبهجة، وكانت مشاكلهم صغيرة. ولد في يوم أحد عادي، عندما كان الأطفال لايزالون يلعبون في الشوارع دون خوف من الجريمة، ويجلس والداهم في الشرفات يدخنون ويشربون القهوة، ويبيع البائعون الطعام والشراب في السوق. جاء من المستشفي بعد سبعة أيام، واستقبله كل الجيران. ونشأ مثل أي ولد آخر سكن في بيت طيب، وتشاجر مع إخوته، وكشف أسرار أصدقائه. درس في هذه الثانوية الحكومية، ولعب كرة القدم في هذا الحقل. وعندما خرج من الطفولة وأصبح شابا، لم يكن عنده كثير من الأصدقاء، ولم يصادف نجاحا مع الفتيات أبدا، ولكن بالرغم من شعوره بالوحدة كان شاباً مثل أي شاب.
ولكن بطريقة ما خرج عن الطريق العادي في مرحلة التحول من الشباب إلي الرجولة. خرج من البلد وانقطعت علاقته بعائلته. لم يعرف أحد أين سافر، وعانت عائلته من آلام غيابه. وبعد عدة شهور، زارت قوة من المخابرات بيت عائلته، ومنها عرفت عائلته أنّه التحق "بمدرسة" متطرفة في اليمن.
عندما عاد من رحلته، كان رجلا مختلفا. استأجر شقة صغيرة في حيّ آخر في المدينة. اشتري سيارة قديمة وبرميلا من السماد، وصنع كل ما يحتاجه للعملية القادمة. وضع في صندوق السيارة خمسمائة كيلو من المتفجرات. وفي اليوم المحدد، ساق السيارة من شقته إلي قلب المدينة.  
وقف مجمدا في الشارع للحظة طويلة. امسك في قبضته بجهاز التحكم، ولكنه لم يدفع الزر. فقد دخل رأسه إحساس بالشك، وامتد الشك هناك حتي ملأه. ثم سمع اقتراب صرخات الأطفال وجاءت كرة متدحرجة أمامه. وجري ولد صغير من المدرسة إلي الشارع، وتوقف خلف السيارة المفخخة بالضبط كي يمسك الكرة. وقال الولد:
"متأسف"
وبعد لحظة:
"كل شيء تمام يا حاج؟"
لم يجب فلان، وبعد لحظة بالصمت أطلق الولد لمحة مرتبكة إليه، ثم أخذ كرته ورجع إلي المباراة. راقب الولد يرجع إلي المباراة، وفجأة كسر شيء داخله. أدار رأسه علي كل ناحية كأنه رأي المشهد المعروف للمرة الأولي. تغيرت ملامح وجهه، ثم مشي إلي سيارته بهدوء. فتح الباب، وجلس في مقعد السائق. وبعد ثانية، أعاد المفتاح في إشعال السيارة وبدأ يسوق.
عاد إلي شقته وجلس علي سريره في غرفته، وانتظر في الظلام وصول المخابرات. ولكن لم تجيء قوات المخابرات أو أي شخص آخر، سوي المرأة العجوز مالكة الشقة التي دقت بشدة علي الباب مطالبة بالإيجار. لم يجب وبعد وقت ذهبت المرأة. وبعد ثلاثة أيام من الانتظار، قرر أنّ قوات المخابرات لن تجيء، فرتب بعض الملابس وخرج من الشقة. ذهب إلي البنك في الحيّ، وسحب كل ماله ووضعه في حقيبة. ثم رجع إلي شقته، أخذ مفتاح السيارة من طاولة القهوة، وخرج من الشقة للمرة الأخيرة.
ساق السيارة بدون هدف محدد. وبعد ساعة هرب من ازدحام المدينة، وساق في الطريق الزراعي بدون توقف. استمع إلي الراديو بحثا عن أي معلومات عنه، ولكن ما كان في الراديو أي أخبار سوي أغنيات كلاسيكية وإعلانات لأفلام غربية جديدة. كان يسوق بحذر، فلم يستطع أنّ يزيل المتفجرات من صندوق السيارة داخل المدينة.
بعد عدد من الساعات مرّ بمزرعة صغيرة بجانب الطريق. وكانت حقول المزرعة بنية وفارغة من الزرع. رأي في ركن أحد الحقول عشة صغيرة من الخشب، وعليها إعلان "للبيع". توقف بالسيارة. جلس في جانب الطريق وانتظر، وبعد وقت جاء مالك المزرعة إلي العشة.
اشتري المزرعة دون مفاوضات طويلة. سأل:
"بكم المزرعة كلها؟"
ورد مالك المزرعة:
"خمسون ألف."
فتح الحقيبة وعدّد ماله بسرعة.
"معي فقط 35000 يا حاج"
ولكن المالك أراد أنّ يبيع المزرعة، فقال:
"تمام، طيّب"
وبهذه الطريقة حصل علي مزرعة وبداية جديدة. زرع فراولة في الحقول (وفي حقل واحد حاول أن يزرع التوت، ولكان الطقس لم يكن مناسبا و لم ينبت به شيء). شغل نفسه في تفاصيل المزرعة. أخذ السماد الذي اشتراه أصلا من أجل المتفجرات من صندوق السيارة، وانتشر السماد علي الحقول. وبعد عدد من الأسابيع نبتت الفراولة من الأرض بشكل ملحوظ، وكان الحصاد الأول ناجحا. وخلال السنة التالية عمل في حقول المزرعة، ودفن مشاعره المتناقضة في الأرض المبللة. ترك السيارة المفخخة (بدون المتفجرات) في ركن حقول الفراولة، ومع الوقت غطتها طبقة من الصدأ. شعر بالراحة في عزلة المزرعة.
بعد سنة جاءت  قوة المخابرات أخيرا. استقبلهم بالقهوة وطبق من الفراولة، وجلس معهم في غرفته. كان لطيفا وقال لهم إنه فهم كل شيء. وعندما انتهي الكلام، ذهب معهم بدون مقاومة إلي السجن، وترك خلفه المزرعة والصمت.